رفض مؤسِّس مركز «قياديين» للتدريب، الدكتور محمد العيسى، تحميل الجيل الجديد مسؤولية ما يثار حول مظاهر الرفاهية أو ضعف تحمل المسؤولية، مؤكداً أن الجيل الجديد يضم قيادات واعدة، وأن القضية لا تتعلق بالشباب بقدر ما ترتبط بـ«النواة الأولى» التي تُبنى فيها الشخصية، وقال إن أبناء هذا الجيل من حقهم أن يعيشوا زمنهم وما وفرته لهم دولة الإمارات من فرص ورفاهية، بينما تقع مسؤولية غرس المبادئ والثقة بالنفس وتحمل المسؤولية على عاتق الأسرة.
وأضاف العيسى، خلال حديثة لـ«عرب كاست»، أن القائد لا يصنع داخل قاعات التدريب أو في المؤسسات التعليمية وحدها، بل تبدأ ملامح شخصيته داخل المنزل، موضحاً أن الطفل الذي ينشأ في بيئة يسودها الحب والثقة والاحترام يكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية، وأن اهتمام دولة الإمارات بالأسرة يعكس إيمان قيادتها بأن المجتمع القوي يبدأ من أسرة مستقرة.
وقال: «لا ألوم الجيل الجديد، بل أحمّل جيل الآباء المسؤولية، لأن النواة هي الأساس، وإذا صلحت الأسرة خرج منها أبناء قادرون على تحمل المسؤولية والقيادة».
وأوضح أن ما يصفه البعض بالرفاهية التي يعيشها الجيل الجديد لا يعني أنهم أقل قدرة على تحمل المسؤولية، قائلاً: «نحن الذين عيشنا الجيل الجديد بهذه الطريقة، ومن حقه الطبيعي أن يعيش زمنه، تماماً كما عشنا نحن زمننا وكنا نهتم بمظهرنا ونتعطر ونتأنق، وهذا ليس خطأ»، مشدداً على أن القضية لا ترتبط بمستوى الرفاهية أو نمط الحياة، وإنما بالدور الذي تؤديه الأسرة في غرس القيم والمبادئ والثقة بالنفس منذ الصغر.
واستشهد بنموذج سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، قائلاً: «نشأ سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم في بيئة وفرت له كل مقومات الرفاهية، لكنه في الوقت نفسه يتميز بالإبداع والذكاء والقدرة على القيادة»، معتبراً أن هذه السمات جاءت نتيجة التربية والقدوة، التي تلقاها من والده صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، الذي استمد هذا النهج من والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، وهو ما يدلل على أثر الأسرة في صناعة القيادات عبر الأجيال.
كما استشهد العيسى برؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، القائمة على التفكير خارج الصندوق، وضرب مثالاً بمشروع «مترو دبي» الذي انطلق برؤية واضحة وجدول زمني محدد، حتى دخل الخدمة في الموعد المعلن، معتبراً أن القيادة الحقيقية تجمع بين وضوح الرؤية والهدوء في التنفيذ، والقدرة على تحقيق الأهداف.
ورأى العيسى أن القيادة ليست صفة يولد بها الإنسان، وإنما تُصنع بالتربية والتجربة والتدريب، موضحاً أنه يشارك حالياً في برنامج لإعداد قيادات طلابية في إحدى مدارس الدولة يضم 12 طالباً، لكنه يرى أن اثنين منهم فقط يمتلكان حالياً المقومات القيادية، بينما يستطيع الآخرون تطوير قدراتهم بالتدريب وصقل الشخصية.
وحول السمات التي تميز القائد الناجح، قال إن القيادة لا تقاس بالمسمى الوظيفي، وإنما بطريقة التفكير والتعامل مع المواقف، مؤكداً أن القائد الحقيقي يتسم بالهدوء والحكمة، ولا يستعجل النتائج، بل يدرس المعطيات قبل اتخاذ قراره، ويتحمل مسؤولية هذا القرار بثقة حتى في أصعب الظروف.
وأضاف أن القائد لا يخشى الوقوع في الخطأ، لأنه ينظر إلى التجارب باعتبارها طريقاً إلى النجاح أو فرصة للتعلم، ولا يؤمن بأن الفشل نهاية الطريق، بل محطة لاكتساب الخبرة وتحسين الأداء، لافتاً إلى أن القائد المتميز يفكر خارج الأطر التقليدية، ويتحلى بالإبداع والصبر والقدرة على إدارة فريقه، وجمع العقول المختلفة لتحقيق الأهداف.
وأشار العيسى إلى وجود فرق بين المدير والقائد، موضحاً أن المدير يعمل وفق إجراءات وخطط محددة، بينما القائد يقود بالرؤية، ويتعلم من أخطائه، ولا يخشى تحمل مسؤولية قراراته، ويجيد توظيف إمكانات فريق العمل لتحقيق النتائج.
وأكد أن هذه القناعات تشكلت خلال أكثر من 33 عاماً أمضاها في مجالات الأمن والسلامة والتدريب، تولى خلالها تدريب أكثر من أربعة آلاف موظف في شركات مختلفة، من بينها جهات شبه حكومية، قبل أن يؤسس مركز «قياديين» للتدريب الذي يقدم برامجه بالكامل «عن بُعد».
وأوضح أن فكرة المركز بدأت خلال جائحة كورونا، بعدما أثبت التدريب الإلكتروني كفاءته، مشيراً إلى أن حصوله على درجة الدكتوراه شكل حافزاً إضافياً لتنفيذ المشروع، مؤكداً أن بلوغ سن الـ60 لم يدفعه إلى التفكير في التقاعد بقدر ما دفعه إلى البحث عن نجاح جديد، لأن «التقاعد لا يعني نهاية الإنجاز، بل بداية مرحلة مختلفة لمن يمتلك هدفاً ورسالة».
واستعاد العيسى أكثر المواقف تأثيراً في حياته، مؤكداً أن والده كان صاحب الأثر الأكبر في تكوين شخصيته، إذ تعلم منه الصبر والهدوء والاحترام، ولايزال يتذكر اليوم الذي رسب فيه في أحد الأعوام الدراسية وشعر بإحباط شديد، فاستدعاه والده وسأله «كيف تريد النجاح وأنت لم تبذل جهداً؟»، وبعد أن اجتهد في الدور الثاني ارتفعت درجاته من 46 إلى 96، ليغرس فيه والده قناعة بأن النجاح لا يأتي من دون عمل.
وأضاف أن هذا الموقف ظل يرافقه طوال حياته وأسهم في بناء شخصيته، كما كان لدعم أسرته وزوجته وأبنائه، دور كبير في استكمال دراسته حتى نيل الدكتوراه.
وكشف العيسى أن مكالمة هاتفية تلقاها من والدته خلال عام 1988 غيرت مجرى حياته بالكامل، إذ طلبت منه العودة إلى دبي لأمر ما، ما دفعه إلى تبديل «الشيفت» مع أحد زملائه، ليتولى الأخير المهمة بدلاً منه على متن منصة نفطية في بحر الشمال، وبعد ذلك تعرضت المنصة لسلسلة انفجارات وحرائق مدمرة، تعد الأسوأ في تاريخ صناعة النفط والغاز البحرية، وأودت بحياة عدد كبير من العاملين عليها، بينهم اثنان من أصدقائه، بينما أصيب صديق ثالث بإعاقة دائمة.
وقال إن تلك الحادثة غيّرت مساره المهني بالكامل، إذ انتقل من هندسة البترول إلى تخصص الأمن والسلامة، وكرس أكثر من ثلاثة عقود للعمل في حماية الأرواح وإدارة المخاطر، وتولى خلال مسيرته تنفيذ عمليات إخلاء وتدريب وتأهيل في مواقع عالية الخطورة.
وروى موقفاً آخر لايزال عالقاً في ذاكرته، وقع أثناء عمله في إحدى شركات البترول، عندما هرع مع أحد زملائه إلى موقع انقلاب شاحنة لتأمين المنطقة قبل وصول فرق الدفاع المدني، وطلب من جميع الموجودين مغادرة الموقع حفاظاً على سلامتهم، من دون أن يدرك أن سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع رئيس المجلس التنفيذي لإمارة دبي، كان على رأس الموجودين في الموقع.
وأضاف: «استجاب سموه مباشرة، وغادر الموقع بكل هدوء عملاً بإجراءات السلامة، ثم ظل يتابع تطورات الحادث مع الجهات المختصة»، مؤكداً أن هذا الموقف جسد تواضع قادة الإمارات واحترامهم للأنظمة، وأنهم يقدمون نموذجاً عملياً في القيادة قبل أن يتحدثوا عنها.
وأوضح العيسى أن اختياره اسم «قياديين» لمركزه التدريبي جاء انطلاقاً من قناعته بأن دولة الإمارات أصبحت نموذجاً عالمياً في صناعة القيادات، مستشهداً بالمبادرات الوطنية التي تهتم بالإنسان والأسرة والتعليم وتمكين الشباب، مؤكداً أن ما حققته الدولة في هذا المجال كان مصدر إلهام له طوال مسيرته المهنية.
الدكتور محمد العيسى:
• القائد لا يُصنع داخل قاعات التدريب أو المؤسسات التعليمية وحدها، بل تبدأ ملامح شخصيته داخل المنزل.
المصدر:
الإمارات اليوم