في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

اختفى السفير الفرنسي لدى أفريقيا الوسطى، برونو فوشيه، عن الأنظار منذ أسابيع، بينما تتولى المستشارة الأولى في السفارة تمثيل فرنسا في المناسبات الرسمية في بانغي.

وخلف هذا الغياب، قصة أثارت جدلا داخل وزارة الخارجية الفرنسية، بعدما كشفت تقارير عن استقبال السفير عشرات الشابات في مقر إقامته، في قضية فتحت بشأنها باريس إجراء تأديبيا لا يزال قائما.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 من رياض راني.. الشاب الذي يقود حراك الثانويات الفرنسية؟
* list 2 of 2 التسجيل المسرب الذي يكشف لماذا سئم الجمهوريون ترمب end of list

وتذهب القصة، بحسب تقرير نشرته صحيفة لوفيغارو الفرنسية في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول، إلى أبعد من مسألة السلوك الشخصي للسفير، لتسلط الضوء على تاريخ مضطرب للسفارة الفرنسية في بانغي، التي غادر 3 من سفرائها السابقين مناصبهم في ظروف مثيرة للجدل، في بلد فقدت فيه فرنسا جزءا كبيرا من نفوذها لمصلحة روسيا.

زيارات ومخاوف أمنية

تقول لوفيغارو إن صحيفة لو كانار أونشينيه كشفت خلال الصيف أن فوشيه استقبل نحو 30 شابة، تتراوح أعمارهن بين 20 و30 عاما، في شقته الخاصة داخل مقر إقامته، بين يناير/كانون الثاني 2024 ومارس/آذار 2026.

ولم تكن الزيارات، وفق التقرير، مجرد مسألة خاصة، إذ أثارت قلق الأجهزة المكلفة بحماية السفارة بسبب تكرارها، مما دفع وزارة الخارجية إلى إرسال مفتشين إلى بانغي في أبريل/نيسان الماضي واستجواب السفير مرتين.

وبحسب تقرير لوفيغارو الذي اختارت له عنوان: "البعض يفقدون أعصابهم.. الانحرافات داخل السفارة الفرنسية في أفريقيا الوسطى: المنصب الملعون للدبلوماسية الفرنسية"، فإن فوشيه قال إنه كان يساعد بعض الطالبات في دراستهن ويتيح لهن استخدام مكتبته، كما سمح لإحداهن بالإقامة في شقته في أثناء غيابه، لكنه أقر خلال الاستجواب بإقامة علاقات جنسية مع اثنتين منهن.

مصدر الصورة صورة لمبنى السفارة الفرنسية في بانغي من حساب السفارة الفرنسية في بانغي فيسبوك (غيتي)

وعقب نشر التحقيق، أعلنت وزارة الخارجية الفرنسية فتح إجراء تأديبي بحق السفير، ولا يزال الملف قيد النظر.

إعلان

وتعلق لوفيغارو بأن القضية تتجاوز حدود الحياة الخاصة، لأن الزيارات المتكررة إلى مقر دبلوماسي محصّن في عاصمة تعاني من انعدام الأمن يمكن أن تمثل ثغرة أمنية، خصوصا في بلد يتمتع فيه النفوذ الروسي بحضور متزايد.

ثلاثة سفراء

وتضع الصحيفة قضية فوشيه ضمن سجل أطول من الأزمات، فقد غادر السفير سيرج موتشيتي منصبه عام 2013، بعد نحو عامين، في سياق الانتقادات التي أحاطت بإدارته أزمة الانقلاب الذي أطاح بالرئيس فرانسوا بوزيزيه.

ثم جاء شارل ماليناس، الذي ارتبط اسمه بشبهات حول إصدار نحو 800 تأشيرة خلال فترة الحرب الأهلية، ونُقل إلى براغ قبل أن تتم إحالته إلى التقاعد الإجباري بعد فترة قصيرة.

أما كريستيان بادر، فقد استُدعي إلى باريس عام 2016 وسط اتهامات بالتحرش بموظفين فرنسيين ومحليين، في حين واجه مسؤولون آخرون في السفارة في الفترة نفسها إجراءات وعودة مبكرة إلى فرنسا على خلفية ملف التأشيرات.

لوفيغارو: القضية تتجاوز حدود الحياة الخاصة، لأن الزيارات المتكررة إلى مقر دبلوماسي محصّن في عاصمة تعاني من انعدام الأمن يمكن أن تمثل ثغرة أمنية

وتطرح لوفيغارو من خلال هذا التسلسل سؤالا عن الأسباب التي تجعل العمل الدبلوماسي في بانغي عرضة لمثل هذه الأزمات، وما إذا كانت البيئة المحلية نفسها تسهم في تآكل الحدود المهنية لدى بعض العاملين.

من فرنسا إلى روسيا

وتعود الصحيفة إلى جذور الأزمة لفهم طبيعة هذا "المنصب الصعب"، فمنذ استقلال أفريقيا الوسطى عن فرنسا عام 1960، شهدت البلاد انقلابات وأنظمة سلطوية، لكن الأزمة بلغت مرحلة حادة عام 2013 مع سيطرة تحالف "سيليكا" على السلطة واندلاع مواجهات مع مليشيات "أنتي بالاكا".

وأطلقت فرنسا آنذاك عملية "سانغاريس" العسكرية، التي بلغ عدد المشاركين فيها نحو ألفي جندي في ذروتها، قبل أن تنسحب القوات الفرنسية عام 2016.

ومع تراجع الحضور الفرنسي، اتجه الرئيس فوستان-أرشانج تواديرا إلى روسيا طلبا للدعم العسكري. وتشير لوفيغارو إلى أن المدربين الروس الذين وصلوا في البداية لتدريب الجيش تحولوا تدريجيا إلى قوة أساسية في حماية السلطة.

وتنقل الصحيفة عن الرئيس السابق للجمعية الوطنية في أفريقيا الوسطى كريم ميكاوسا أن روسيا لم تكتفِ باستبدال فرنسا عسكرا، بل بنت نفوذا في المجالات السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية.

عالم منفصل

وتنقل لوفيغارو عن دبلوماسي سابق عمل في بانغي وصفه السفارة الفرنسية بأنها كانت أشبه بـ"عالم منفصل"، أو حصن معزول وسط مدينة تعاني من الفوضى الأمنية.

كما تستعيد الصحيفة شهادات ووقائع وردت في كتاب الصحفي مايكل بورون سفارات الفرنكأفريكية، تتحدث عن سلوكيات مثيرة للجدل لبعض الدبلوماسيين والموظفين، بينها الإفراط في تناول الكحول والعلاقات الشخصية والحوادث الأمنية.

ومن أكثر الوقائع مأساوية قضية فانيسا مافولا، وهي طالبة وسط أفريقية تبلغ 24 عاما، عُثر عليها ميتة في مسبح عام 2018 داخل مجمع سكني كان يرتاده موظفون ودبلوماسيون وعسكريون مرتبطون بالتعاون الفرنسي. وتقول لوفيغارو إن القضية بقيت دون حسم نهائي.

وتشير الصحيفة أيضا إلى الفارق الهائل بين المستوى الاقتصادي للدبلوماسيين والسكان المحليين، معتبرة أن هذا التفاوت قد يخلق علاقات اجتماعية شديدة التعقيد.

سفير ذو وزن سياسي

أما فوشيه، فتشير لوفيغارو إلى أنه ليس دبلوماسيا عاديا، فقد شغل منصب سفير فرنسا في تشاد وإيران ولبنان، قبل تعيينه في أفريقيا الوسطى عام 2023 بهدف إعادة فتح قنوات التواصل بين باريس وبانغي.

إعلان

وتقول الصحيفة إنه نجح جزئيا في هذه المهمة، وساهم في إعادة الحوار بين البلدين وفي زيارة وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو للرئيس تواديرا في مارس/آذار الماضي، وهي أول زيارة من هذا المستوى منذ 7 سنوات.

مصدر الصورة فوشيه شغل منصب سفير فرنسا في تشاد وإيران ولبنان (الأوروبية)

لكن القضية الحالية تضع مسيرته أمام اختبار صعب: فباريس مطالبة، من جهة، بالتعامل مع الاتهامات والإجراء التأديبي، ومن جهة أخرى بالحفاظ على علاقة دبلوماسية تحاول إعادة بنائها في بلد أصبح النفوذ الروسي فيه قويا.

وتخلص لوفيغارو إلى أن قضية فوشيه لا تتعلق بسفير واحد فقط، بل تكشف مأزقا أوسع للدبلوماسية الفرنسية في بانغي، حيث بيئة أمنية شديدة الخطورة، نفوذ روسي متزايد، وتاريخ من الأزمات داخل السفارة.

ويبقى القرار النهائي بيد وزارة الخارجية الفرنسية، التي لم تحسم بعد مصير فوشيه، لكن أيا كان القرار، فإن القضية أعادت إلى الواجهة سؤالا أكبر: هل تستطيع فرنسا استعادة نفوذها في أفريقيا الوسطى في الوقت الذي تكافح فيه، في الوقت نفسه، للحفاظ على الانضباط والصورة المهنية لبعثتها الدبلوماسية هناك؟