ينتهك أشخاص خصوصية حياتهم الذاتية، فيعرضون تفاصيلها الدقيقة، ويحولونها إلى محتوى عام على منصات التواصل الاجتماعي، مدفوعين بالرغبة في حصد الشهرة وزيادة عدد الإعجابات والتعليقات.
ورصدت «الإمارات اليوم» انتشاراً واسعاً لمقاطع فيديو وبث مباشر تعكس تحولاً عميقاً في مفهوم خصوصية الحياة في عصر «السوشيال ميديا»، إذ تمتد هذه الممارسات إلى لحظات شديدة القدسية والخصوصية، بدءاً من معتمر يفتح بثاً حياً أثناء الطواف في الحرم المكي، ومروراً بعروس تترك فرحتها وتفاصيل زفافها لتصوير المحتوى، ووصولاً إلى بث مباشر من داخل مجالس العزاء، أو قيام ذوي مرضى ببث لقطات حية للمريض، من داخل غرف المستشفيات، تصوّر لحظاته الأخيرة.
محتوى غريب
وتفصيلاً، قال مواطنون ومقيمون لـ«الإمارات اليوم» إنهم يرصدون محتويات غريبة تماماً عن مجتمعاتنا وقيمنا الأصيلة، على منصات التواصل الاجتماعي، وإن كان معظمها من خارج الدولة، مؤكدين أهمية زيادة حملات التوعية لحماية الحياة الخاصة وعدم تقليد مثل هذه السلوكيات.
وأكدوا أن هوس البعض بحصد الشهرة وزيادة الإعجابات دفع بهم إلى تحويل أكثر اللحظات الإنسانية قدسية وضعفاً إلى محتوى تفاعلي عام، لجذب المشاهدات والتكسب المادي.
وقال المواطن (أبوأحمد) إنه يرصد بانتظام مقاطع فيديو لتفاصيل الحياة الشخصية للأفراد أثناء أداء شعائر الطواف، وفي حفلات الأعراس، وداخل مجالس العزاء، وغيرها من المناسبات الشديدة الخصوصية.
وذكر المواطن (أبوهزاع) أن بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي وصنّاع المحتوى يتعاملون مع منصات التواصل على أساس أن الكاميرا تمنحهم سلطة مطلقة لتوثيق كل شيء، مؤكداً أنه يرصد محتويات غريبة تماماً عن مجتمعاتنا وقيمنا الأصيلة، وإن كان بعض ما يرصدونه يحدث خارج الدولة، وأكد أهمية تشديد الرقابة الصارمة على أي محتوى مخالف، وتعزيز الوعي المجتمعي الشامل بعدم انتهاك خصوصية الآخرين تحت أي تبرير.
وذكر آخرون أن البعض حوّل لحظات الفرح ومواقف الحزن والأجواء الروحانية، إلى مقاطع فيديو لحصد الإعجاب وزيادة عدد المتابعين، من دون وعي حقيقي بتبعات هذا السلوك.
ونظرت محاكم الدولة قضايا عدة من هذا النوع، وأصدرت فيها أحكاماً رادعة ضد منتهكي الخصوصية عبر منصات التواصل الاجتماعي.
مسؤولية قانونية
فيما نبّه خبراء قانونيون إلى المخاطر المجتمعية والقيمية والنفسية التي تشكلها هذه السلوكيات، فضلاً عن المسؤولية القانونية المترتبة على الفرد إذا تسبب هذا البث في انتهاك خصوصية الآخرين أو تصويرهم من دون علمهم.
وأكدوا لـ«الإمارات اليوم» أن الخصوصية حق إنساني أصيل، يجب أن يبقى محفوظاً ومحترماً، حتى في أكثر المجتمعات اتصالاً بالتكنولوجيا.
عوامل اجتماعية
وحول الدوافع النفسية والسلوكية الكامنة وراء هذه السلوكيات، قالت أخصائية علم النفس الإكلينيكي، الدكتورة فاطمة الحامدي، إن هناك عوامل اجتماعية وأخرى شخصية مرتبطة بالشخص نفسه، مثل الرغبة في تقليد الآخرين، ومحاكاة الأنماط السائدة من دون وعي بالتبعات، إلى جانب معاناة البعض شعوراً داخلياً بالنقص والعجز أو تدني تقدير الذات في الحياة الواقعية، ما يدفعهم لمحاولة تعويض هذا الفراغ النفسي من خلال البوابات الافتراضية لتبني صورة مغايرة ومُجَمّلة، تظهر عكس حقيقتهم، بهدف كسب إعجاب وتأييد الآخرين، لاسيما في ظل عدم قدرتهم على التكيف الفعلي أو بناء علاقات صحية ومتوازنة في مجتمعهم الحقيقي، وهو ما يدفعهم إلى اللهاث وراء التقدير والقبول الاجتماعي ومواكبة «الترندات».
وأضافت أن البيئة المحيطة وتأثير «السوشيال ميديا» يدفعان الفرد لتبني هذا السلوك، بل تطور الأمر إلى التكسّب والتربح المادي على حساب آلام الآخرين، مثل تصوير المرضى أو ذوي المتوفين، ونبهت إلى أن السعي المستمر وراء التقدير والقبول الاجتماعي الوهمي من خلال شاشات الهواتف يولّد حالة من الإدمان السلوكي على جذب الانتباه وحصد الـ«لايكات» ومواكبة الـ«ترندات» بأي ثمن، ما يدفع هؤلاء للشعور بنشوة وسعادة مؤقتة عندما يتحدث المتابعون عن أفعالهم أو إنجازاتهم المزعومة.
وهناك مَن يمارس هذه السلوكيات لأسباب تتعلق بالتكسب والتربح المادي المباشر، حيث لا يتردد في استغلال أكثر اللحظات الإنسانية ضعفاً وألماً، مثل بث معاناة المرضى داخل المستشفيات، أو المتاجرة بمشاعر الحزن والكسر لدى ذوي المتوفين، وتحويل الأزمات العائلية إلى مواد ترفيهية تفاعلية.
وحذّرت الحامدي من المخاطر النفسية والاجتماعية الوخيمة المترتبة على هذه السلوكيات، مشيرة إلى أن نشر الحياة الشخصية ومشاركتها المتابعين تترتب عليهما آثار نفسية عدة، إذ يبني هذا السلوك شخصيات هشّة ومصابة بحساسية نفسية مفرطة تفتقر للصلابة، ما يجعلها عاجزة عن تحمّل أي نوع من النقد أو التجاهل من قبل المجتمع، بل يقودها ذلك مباشرة إلى الوقوع في فخ الاكتئاب والإحباط، نتيجة التنمر الرقمي، والردود السلبية الحادة والهدامة من الآخرين، ناهيك عن الانزلاق نحو مأزق المشكلات القانونية.
مفهوم الخصوصية
من جانبه، قال أستاذ علم النفس الاجتماعي، الدكتور أحمد العموش، إن الحياة الافتراضية في المجتمعات الرقمية وعصر «السوشيال ميديا» باتت تخلو تماماً من مفهوم الخصوصية، التي طالما شكّلت العمود الفقري للمجتمعات التقليدية، وجدار حماية للأسرار الأسرية الخاصة، فالخصوصية بمفهومها الحقيقي لا توجد إلا في العالم الواقعي، وبين أشخاص موثوقين وجهاً لوجه.
وأضاف أنه مع غياب العلاقة المباشرة، تلغي العلاقات الافتراضية هذه الحرمة، ما يجعل الأفراد معرضين لخطورة اجتماعية بالغة، بسبب ما ينشرونه بقصد أو من دون قصد، وأشار إلى أن من أسباب غياب الخصوصية الاجتماعية هو أن الإنسان أصبح يعبّر عن كل تفاصيل مشاعره وأسراره الأسرية عبر منصات التواصل، مثل «فيس بوك» و«إكس» وغيرهما، سعياً لكسب المتابعات، وحصد الأرقام والتفاعل، وهو ما تسبب في حالة من «الغربة الاجتماعية»، وأفقد الواقع المجتمعي معناه الحقيقي.
بدوره، أكد المحامي علي مصبح أن المشكلة على المستوى الاجتماعي ليست في استخدام الهاتف أو مشاركة الإنسان لحظاته الخاصة باختياره، وإنما تبدأ عندما تتحول خصوصية الآخرين إلى محتوى عام من دون علمهم أو موافقتهم، فوجود الشخص في حفل أو مناسبة أو مكان عام لا يعني بالضرورة أنه وافق على تصويره وبث صورته أمام آلاف المتابعين.
وقال مصبح إن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت جزءاً من تفاصيل حياتنا اليومية، حتى امتدت في بعض الأحيان إلى لحظات كان يُنظر إليها باعتبارها شديدة الخصوصية، فنشاهد من يفتح بثاً مباشراً أثناء مناسبة زفاف، أو مجلس عزاء، أو مناسبة عائلية، بل حتى أثناء أداء بعض الشعائر الدينية.
وأشار إلى أن المشرّع الإماراتي قد أحاط الخصوصية بحماية قانونية واضحة، إذ نص المرسوم بقانون اتحادي في شأن مكافحة الشائعات والجرائم الإلكترونية على معاقبة من يستخدم وسائل تقنية المعلومات بقصد الاعتداء على خصوصية شخص أو حرمة الحياة الخاصة أو العائلية للأفراد، من غير رضا، وفي غير الأحوال المصرّح بها قانوناً.
ومن الصور التي أوردها النص، تسجيل أو نقل أو بث المواد الصوتية أو المرئية، وكذلك التقاط صور الغير في أي مكان عام أو خاص أو نقلها أو كشفها أو الاحتفاظ بها. وتصل العقوبة إلى الحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر، والغرامة من 150 ألفاً إلى 500 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين.
ونبّه إلى أن القانون أولى حساسية خاصة لتصوير المصابين أو الموتى أو ضحايا الحوادث والكوارث، فنص ضمن المادة ذاتها على تجريم التقاط صورهم ونقلها أو نشرها من دون تصريح أو موافقة ذوي الشأن.
وأكد أنه يجب هنا التمييز بين تصوير الإنسان لنفسه وتصوير الآخرين، فالعروس التي ترغب في بث جانب من زفافها، أو الشخص الذي يصور نفسه في مناسبة ما، لا يرتكب لمجرد ذلك جريمة اعتداء على خصوصية الغير، لكن الإشكال القانوني قد يبدأ عندما تشمل الكاميرا أشخاصاً آخرين، وتُنقل صورهم أو أحاديثهم أو تفاصيل حياتهم الخاصة من غير رضاهم، متى توافرت بقية عناصر الجريمة التي حددها القانون.
والأهم اجتماعياً أن وسائل التواصل غيّرت مفهوم الخصوصية، فأصبح البعض يتعامل مع كل لحظة على أنها مادة قابلة للنشر، لكن ليس كل ما يمكن تصويره ينبغي نشره، وليس وجود الإنسان أمام الكاميرا إذناً مفتوحاً بتحويل حياته إلى محتوى.
وأكد أن المسؤولية الرقمية تبدأ بسؤال بسيط قبل الضغط على زر «البث المباشر»: هل ما أنشره يخصني وحدي، أم أنني أكشف معه حياة أشخاص لم يختاروا أن يكونوا جزءاً من هذا المحتوى؟ فالخصوصية ليست رفضاً للتكنولوجيا، وإنما حق يجب أن يبقى محفوظاً حتى في أكثر المجتمعات اتصالاً بالعالم.
توثيق الحياة
وأكد أستاذ الإعلام والصحافة بجامعة زايد، الدكتور السيد بخيت، أن أحد أخطر التحولات التي فرضتها منصات التواصل الاجتماعي لا يرتبط فقط بسرعة تداول المعلومات، وإنما بتحول تفاصيل الحياة الخاصة إلى مادة متاحة للبث والمشاهدة والتعليق، فما كان يُعد في السابق شأناً شخصياً أو عائلياً، أصبح اليوم لدى البعض محتوى يُشارك مع جمهور واسع، وأحيانًا مع غرباء لا يعرفون أصحاب المناسبة ولا طبيعة ظروفهم.
وأشار إلى مشاهد باتت تتكرر بصورة لافتة، فالمعتمر قد يفتح هاتفه ويبدأ بثاً مباشراً أثناء الطواف، والعروس قد تنقل لحظات زفافها لحظة بلحظة، بل قد يتحول العزاء ووفاة أحد أفراد الأسرة إلى مناسبة للبث المباشر، كما قد يصور ذوو المرضى داخل المستشفيات تفاصيل مرض قريبهم ومعاناته، وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد استخدام الهاتف، وإنما بسؤال أعمق: هل كل ما نعيشه يصلح لأن يصبح محتوى عاماً؟
وأوضح أن الدوافع وراء هذه السلوكيات متعددة، منها الرغبة في مشاركة اللحظات المهمة مع الأقارب والأصدقاء، والسعي إلى التفاعل والشهرة، والشعور بأن البث المباشر أصبح جزءاً طبيعياً من توثيق الحياة، لكن المشكلة تبدأ عندما تتراجع الحدود بين «المشاركة» و«الاستعراض»، وبين حق الشخص في التعبير وحق الآخرين في الخصوصية.
ورأى أن الخطورة تتضاعف عندما يتعلق الأمر بأشخاص غير قادرين على الموافقة، كالمرضى، أو الأطفال، أو المتوفين، أو الموجودين في أماكن ذات خصوصية دينية أو إنسانية، فقد يكشف البث وجوهاً ومعلومات صحية ومشاعر إنسانية لا ينبغي أن تتحول إلى مادة رقمية قابلة للنسخ وإعادة النشر إلى ما لا نهاية.
ودعا بخيت إلى ترسيخ ثقافة «التوقف قبل البث»: هل أملك حق تصوير من يظهر في المشهد؟ هل وافق؟ وهل سيقبل أن تبقى هذه اللحظة متاحة للجميع بعد سنوات؟ فالمشكلة ليست في الكاميرا، وإنما في غياب الوعي بأن ليس كل ما يمكن تصويره ينبغي تصويره، وليس كل ما يمكن نشره ينبغي نشره.
وحذر من أخطر ظواهر العصر الرقمي (التقليد)، فعندما يرى الناس أن شخصاً بث لحظة خاصة وحقق آلاف المشاهدات، قد تتحول الممارسة إلى معيار اجتماعي جديد، فتتسع دائرة كشف الخصوصية تدريجياً حتى يصبح الاحتفاظ بلحظاتنا لأنفسنا هو السلوك الاستثنائي، بينما يصبح نشرها هو القاعدة.
مبادئ قضائية
وفي السياق ذاته، يُذكر أن من أبرز المبادئ القضائية التي أرستها المحاكم في هذا الصدد أن وجود الأشخاص في مكان عام أو مناسبة عائلية مفتوحة لا يمنح أي طرف الحق في التقاط صورهم، أو بث لقطات تظهر ملامحهم دون موافقتهم الصريحة.
وكانت إحدى محاكم الدولة قضت بتغريم شاب عربي مبلغ 10 آلاف درهم، بتهمة التعدي على خصوصية آخر، وأن يؤدي للشاكي 21 ألف درهم تعويضاً مؤقتاً، لنشره صورة المجني عليه على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، من دون الحصول على إذن منه.
وأوضحت المحكمة أن الخصوصية تعني ضمان حماية ممارسة الشخص لحياته الخاصة، وهو ما يولّد الحق في حماية الخصوصية، ويستطيع كفالة حقه في عدم نشر ما يتصل بحياته الخاصة سواء بوسيلة سمعية أو صوتية إلا برضاه الصحيح والسابق على ارتكاب الجريمة، ولا عبرة بالبواعث في توافر القصد.
المصدر:
الإمارات اليوم