آخر الأخبار

مرصد أوكايمدن.. بوابة المغرب إلى الكون

شارك

يقع مرصد أوكايمدن (Oukaïmeden Observatory) في قلب جبال الأطلس المغربية، على ارتفاع 2750 مترا فوق سطح البحر، بالقرب من قرية أوكايمدن في إقليم الحوز قرب مراكش، وهو اليوم واحد من أبرز المراكز الفلكية في أفريقيا والعالم العربي، ويتميز بصفاء السماء وارتفاعه الذي يوفر ظروفا مثالية لرصد الأجرام السماوية، بعيدا عن تلوث الضوء الحضري والرطوبة العالية التي تعيق المراصد الواقعة في المناطق المنخفضة.

تمثل هذه البيئة الطبيعية المثالية نقطة جذب للباحثين والطلاب وهواة الفلك من مختلف أنحاء العالم، حيث يمكنهم أن يرصدوا بدقة الأجرام السماوية الصغيرة والكواكب والأجرام النائية في النظام الشمسي.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 قصة توقيت غرينيتش.. كيف وُلدت خطوط الطول والمناطق الزمنية؟
* list 2 of 2 بمليون دولار.. أول فندق على القمر يفتح باب الحجز للأثرياء في 2032 end of list

التأسيس والأهمية العلمية

أسست مرصد أوكايمدن عام 2007 جامعة القاضي عياض في مراكش، بعد أن أثبتت الدراسات الميدانية التي بدأها فريق من علماء الفلك المغاربة منذ الثمانينيات أن المنطقة توفر ظروفا ممتازة للرصد الفلكي، مشابهة لمراصد عالمية مشهورة مثل مرصد "لا سيلا" في تشيلي.

وقد بدأ العلماء المغاربة بتأسيس محطة للرصد الشمسي، قبل أن تتوسع الأنشطة لتشمل البحث في الأجرام الصغيرة في النظام الشمسي، ورصد الكواكب النجمية خارج المجموعة الشمسية، ومتابعة النيازك والمذنبات.

مصدر الصورة شعار المرصد الجامعي القاضي عياض (حساب المرصد الفلكي أوكايمدن على فيسبوك)

يقول مدير المرصد والأستاذ الاسبق في كلية العلوم السملالية بمراكش الدكتور زهير بن خلدون إن تجربة إنشاء مرصد أوكايمدن "شكلت خطوة محورية في وضع المغرب على الخارطة الفلكية العالمية، إذ لم يعد البحث العلمي في الفلك مقتصرا على بعض المراكز الأوروبية أو الأميركية، بل أصبحت لدينا القدرة على إنتاج اكتشافات عالمية والمشاركة في مشاريع دولية معروفة".

ويؤكد ابن خلدون أن هدف مرصد أوكايمدن لا يقتصر على البحث العلمي فحسب، بل يتعداه إلى التعليم ونشر الثقافة العلمية بين الشباب والطلاب، إذ يوفر ورش عمل تعليمية وجلسات رصد مباشر يستفيد منها طلبة المدارس والجامعات.

التلسكوبات والمعدات

يضم المرصد اليوم عددا من التلسكوبات المتقدمة، أبرزها "ترابست الشمالي" (TRAPPIST-North)، وهو توأم لتلسكوب "ترابست الجنوبي" (TRAPPIST-South) الموجود في تشيلي، يُشغَّله عن بعد فريق دولي يقوده مركز الفضاء في جامعة لييج البلجيكية.

إعلان

ويحتوي المرصد إضافة إلى ذلك على تلسكوبات أخرى متوسطة الحجم تابعة لـ"برنامج رصد السماء في أوكايمدن بالمغرب" (Morocco Oukaïmeden Sky Survey) ويُستخدم لرصد الكويكبات والمذنبات المقتربة من الأرض، ومتابعة الأجرام الصغيرة في النظام الشمسي.

مصدر الصورة الثلوج تغطي مرصد أوكايمدن في المملكة المغربية بسبب موقعه الشاهق فوق الجبال (مرصد أوكايمدن)

وتقدر قوة التلسكوبات في المرصد بمراقبة أجرام يقل لمعانها إلى القدر الظاهري 21.5 (وهو مقياس يفاضل بن لمعان النجوم في السماء، إذ إن أخفَتَ نجم يرى بالعين المجردة يلمع من القدر السادس، علما بأن القدر الخامس ألمع منه بمرتين ونصف والرابع والثالث.. إلى القدر الأول الذي يفوق القدر السادس في اللمعان بـ100 مرة)، مما يتيح اكتشاف أجسام صغيرة جدا على بعد مئات الملايين من الكيلومترات.

ويشير الدكتور بن خلدون إلى أن "هذه التلسكوبات لم تكن موجودة منذ البداية، بل تم تجهيز المرصد تدريجيا عبر شراكات دولية، سواء مع الجامعات الأوروبية أو مع فلكيين مستقلين مثل ميشيل أوري في سويسرا، الذي ساهم في برنامج "أوكايمدن لرصد الكويكبات".

ويضيف ابن خلدون "تمكن فريقنا من رصد أكثر من 200 كويكب ومذنب، ونشرنا أكثر من مليون ملاحظة علمية في قواعد البيانات الدولية".

الاكتشافات العلمية الرائدة

قدّم مرصد أوكايمدن مساهمات علمية كبيرة على الصعيدين الإقليمي والدولي، ومن أبرز تلك الاكتشافات المساهمة في دراسة حلقة كثيفة حول كويكب "كواوهار" (Quaoar) الواقع وراء مدار كوكب نبتون، وقد نشرت في مجلتي "نيشر" (Nature) و"أسترونومي" (Astronomy) عام 2026.

وبينت هذه الدراسة أن هذه الحلقة تقع خارج حدود روش الكلاسيكية (حد روش هو مسافة حول الكوكب داخلها لا يستطيع الفتات الكوكبي أن يتجمع لتشكيل قمر مستقر، وإذا وُجد قمر داخل هذا الحد، فإن قوى المد والجزر للكوكب تؤدي إلى تفككه)، وهو ما يشير إلى أن قوى المد والجزر لا تحدد دائما مكان بقاء المواد الدائرية حول الأجرام السماوية الصغيرة. وهو اكتشاف فلكي جديد يضيف بعدا مهما لفهم تشكيل الحلقات حول الكواكب والأجسام الصغيرة في النظام الشمسي الخارجي.

مصدر الصورة الدكتور زهير بن خلدون مدير مرصد أوكايمدن (الجزيرة)

ويشير الدكتور بن خلدون إلى أن "مرصد أوكايمدن تمكن، بفضل تلسكوب "ترابست الشمالي" من متابعة اختفاء نجم خلف الكويكب كواوهار، وهو حدث أتاح لنا تحليل الخصائص الفيزيائية للجسم الدائري ومقارنة النتائج مع حلقات كويكبات أخرى مثل تشاريكلو (Chariklo) وهوميا (Haumea)، وهذه الدراسات تؤكد أن دور الرنين المداري مهم جدا في حفظ هذه الحلقات، وتفتح آفاقا لفهم ديناميكيات الأجرام الصغيرة في النظام الشمسي".

إضافة إلى ذلك يواصل فريق المرصد ضمن برنامج "رصد السماء في أوكايمدن بالمغرب" اكتشاف الكويكبات والمذنبات المقتربة من الأرض (NEOs)، وقد رصد عددا من هذه الكويكبات إلى جانب مذنب أوكايمدن الذي اكتشفه المرصد سنة 2013.

هذه الاكتشافات لا تسهم فقط في توسيع قاعدة البيانات العلمية، بل تساعد أيضا في تقييم المخاطر المحتملة للكويكبات القريبة من الأرض.

التعاون الدولي والبحوث المشتركة

يتمتع مرصد أوكايمدن بشبكة واسعة من الشراكات الدولية تشمل الجامعات الأوروبية مثل جامعة لييج البلجيكية، ومرصد "لا سيلا" في تشيلي، إضافة إلى علماء مستقلين مثل ميشيل أوري في سويسرا وكلودين رينر في فرنسا.

إعلان

ويتيح هذا التعاون تشغيل التلسكوبات عن بعد، ومشاركة البيانات العلمية مع الباحثين في مختلف أنحاء العالم، والمساهمة في مشاريع أوروبية مثل "لاكي ستارز" (LaKY Stars) والتي يمولها الاتحاد الأوروبي، والتي تركز على دراسة النظام الشمسي الخارجي واكتشاف الكواكب النجمية والأجرام الصغيرة.

مصدر الصورة داميان لاشا أحد علماء مرصد أوكايمدن (مرصد أوكايمدن)

ويؤكد الدكتور بن خلدون أن "التعاون الدولي لم يكن مجرد تبادل بيانات، بل هو فرصة لتدريب الطلبة والباحثين الشباب وتطوير مشاريع علمية مشتركة، والرفع من جودة الأبحاث المغربية لتصبح قابلة للنشر في أفضل المجلات العلمية العالمية".

هذه الشراكات سمحت أيضا للمرصد بأن يصبح مركزا مرجعيا في الفلك ضمن الشبكات الدولية مثل "مركز الكواكب الصغيرة" (Minor Planet Center)، وبرامج رصد الكواكب النجمية (Exoplanets).

التعليم والتوعية المجتمعية

يولي مرصد أوكايمدن اهتماما كبيرا للتعليم ونشر الثقافة العلمية، إذ ينظم زيارات مدرسية وجامعية بشكل دوري، يقدم خلالها ورشا حول الرصد الفلكي واستخدام التلسكوبات والتعرف على الكواكب والنجوم وتفسير الظواهر السماوية.

ويتيح المرصد للطلاب تجربة الرصد الواقعي للأجرام السماوية، مما يعزز لديهم المهارات العلمية والفضول الفلكي، كما ينظم أنشطة لعامة الناس، تشمل جلسات التصوير الفلكي الليلي، ومراقبة النجوم والكواكب والمذنبات، ورصد الشمس بواسطة تلسكوبات متخصصة.

مصدر الصورة طلاب ماجستير في علوم الفضاء بجامعتي لييج والقاضي عياض في زيارة لمرصد أوكايمدن (موقع جامعة لييج)

ويدعم المرصد المبادرات التعليمية مثل مسابقات العلوم وعروض المحاضرات العلمية، لتشجيع الشباب على اختيار مسارات علمية في الفيزياء والفلك.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور بن خلدون "نسعى لأن يصبح المرصد منصة تعليمية، تتيح لكل طالب فرصة أن يشعر بنفسه عالم فلك، وأن يكون جزءا من الاكتشافات العلمية".

دور المرصد في المجتمع المغربي والعالم العربي

لمرصد أوكايمدن دور محوري في تعزيز حضور المغرب على الخارطة العلمية الدولية، ويساهم في تطوير البحث الفلكي في العالم العربي. فالمراصد العربية كانت في العصور الوسطى منارة للعلوم الفلكية، إذ أنشئت مراكز مهمة في بغداد ودمشق ومراغة وسمرقند، وساهمت في وضع أسماء للنجوم والكواكب ما زالت مستخدمة حتى اليوم.

ويؤكد الدكتور بن خلدون أن "إعادة إحياء الفلك العربي اليوم تتطلب مراصد مثل أوكايمدن، واستثمارات علمية مستمرة، وإشراك الشباب والجامعات في المشاريع البحثية".

كما يسهم المرصد في حماية المجتمع من المخاطر الفضائية، من خلال متابعة الأجرام المقتربة من الأرض، وتقديم بيانات دقيقة تساعد في التنبؤ بمسارات الكويكبات والمذنبات. ويشكل المرصد أيضا مركزا للتوعية بأهمية حماية البيئة الفلكية، من خلال مبادرات مثل إنشاء محمية السماء الداكنة حول المرصد لمنع تلوث الضوء، الأمر الذي يتيح أفضل ظروف للرصد ويعزز السياحة العلمية.

مشاريع المستقبل

يستعد مرصد أوكايمدن لمشاريع طموحة، أهمها بناء تلسكوب جديد بقطر 2 متر يمكن تشغيله عن بعد، إضافة إلى توسيع برنامج "رصد السماء في أوكايمدن بالمغرب" من أجل رصد الأجرام الصغيرة بدقة أكبر.

كما يشارك المرصد في إنشاء محمية سماء داكنة بقطر 160 كيلومترا، لتكون الأولى في شمال أفريقيا والأكبر عالميا، وهو مشروع يهدف للحفاظ على جودة الرصد وتعزيز السياحة العلمية والتعليمية.

ويخطط الفريق العلمي بقيادة الدكتور بن خلدون لإشراك المزيد من الجامعات العربية والدولية في البحوث المشتركة، بما يعزز من قدرة المرصد على إنتاج أبحاث عالمية، ونشر المعرفة بين الطلاب والمجتمع، ودعم جهود اكتشاف الكواكب والأجرام الصغيرة والمذنبات.

مذنب أوكايمدن الذي اكتشفه المرصد سنة 2013 (مرصد أوكايمدن)

ويشكل مرصد أوكايمدن اليوم صرحا علميا فريدا في المغرب والعالم العربي، يجمع بين البحث الرصدي المتقدم، والتعليم والتوعية المجتمعية، والتعاون الدولي من خلال اكتشافاته في النظام الشمسي الخارجي، ورصده للكويكبات والمذنبات، ومشاركته في مشاريع أوروبية ودولية، يثبت المرصد أن العرب يمكن أن يكون لهم حضور علمي متميز في علوم الفلك الحديثة، بعد قرون من التألق التاريخي في هذا المجال.

إعلان

ويؤكد الدكتور بن خلدون أن "المرصد ليس فقط مكانا للرصد والاكتشاف، بل هو منصة تعليمية وثقافية، تجعل كل طالب أو باحث يشعر بالانتماء إلى مجتمع علمي عالمي، ويساعد في بناء جيل جديد من علماء الفلك المغاربة والعرب القادرين على المنافسة دوليا".

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار