رصدت «الإمارات اليوم»، خلال جولة ميدانية أجرتها على صيدليات عدة - بعد مرور أكثر من شهرين على قرار مؤسسة الإمارات للدواء تفعيل آلية جديدة، تهدف إلى كسر الاحتكار، وتلزم شركات الأدوية بتعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي يتم تداوله في الدولة - توافر أصناف دوائية جديدة بدأت بالظهور في السوق بعد سنوات من الغياب أو عدم الإتاحة، شملت أدوية لعلاج أمراض مزمنة وحيوية، مثل أمراض القلب، وضغط الدم، والسكري، إلى جانب مسكنات الألم، فضلاً عن فئات علاجية مهمة، أبرزها قطرات العين المخصصة لعلاج الجلوكوما، في مشهد يعكس تحسناً متسارعاً في وفرة الخيارات العلاجية المتاحة للمرضى.
وتأتي هذه المؤشرات الميدانية لتترجم على أرض الواقع أهداف القرار، الذي أطلقته المؤسسة في سابقة هي الأولى من نوعها، لإنهاء احتكار المنتجات الطبية، وفي إطار المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2024 بشأن المنتجات الطبية ومهنة الصيدلة والمنشآت الصيدلانية، بهدف تعزيز الأمن الدوائي، وضمان استدامة توافر المنتجات الطبية في الدولة، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد، وتلبية احتياجات المرضى والمنشآت الصحية في جميع الأوقات، وتوسيع الخيارات العلاجية المتاحة للمرضى.
وبموازاة ذلك، رصدت الجولة مؤشرات إلى تحركات في مستويات الأسعار، حيث إن هناك أدوية، خصوصاً المرتبطة بعلاجات المعدة، سجّلت انخفاضاً بنحو 20%، بعد تراجع سعر أحدها من 53 درهماً إلى 42 درهماً.
وعزا متخصصون في القطاع الصيدلاني هذا التغيّر إلى سياسات الشركات نفسها في إعادة تسعير منتجاتها، بالتوازي مع بدء ملامح تطبيق آلية تعدد الوكلاء، مؤكدين أن الأثر الفعلي للقرار لايزال في مرحلة التدرج، وأن انعكاساته الأوضح مرشحة للظهور خلال فترة تراوح بين ثلاثة وستة أشهر، مع استكمال مراجعة العقود مع شركات الأدوية محلياً وعالمياً، ودخول الآلية حيز التطبيق الكامل على نطاق أوسع في السوق.
وتفصيلاً، أكّد مدير قسم الصيدلة في إحدى المجموعات الطبية في دبي، أنس الجمال، أن قرار تفعيل آلية لتعيين أكثر من وكيل في الدولة لكل منتج طبي يُعدّ خطوة محورية، واستراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى تحقيق الأمن الدوائي من خلال توفير الدواء ومنع احتكاره، ليصبح المنتج متوافراً عبر أكثر من وكيل، ما يُعزّز بشكل مباشر استمرارية الإمداد حتى في أوقات الأزمات.
وبيّن لـ«الإمارات اليوم»، أن النتائج الإيجابية للقرار بدأت تظهر فعلياً على أرض الواقع، حيث رصد عودة أصناف دوائية للسوق كانت مقطوعة لمدة تراوح بين ثلاث وأربع سنوات، موضحاً أن «هذه الأصناف تشمل فئات علاجية حيوية، منها أدوية علاج مرض السكري، وأنواع معينة من قطرات العين المخصصة لمرض الجلوكوما، وأدوية ضغط الدم التي هي حالياً في مراحل التسجيل النهائية لتصبح متوافرة في السوق.
وشرح الآلية التقنية للقرار، قائلاً: «أي دواء مسجل في الدولة، سواء كان محلياً أو مستورداً، سيُمنح لأكثر من وكيل، وذلك يضمن أنه في حال تعثر الوكيل الأول في توريد الشحنات، فإن الوكيل الثاني يكون قادراً على تغطية احتياجات السوق فوراً».
وحول ما يُلاحظ من انخفاض في أسعار بعض الأدوية، بعد القرار الجديد، قال إن ذلك يأتي نتيجة توجيهات وزارة الصحة ووقاية المجتمع ومؤسسة الإمارات للدواء للوكلاء بتخفيض أسعار الأدوية، خصوصاً بعد وجود أكثر من وكيل مستقبلاً، إلى جانب التصنيع المحلي للأدوية، وسياسات التسعير المنفصلة، مؤكداً أن وجود أكثر من وكيل يُعزّز القدرة على خفض أسعار الأدوية، لأن المنافسة ستمنع الوكلاء من التمسك بهوامش ربح مرتفعة، ما ينعكس على خفض الأسعار على المستهلكين.
وتوقع أن يظهر الأثر الملموس للقرار في أسعار الأدوية بشكل أوضح خلال فترة تراوح بين ثلاثة وستة أشهر، لأن تطبيق القرار لايزال في مراحله الأولى، وهي الفترة اللازمة لمراجعة العقود مع شركات الأدوية الداخلية والعالمية، مضيفاً أن نسبة الانخفاض المتوقعة قد تصل إلى 15%.
وأكّدت مديرة إحدى الصيدليات في دبي، الدكتورة رانيا الخاني، أن سوق الدواء في الإمارات تمرّ بمرحلة انتقالية نوعية، بفضل تفعيل آلية تعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي، موضحة أن هذا التوجه لم يسهم فقط في تعزيز التنافسية، بل أدى بشكل مباشر إلى توافر أصناف وابتكارات دوائية لم تكن موجودة سابقاً في الدولة.
وقالت إن هذا التحسّن يرتبط بإجراءات تنظيمية تم تطبيقها أخيراً، ما شجع العديد من شركات الأدوية والوكلاء على توفير هذه الأصناف الموجودة ضمن القائمة، خصوصاً أنها تُعدّ من الأدوية المهمة والأساسية.
وأوضحت أن العلاجات والأدوية الجديدة التي رصد وجودها في السوق المحلية ولم تكن متوافرة سابقاً، شملت أدوية للقلب، وللسكري، إلى جانب مسكنات الألم المتطورة، مؤكدة أن هذا التنوع يعكس تحسناً واضحاً في وفرة الخيارات العلاجية.
وأضافت أن إدراج قائمة الأدوية الأساسية أسهم بشكل مباشر في دفع الشركات والوكلاء إلى توفير هذه الأصناف، ما عزّز استجابة السوق لاحتياجات المرضى، خصوصاً في الأمراض المزمنة، وأسهم في تقليل فجوات النقص التي كانت تُسجل في فترات سابقة، مع ملاحظة تسارع طرح بعض العلاجات الحديثة في الدولة، مقارنة بعدد من الأسواق الإقليمية.
وأكّدت أن الإمارات تُرسّخ مكانتها دولةً رائدةً عالمياً في قطاع الدواء، من خلال سياساتها الاستباقية، وسرعة اعتماد العلاجات المبتكرة، مشيرة إلى أن القرارات الأخيرة لمؤسسة الإمارات للدواء تعكس هذا التوجه بوضوح، وأضافت أن اعتماد منتج أورفورغليبرون «فوندايو™️» (Orforglipron) كعلاج فموي مبتكر للسمنة، لتكون الإمارات ثاني دولة في العالم تمنح الموافقة التسويقية له، يؤكد حرص الدولة على إتاحة أحدث العلاجات العالمية للمرضى في وقت قياسي، وتعزيز حضورها في خريطة الابتكار الدوائي، وأضافت أن اعتماد دواء «يورنيفي®️» (EURneffy) كبخاخ أدرينالين أنفي لعلاج حالات فرط الحساسية الشديدة، لتكون الإمارات أول دولة في المنطقة توافق عليه، يعكس نهجاً متقدماً في تعزيز الجاهزية الطبية للحالات الطارئة، وتوفير حلول علاجية مبتكرة وسريعة الاستجابة، مؤكدةً أن هذه القرارات تأتي ضمن منظومة متكاملة تهدف إلى ضمان توافر العلاجات النوعية، ودعم استدامة النظام الدوائي الوطني، بما ينعكس إيجاباً على صحة المجتمع، وجودة الرعاية الصحية.
وذكر الصيدلي، أحمد جابر، أن «ما يُلاحظ من انخفاض في أسعار بعض الأدوية، خصوصاً تلك التي يتم توفيرها عبر وكلاء شركات الأدوية، يعود بالدرجة الأولى إلى سياسات الشركات نفسها في إعادة تسعير منتجاتها»، مشيراً إلى أن «هذه التغييرات بدأت تظهر بشكل تدريجي مع توجه الدولة نحو تطبيق آلية تعيين أكثر من وكيل مستقبلاً للدواء نفسه».
وقال: «أعتقد أن جزءاً من تخفيض الأسعار الذي نشهده حالياً هو نتيجة مباشرة لاستعداد الشركات والوكلاء للتنافس في السوق، خصوصاً مع وضوح توجه الدولة نحو فتح المجال أمام أكثر من وكيل، ما دفع بعضهم إلى تعديل أسعارهم بشكل استباقي، لتعزيز موقعهم التنافسي»، وأضاف أن هذا التوجه من شأنه أن ينعكس إيجاباً على المريض في نهاية المطاف، موضحاً: «وجود منافسة بين الوكلاء، حتى قبل التطبيق الكامل للقرار، يوجد بيئة سعرية أكثر مرونة، ويؤدي تدريجياً إلى تحسين الأسعار، وتوفير خيارات أوسع أمام المريض، وهذا يصب بشكل مباشر في مصلحة المستهلك والمنظومة الصحية بشكل عام».
وأشاد بالجهود الحكومية في تنظيم قطاع الدواء وتعزيز توافره، قائلاً: «دولة الإمارات أثبتت أنها تمتلك رؤية متقدمة في إدارة ملف الأدوية، سواء من حيث ضمان توافرها في أي وقت أو تحسين جودتها وتنظيم سوقها، والقرارات الأخيرة تعكس اهتماماً حقيقياً بالمريض أولاً، وبضمان استدامة الإمداد الدوائي، وهذا ينعكس على كفاءة القطاع الصحي ككل، ويُعزّز الثقة بالمنظومة الصحية في الدولة».
الدكتورة رانيا الخاني: سوق الدواء تمرّ بمرحلة انتقالية تنعكس على توافر أصناف وابتكارات دوائية لم تكن موجودة سابقاً.
أنس الجمال: تعيين أكثر من وكيل لكل منتج طبي، خطوة استراتيجية بعيدة المدى تهدف إلى تحقيق الأمن الدوائي.
المصدر:
الإمارات اليوم