آخر الأخبار

بعضها دون ترخيص.. مراكز التعليم المنزلي تغري الأسر وتسحب البساط من المدارس في إيران

شارك

طهران – في ظل حالة "لا حرب ولا سلم" المتواصلة منذ أشهر في إيران، بدأ العام الدراسي الجديد بينما لم تعد المدرسة مجرد بناء يتلقى فيه نحو 16 مليون تلميذ دروسهم، بل تحولت إلى فكرة قابلة للإغلاق بين الحين والآخر، في حين يجد أولياء أمور الطلبة أنفسهم أمام خيارين: إما التعليم الرسمي المتقطع بين الحضوري وعن بُعد، أو الانجراف نحو إعلانات مزدهرة للتعليم المنزلي أو ما يُعرف في طهران بـ"هوم سكول".

وبين التهديد باستئناف القصف المتبادل بين إيران من جهة وأمريكا وإسرائيل من جهة أخرى، عقب انتهاء هدنة 60 يوما، وانقطاعات الإنترنت المحتملة مع اندلاع أي تصعيد عسكري وموجات النزوح المتوقعة إثرها، أو احتجاجات شعبية أو إغلاق لأسباب أخرى مثل عجز الطاقة وتلوث الجو، يختلط القلق بالحيرة في شوارع طهران، التي تتكدس فيها اللوحات الإعلانية للمدارس الخاصة، في حين لا تملك العائلات رفاهية تأجيل الرد على سؤال يتكرر "أين سيتعلم أبناؤنا هذا العام؟".

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 أسقطت أكثر من 30 طائرة.. إيران تتحول إلى مصيدة لدرة تاج المسيرات الأمريكية
* list 2 of 2 واشنطن تمنح مسؤولين إيرانيين تأشيرات لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة end of list

ورغم أن وزارة التعليم الإيرانية سارعت إلى استغلال الهدنة الهشة مع واشنطن لتعلن أن التعليم سيكون حضوريا في العام الدراسي الحالي، فإن مراقبين في العاصمة طهران يرجحون أن تصبح الدراسة "عن بُعد" في الأشهر المقبلة على غرار ما حدث في العام الماضي، إذ أُغلقت المدارس حينها بسبب الاحتجاجات الشعبية تارة، وبسبب تلوث الهواء تارة أخرى، ناهيك عن عجز الطاقة قبيل الحرب التي جعلت من فكرة يوم دراسي كامل ضربا من الخيال.

وبينما تبقى احتمالات استمرار الحرب قائمة، وأسباب الإغلاق المعهودة الأخرى لم تختفِ بعد، تستغل شريحة من أصحاب المدارس الخاصة ومدرسون مستقلون هذا الواقع المستجد للترويج لما يسمى بالتعليم المنزلي، وهو نموذج تعليمي بدأ مع تفشي جائحة كورونا عام 2020، وانتقلت مسؤولية التعليم من المدرسة إلى المنزل، تحت إشراف الوالدين أو معلمين من القطاع الخاص.

مصدر الصورة وزارة التعليم الإيرانية أعلنت بأن التعليم سيكون حضوريا هذا العام (الجزيرة)

التعليم المنزلي

ورصدت الجزيرة نت مشاهد ميدانية تتحول فيها الشقق إلى فصول دراسية والأسر إلى مؤسسات تعليمية مصغرة تجسد حكاية التعليم المنزلي.

إعلان

المهندسة زينب (44 عاما)، مديرة تنفيذية في شركة خاصة، تعاقدت مع مدرّسة لتعليم ابنتها بارميدا (8 أعوام) في منزلها هذا العام الدراسي، وتبرر قرارها بالقول "التجربة علمتنا أن التعليم الرسمي قد يتحول إلى البيوت في أي لحظة ولأي سبب. في زمن الحرب نغادر طهران ولا أريد أن تبقى ابنتي قلقة على مدرستها. العام الماضي كان النظام الإلكتروني سيئا، وانخفض المستوى التعليمي بشكل واضح".

تتوقف زينب لحظة، ثم توضح للجزيرة نت "هذا العام سجلت اسمها في مدرسة خاصة، لكني في الحقيقة لجأت أيضا إلى التعليم المنزلي. على الأقل هكذا أضمن ألا تتأثر دراستها بما يجري. لا أريدها أن تكون رهينة ظروف لا علاقة لها بها".

أما علي (17 عاما)، الطالب في الصف الأخير من المرحلة الثانوية، فيستعد لامتحان القبول الجامعي، ويقول "المدرسة لم تعد تعلمني شيئا يميزني عن الآخرين"، مضيفا "أنا لا أتهرب من المدرسة. أنا فقط أبحث عن تعليم حقيقي. وعائلتي مستعدة لدفع الضريبة، رغم أنها مكلفة جدا. لكن والدي يقولان إن مستقبلي يستحق".

وفي حديثه للجزيرة نت، يوضح علي أن أستاذ التعليم المنزلي يشرح الدرس في ساعة، بينما يحتاج إلى خمس ساعات على أقل تقدير للمشاركة في صف واحد بالمدرسة العامة".

ويضيف "قرر والداي أن أوفر وقتي وأذهب إلى مركز دراسي خاص قرب بيتنا، وتوجد فيه صالة للمذاكرة، ومشرفون يراقبون التلاميذ وفق البرنامج المقرر، وصالات للاستراحة. كل شيء هناك منظم. بينما في المدرسة العادية، كان نصف اليوم ضائعا في الفوضى"، على حد قوله.

مصدر الصورة محمود زاده يدعو الأجهزة الرقابية والقضائية للتدخل ومواجهة أنشطة مراكز التعليم المنزلي (الصحافة الإيرانية)

دعايات براقة

وفي رصد الجزيرة نت للإعلانات الكثيرة المنتشرة على منصات التواصل الإيرانية، تظهر فيها وعود براقة تجذب أسرا يائسة مما تعتبره "انهيار التعليم الرسمي"، وتفتح أبوابا لـ"مدرسة الطالب الواحد" داخل البيوت أو في مؤسسات علمية حرة، بعيدة عن الرقابة الرسمية.

في المقابل، يعتبر أحمد محمود زاده، معاون وزير التعليم ورئيس منظمة المدارس غير الحكومية أن "الكيانات التي تُعرف بالتعليم المنزلي لا تملك ترخيصا، ولن يُمنح لها أي ترخيص مستقبلا"، داعيا في مؤتمره الصحفي، الأجهزة الرقابية والقضائية إلى التدخل العاجل لمواجهة أنشطتها، كاشفا عن عمل نحو 23 جهة بشكل غير قانوني.

ولمعرفة كيفية عمل هذه المراكز دون ترخيص، تواصلت الجزيرة نت مع المهندسة مريم، مديرة أحد المراكز الناشطة في التعليم المنزلي في طهران، وأكدت أنها تدير مدرسة غير حكومية مرخصة، لكن تبين أنها تدير مجموعة أخرى في الظل إلى جانب نشاطها القانوني.

وشرحت مريم للجزيرة نت طريقة عملها قائلة "نرسل معلما إلى منزل الطالب، وفي ثلاثة أشهر ننهي معه كامل مناهج السنة الدراسية. على أن يسجل الطالب في مدرستنا الخاصة دون الحاجة إلى حضور الصفوف إطلاقا أو أن يسجل في مدرسة أخرى فيحاول الحضور بين الحين والآخر لكن عليه المشاركة في امتحاناتها".

لكن حين تواصل مراسل الجزيرة نت مع مركز آخر كزبون عادي، وسأل عن شرعية الشهادات، كان الرد أكثر كشفا "خذوا ملف طالبكم من مدرسته وأحضروه إلينا"، وحين أبدى المراسل قلقا من عدم صدور شهادة رسمية، جاء الجواب واضحا "نحن نتكفل بكل إجراءات التسجيل في نظام وزارة التعليم. والشهادة الرسمية ستصدر من مدرسة خاصة، ولا يمكن لأحد التشكيك بأن ابنكم حصل على شهادة بشكل غير قانوني".

مصدر الصورة علي بورسليمان: المدارس المنزلية ليست علة بل هي ناشئة عن عدم فعالية التعليم الرسمي (الصحافة الإيرانية)

أسباب الإقبال

وبينما تزدهر هذه السوق الموازية، يفرض سؤال نفسه: ماذا عن التعليم المجاني الذي يكفله الدستور الإيراني؟ ففي بلد يفترض أن يكون التعليم فيه حقا عاما، يتحول القطاع الخاص إلى ملاذ للعديد من الأسر التي تستطيع الدفع، وبينما يشن الإعلام الرسمي والمسؤولون حملة شعواء ضد التعليم المنزلي، يرى علي بورسليمان، المختص التربوي ومدير موقع "صوت المعلم" الإعلامي، أن هذه المدارس المنزلية ليست علة في ذاتها، بل هي عرض لأزمة أعمق.

إعلان

وفي مقال تحت عنوان "المدارس المنزلية، ناشئة عن عدم فعالية التعليم الرسمي وبلوغه طريقا مسدودا"، يشير بورسليمان إلى أن المدارس لم تُفتح العام الماضي سوى 81 يوما من أصل 180 يوما كانت مقررة، موضحا أنه بعد جائحة كورونا التي أغلقت المدارس 26 شهرا، ثم الاحتجاجات، ثم أزمة الطاقة وتلوث الهواء، صار التقويم الدراسي بلا معنى.

وبرأيه، فإن التعليم الرسمي أُفرغ من محتواه الحقيقي جراء الإغلاقات المتكررة للمدارس، مشددا على أنه إذا أضفنا البرامج الأيديولوجية والرقابة الصارمة على المناهج الرسمية، سيفهم المرء لماذا تبحث الأسر عن بدائل للتعليم الرسمي.

ويؤكد بورسليمان أن ما يقلقه هو أن الجهات المعنية في إيران تتعامل مع التعليم المنزلي بعقلية أمنية، بينما يجب أن تعتبر أن "المشكلة ليست في هذه المراكز، بل في فراغ نظامنا التعليمي".. وإذا لم تُعالج جذور المشكلة، فقد تتسع دائرتها لاحقا.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا