تحليل بقلم تيم ليستر من شبكة CNN
(CNN)-- تتغير الخطط المتعلقة بمستقبل مضيق هرمز، وفرص نجاحها، بشكل شبه يومي، تمامًا كتقلبات الرياح.
فقد صرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه من الممكن التوصل إلى اتفاق مع إيران هذا الأسبوع، وقال، الثلاثاء: "قد يحدث ذلك، غدًا أو بعد غد، لقد أُحرز تقدم كبير. واتصلوا بي وقالوا: أرجوك، دعنا نتحدث'"، لكنه هدد مجددًا بمهاجمة إيران في حال عدم التوصل إلى اتفاق.
ومع ذلك، لا يوجد إجماع حتى على من يتفاوض مع من، حيث أكدت إيران مرارًا أنها تتفاوض حصريًا مع سلطنة عُمان بشأن ترتيب مؤقت للممر المائي الحيوي.
بينما يبدي آخرون شكوكًا أقل حول قرب التوصل إلى اتفاق، ويشككون في استدامته.
وذكر المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، الأربعاء، أن إيران وسلطنة عُمان اتفقتا على الإحداثيات الجغرافية لمسار ملاحي آمن مقترح في المضيق لكنه خفف من التوقعات بإضافة "شريطة ألا تعرقل أطراف ثالثة معينة العملية".
وأشار مسؤول خليجي رفيع مطلع على المحادثات إلى أن احتمالية التوصل إلى اتفاق بحلول الجمعة متساوية تقريبًا، وأوضح المصدر أن إحدى المشكلات تكمن في أن الوفد الإيراني لا يضم صوت “الحرس الثوري” المتشدد، الذي سيُطلب منه الموافقة على التفاصيل.
إيران تُحمّل واشنطن مسؤولية "التأخير"
ربما فاجأ تفاؤل ترامب طهران، ونقلت وكالة أنباء "تسنيم" الإيرانية شبه الرسمية عن مصدر مطلع قوله، الأربعاء: "السبب الرئيسي لتأخير التوصل إلى اتفاق مع عُمان بشأن مضيق هرمز هو التدخل الأمريكي وتهديدات ترامب".
وتبنت وكالة أنباء "فارس" شبه الرسمية لهجة مماثلة، إذ ذكرت أن بعض المسؤولين الأمريكيين "أرسلوا إشارات متضاربة، وعرقلوا مسار المفاوضات إما بشكل مباشر أو عبر شركاء إقليميين، ولا يزال هناك قلق من أن يؤدي عرقلة الولايات المتحدة أو بعض الأطراف الإقليمية إلى إطالة أمد المفاوضات أو التدخل في العملية بأي شكل آخر".
وأكدت وكالة "فارس" مجدداً أن إيران تتفاوض فقط مع سلطنة عُمان، وأن هذه المحادثات "تركز على ممر وسطي يضمن حقوق إيران مع مراعاة مخاوف عُمان".
"حقوق إيران" مصطلح يثير تساؤلات عديدة
هناك مسارات متنافسة عبر المضيق، ويبدو أن ما يُطرح على الطاولة ينطوي على دمجها، مع احتفاظ إيران بمستوى من السيطرة يتعارض مع رغبات الولايات المتحدة.
ووفقاً لسعيد أجورلو، عضو اللجنة التفاوضية الإيرانية، يجب أن "تُرسّخ المفاوضات ترتيبات إيرانية، لأن الأمن وإزالة الألغام والخدمات البحرية من اختصاص إيران".
وأوضح أجورلو لهيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية هذا الأسبوع أن هدف طهران "هو وضع ترتيبات مؤقتة" لمدة تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر "تكون فيها إيران مهيمنة".
لكن عبارة "حيث تكون إيران مهيمنة" قد لا تلقى قبولاً في واشنطن أو عواصم الخليج.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، الاثنين: "ركزت المفاوضات على تحويل المسار الجنوبي، الذي يمر عبر المياه العمانية، والمسار الشمالي، الذي يمر عبر المياه الإقليمية الإيرانية، إلى مسار وسيط يخدم مصالح الدولتين الساحليتين".
وأضاف: "نتحدث الآن عن ممر ذي اتجاهين، وليس مسارين أو ثلاثة مسارات منفصلة".
ويؤكد بقائي، وأجورلو، وجميع المسؤولين الإيرانيين الآخرين، أن النظام القانوني في المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب، حين لم تكن أي دولة تسيطر على الملاحة عبر هذا الممر المائي الحيوي.
وأصبح التحكم أو الإشراف على هذا الممر الحيوي خطاً أحمر بالنسبة لطهران، تماماً كحقها في تخصيب اليورانيوم.
كيف تنظر الولايات المتحدة إلى المضيق؟
إن احتمال ممارسة مثل هذه النفوذ غير مقبول في واشنطن وأبوظبي والرياض.
وصرّح وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، مراراً وتكراراً بأن أي شكل من أشكال سيطرة الدولة على المياه الدولية يُعد مخالفاً للقانون الدولي.
وقال مؤخرًا: "إذا أرسينا سابقة في الشرق الأوسط تسمح لدولة ما بالسيطرة على ممر مائي دولي، وفرض رسوم عليه، وإذا لم تُدفع تُفجّر السفن، فإننا بذلك نخلق سابقة خطيرة للغاية، ستتكرر في مناطق أخرى من العالم".
وأشارت قطر، الثلاثاء، إلى أن المفاوضات تتقدم، لكن من الصعب التوفيق بين المتناقضات عندما تكون أهداف ومطالب الخصمين متباعدة إلى هذا الحد.
ولا تزال هناك تساؤلات جوهرية: هل سيقبل "الحرس الثوري" بتقليص سيطرته على مضيق هرمز، وما هي الشروط التي ستُتيح له اعتراض السفن؟ وهل سيشمل إعادة فتح المضيق السفن البحرية الأجنبية، بما فيها الأمريكية؟ وما مقدار المعلومات التي ستطلبها إيران بشأن شحنات السفن ووجهاتها؟
كما أنه من غير الواضح ما إذا كان الاتفاق سيرفع الحصار الأمريكي عن الموانئ الإيرانية، ويُعيد العمل بالإعفاءات التي تسمح بتصدير النفط الإيراني، ويُحيي أو يُستبدل أجزاءً من مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية الموقعة في يونيو/حزيران والتي أُعلن عن فشلها بعد شهر.
وترك اتفاق يونيو/حزيران بنودًا رئيسية صيغت بعبارات غامضة عمداً، حيث ألزمت المادة الخامسة إيران ببذل "قصارى جهدها" لضمان المرور التجاري الآمن لمدة 60 يوماً، مع النص أيضاً على أن إيران وعُمان ستتوليان "تحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية" في المضيق.
كما نصت المادة على أن أي ترتيب مستقبلي يجب أن يكون "متماشياً مع القانون الدولي الساري".
غير أن هذا الشرط لم يحسم الكثير من الأمور؛ إذ أشارت مدونة "لوفير" الأمريكية ال متخصصة في تحليل القضايا القانونية المرتبطة بالأمن القومي والسياسة الخارجية ومكافحة الإرهاب إلى أنه "بالنظر إلى الخلاف المعروف بين إيران ومعظم دول العالم حول ما يقتضيه القانون الدولي في مضيق هرمز، فإن هذه الصياغة لا تعدو كونها وسيلة لتأجيل حسم المسألة إلى وقت لاحق".
الحفاظ على نفوذ "مستدام"
في نهاية المطاف، تسعى طهران إلى "تحويل أوراق الضغط التي اكتسبتها خلال الحرب إلى دور سياسي ومؤسسي مستدام في إدارة أحد أهم الممرات المائية استراتيجياً في العالم"، وذلك حسبما يرى تريتا بارسي، من معهد كوينسي للحكم الرشيد.
وكتب بارسي على منصة "إكس"، الأربعاء: "من خلال ترسيخ دور دائم لها في إدارة مضيق هرمز، يمكن لإيران الحفاظ على جزء كبير من النفوذ الذي اكتسبته أثناء الحرب دون الحاجة إلى الاعتماد المستمر على الإكراه العسكري".
ويُعد هذا مكسباً يفوق بكثير أي رسوم أو عوائد عبور قد ترغب إيران في تحصيلها عند هذا الممر الحيوي الضيق.
وقال الخبير الأمني الإسرائيلي داني سيتيرينوفيتش: "كان من الواضح منذ اليوم الأول أن إعادة مضيق هرمز إلى وضعه السابق للأزمة كانت ستتطلب إما تغييراً للنظام في إيران أو جهداً عسكرياً متواصلاً لفرض السيطرة على الممر المائي".
وأضاف: "لم يكن أي من الخيارين مقبولاً سياسياً أو استراتيجياً بالنسبة لواشنطن، نظراً للتكاليف الهائلة والالتزامات طويلة الأمد التي كان سيتطلبها كل منهما. وأحياناً، يكون الخيار الأقل جاذبية هو الخيار الواقعي الوحيد".
وفي حين لا يزال التوصل إلى اتفاق أمراً بعيد المنال، يتعين على أسواق النفط العالمية مواجهة استنزاف احتياطيات الخام.
وصرح أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لشركة "أرامكو" السعودية -أكبر منتج للنفط في العالم- الثلاثاء، بأنه "حتى لو فُتح مضيق هرمز اليوم، فقد يستغرق الأمر ما يصل إلى 18 شهراً لتعويض المخزونات المستنزفة".
ومع كل يوم يمر دون التوصل إلى اتفاق، هناك نحو 15 مليون برميل من النفط الخام لا تصل عبر هذا الممر المائي الضيق إلى الأسواق العالمية.
المصدر:
سي ان ان