في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
يتوجه السويسريون اليوم الأحد إلى مراكز الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في استفتاء بشأن مقترح أثار جدلا واسعا يهدف إلى تشديد سياسة الحياد التقليدية لبلادهم، وذلك وسط مخاوف من أن يُفسّر التصويت المتوقع بـ"لا " في الخارج على أنه تخلّ تام عن مبدأ الحياد العزيز على قلوبهم حيث ترجح استطلاعات الرأي رفض المقترح.
وينص المقترح على أن يضمن الدستور أن يكون الحياد السويسري "مسلحا ودائما". ومن شأن هذا المقترح أن يمنع سويسرا -التي تعود جذور حيادها إلى عام 1516 وتحظى باعتراف دولي به منذ عام 1815- من إقامة علاقات أوثق مع حلف شمال الأطلسي (الناتو)، كما سيستبعد أي تحالف عسكري ما لم تتعرض البلاد لهجوم. وسيحظر فرض عقوبات ما لم تكن مطلوبة من قبل الأمم المتحدة.
يُذكر أن الموقف السويسري التقليدي يقوم على مبدأ "الحياد المسلح" أي الاحتفاظ بقدرات عسكرية قوية، والحياد مكرس في الدستور السويسري منذ عام 1848، إلا أن الحرب الروسية في أوكرانيا أعادت طرح تساؤلات عن عدم انخراط البلاد في النزاعات الخارجية.
وانطلاقا من القلق إزاء قرار برن دعم الضغوط الاقتصادية التي يمارسها الاتحاد الأوروبي، جمعت منظمة "من أجل سويسرا" المدافعة عن السيادة الوطنية توقيعات كافية لطرح استفتاء عام، بموجب نظام الديمقراطية المباشرة في البلاد، حول تعزيز وتثبيت مبدأ الحياد في الدستور بشكل أفضل.
وقدّمت الاقتراح، الذي يجري الاستفتاء بشأنه اليوم، جمعية "برو شفايتس"، التي تربطها روابط وثيقة بـ"حزب الشعب السويسري" اليميني الشعوبي.
وإذا تمت الموافقة عليه، فلن تكتفي سويسرا في المستقبل بعدم المشاركة في النزاعات المسلحة وإغلاق أراضيها أمام الأطراف المتنازعة فحسب، بل ستتوقف أيضا عن فرض عقوبات على الدول التي بدأت حربا، مثل روسيا.
وستطبق الاستثناءات على عقوبات الأمم المتحدة، وستستمر الأعمال التجارية كالمعتاد، بما في ذلك مع الدول التي بدأت حربا.
وتغلق مراكز الاقتراع في الساعة 12 ظهرا بالتوقيت المحلي (10:00 بتوقيت غرينتش)، والمتوقع أن تتضح النتيجة بعد ذلك بنحو ساعة. وعادة ما يدلي أكثر من 90% من الناخبين السويسريين بأصواتهم مقدما عن طريق الاقتراع بالبريد.
ورغم تمسك السويسريين الشديد بحيادهم، فإن مبادرة تهدف إلى تكريس تعريف صارم لهذا الحياد في دستور البلاد قد كشفت عن خلافات عميقة حول ما تنطوي عليه هذه السياسة فعليا. وخلال هذا النقاش المحتدم، بدا الأمر وكأن الهوية السويسرية ذاتها مطروحة للتصويت.
وفي حين أشارت استطلاعات الرأي الأولية إلى أن المنافسة قد تكون متقاربة، فإن الاستطلاعين الأخيرين اللذين نُشرا الأسبوع الماضي يظهران أن أغلبية واضحة من الناخبين -تتجاوز بكثير نسبة 60%- تعتزم اتباع نصيحة الحكومة ورفض الاقتراح.
وخلال فعالية أقيمت الشهر الماضي لدعم الاقتراح قال الدبلوماسي السويسري السابق جان دانيال روش: "لقد فقدنا بوصلتنا في السنوات الأخيرة باتخاذ مواقف صارمة للغاية ضد روسيا، بينما تبنينا في المقابل مواقف ضعيفة للغاية تجاه إسرائيل". معتبرا الاستفتاء "فرصة لاستعادة مصداقية حيادنا".
وأشادت روسيا، التي انتقدت بشدة انضمام سويسرا إلى عقوبات الاتحاد الأوروبي واتهمت برن بالتخلي عن حيادها، بهذه المبادرة، التي وصفها بعض المعارضين بأنها "موالية لموسكو".
وحذر النائب الاشتراكي صامويل بنداهان، خلال مناظرة جرت مؤخرا، من أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين "سيفرك يديه ابتهاجا لو وافقنا على هذه المبادرة".
وتؤكد جميع الأطراف المشاركة في النقاش رغبتها في الحفاظ على حياد سويسرا. غير أن الحكومة والبرلمان رفضا المقترح، معتبرين أنه يتسم بجمود عقائدي مفرط، وأنه سيحد من هامش المناورة المتاح للبلاد في وقت تتصاعد فيه التوترات الجيوسياسية.
وشدد وزير الخارجية السويسري، إغنازيو كاسيس، خلال مناظرة تلفزيونية حديثة، على أن "الحياد طالما طُبّق بقدر من المرونة".
وفي حين أكد عدم وجود خطط لدى سويسرا لرفع الحظر المفروض على بيع الأسلحة للدول التي تشهد صراعات، أكد أن "الحياد لا يعني اللامبالاة". وقال إن بلاده "لن تغض الطرف عندما نرى انتهاكات للقواعد الدولية ذاتها التي تتيح لنا العيش في سلام".
كما عارضت الاقتراح جميعُ الأحزاب السياسية الرئيسية تقريبا، والاستثناء الوحيد هو "حزب الشعب السويسري" وهو حزب يميني شعبوي يُعد الأكبر في البلاد، والذي ارتبط ارتباطا وثيقا بالمبادرة منذ بدايتها.
ومع ذلك، فقد ظهر مؤيدون للمبادرة من مختلف التوجهات السياسية. ويُعد صامويل سوماروغا من أبرز المؤيدين لها؛ وهو طبيب لا ينتمي لأي حزب سياسي، لكنه نجل سيناتور اشتراكي بارز وحفيد رئيس سابق للجنة الدولية للصليب الأحمر.
كما أبدى مخاوفه من أن "تغرق" سويسرا إذا لم تتبنّ تعريفا صارما للحياد، محذرا من أنها قد تبدو دوليا وكأنها "تخلت عن حيادها" تماما.
ورأى أنه في غياب موقف محايد واضح، فإن سويسرا تخاطر بالانجرار إلى حلف الناتو وفقدان مكانتها المتميزة كوسيط ومضيف مؤثر للمنظمات والمفاوضات الدولية. وقال: "أعتقد أننا إذا صوّتنا بـ ‘لا’، فإننا نخاطر بفقدان ذلك".
ووفقا لاستطلاعات الرأي، من المتوقع أيضا أن يرفض السويسريون اقتراحات أخرى مطروحة للتصويت اليوم الأحد، تدعو البلاد إلى رفع معدل الاكتفاء الذاتي من الغذاء إلى 70%، بدلا من 42% في عام 2024.
المصدر:
الجزيرة