آخر الأخبار

من الحوار إلى القبضة الأمنية.. هل تنجح كولومبيا في التصدي للجماعات المسلحة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بوغوتا – يقول إن أكبر انتصار لأي مجتمع هو أن يضمن ألا يضطر أبناؤه إلى عيش الحرب. وبالنسبة إليه، لا تنفصل هذه الفكرة السياسية عن تجربته الشخصية.

هو خورخي سواريز، ابن القائد السابق في حركة القوات المسلحة الثورية الكولومبية (فارك)، فيكتور سواريز، المعروف بلقب "مونو خوخوي". نشأ في كولومبيا، البلد الذي شكّل فيه النزاع المسلح جزءا من الحياة اليومية لعقود.

ويقول في تصريحات للجزيرة نت إن التهديدات التي تعرضت لها عائلته من مجموعات يمينية شبه عسكرية دفعته، كما حدث مع كثير من الشبان الكولومبيين، إلى الالتحاق بصفوف الحركة المسلحة.

مصدر الصورة خورخي سواريز: يجب أن يُنظر للسلام باعتباره سياسة دولة، لا مشروعا مرتبطا بحكومة واحدة (الجزيرة)

الرهان على السلام

بعد توقيع اتفاق السلام التاريخي بين الدولة وجماعة فارك عام 2016، سلك سواريز مسارا مختلفا. درس الاتصال الاجتماعي، ثم الإدارة العامة، قبل أن ينجز ماجستيرا في الحكومة والسياسات العامة. واليوم يعرّف نفسه بوصفه أحد الموقّعين على الاتفاق الذين اختاروا العمل في المجالين السياسي والمدني بعد التخلي عن السلاح.

ويرى أن اتفاق السلام منحه فرصة لإعادة بناء حياته، لكنه يوضح أن الهدف الأهم هو ضمان ألا يجد أطفال وشبان آخرون أنفسهم أمام الخيارات نفسها التي فرضها النزاع على جيله.

ومن هذا المنطلق ينظر إلى سياسة "السلام الشامل" التي تبناها الرئيس اليساري المنتهية ولايته غوستافو بيترو. ويشير إلى أن أهم ما حققته حكومته هو إبقاء ملف السلام ووضع اتفاق عام 2016 ضمن أولويات الدولة. ويضيف: "يجب أن يُنظر إلى السلام باعتباره سياسة دولة، لا مشروعا مرتبطا بحكومة واحدة".

لكن النزاع المسلح الذي تعرفه كولومبيا اليوم لم يعد هو نفسه الذي أفضى إلى اتفاق السلام، والذي عرفه خورخي سواريز.

مشهد معقد

ويُذكّر خافيير فلوريس، مدير برنامج النزاع والأمن في مؤسسة "الأفكار من أجل السلام" (FIP)، في تصريح للجزيرة نت، بأنه خلال عقود طويلة هيمنت على النزاع جماعات تمرد كبيرة ذات أهداف سياسية واضحة وهياكل تنظيمية هرمية نسبيا. وقد وضع الاتفاق مع فارك حدا للصراع مع أكبر حركة مسلحة في البلاد وأسهم في خفض عدد من مؤشرات العنف بشكل ملحوظ.

إعلان

لكن فلوريس يشدد على أن الاتفاق لم يكن مصمما لمعالجة جميع أشكال العنف المنظم في كولومبيا، فالكثير من المناطق بقيت تعاني من اقتصاديات غير مشروعة، ومن ضعف مؤسسات الدولة وصعوبات الوصول إلى العدالة، الأمر الذي سمح لتنظيمات أخرى بملء الفراغ الذي خلفه انسحاب فارك.

ويقول إن البلاد انتقلت من صراع يتمحور حول فاعل مسلح مهيمن إلى مشهد "أكثر تشتتا وتعقيدا". وخلال السنوات الأخيرة، تعمقت هذه التحولات مع ظهور جماعات أصغر حجما وأكثر مرونة وقدرة على التكيف.

ولا تعتمد هذه التنظيمات على الاتجار بالمخدرات وحده، بل تجمع – وفقا له – بين أنشطة متعددة تشمل التعدين غير القانوني والابتزاز والتهريب وتهريب المهاجرين وغسل الأموال وغيرها من الأنشطة القانونية وغير القانونية.

ويرى فلوريس أن التحدي الأمني الرئيسي في كولومبيا لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية مع الجماعات المسلحة، بل بات يتمثل أيضا في الصراع على السيطرة على الأراضي والقدرة على إدارة مناطق واسعة من البلاد.

في هذا السياق، برزت سياسة "السلام الشامل" التي أطلقها الرئيس بيترو، بهدف فتح مسارات تفاوض متزامنة مع عدد من الجماعات المسلحة سعيا إلى خفض مستويات العنف والتوصل إلى حلول تفاوضية للنزاع. وقد راهن بيترو على أن الحوار والتفاوض يمثلان المخرج الأساسي من هذا الوضع.

مصدر الصورة الرئيس الكولومبي أبيلاردو دي لاسبيريا (يسار) يتبنى رؤية حليفه الأمريكي ترمب القائمة على استعمال القوة (الفرنسية)

نتائج محدودة

غير أن النتائج، وفق ما أكده فلوريس للجزيرة نت، جاءت أكثر محدودية مما كان مأمولا. ويعود ذلك – بحسبه – إلى محاولة التفاوض في الوقت نفسه مع تنظيمات تختلف جذريا في بنيتها وأهدافها ومستوى تماسكها ومصالحها.

ويقول إن بعض الجماعات أبدت استعدادا لاستكشاف فرص التفاوض، بينما استغلت أخرى تلك المساحة لتوسيع نفوذها الجغرافي واستقطاب عناصر جديدة وتعزيز مواردها غير المشروعة وترسيخ سيطرتها على المجتمعات المحلية.

ومع انتقال السلطة إلى الرئيس المنتخب اليميني أبيلاردو دي لاسبيريا، قد يشهد الملف الأمني تحولا كبيرا. ويطرح دي لاسبيريا برنامجا يصفه بأنه نسخة مطورة من سياسة الأمن التي طُبقت خلال حكم الرئيس الأسبق ألفارو أوريبي، ويقول إنه يهدف إلى استعادة السيطرة على الأراضي خلال 90 يوما.

مصدر الصورة مسلح من جماعة فارك يستعد للخروج في دورية داخل الغابة في أحد المخيمات بمدينة نارينو الكولومبية (غيتي)

ويتضمن البرنامج ما يسميه "خطة كولومبيا 2.0″، بالاعتماد على الطائرات المسيرة و الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى بناء 10 سجون شديدة الحراسة على غرار نموذج رئيس السلفادور نجيب بوكيلة.

وفي ملف المخدرات، يدعو إلى القضاء على نحو 330 ألف هكتار من مزارع الكوكا عبر الرش الجوي والإزالة اليدوية للمحاصيل وملاحقة الشبكات المالية المرتبطة بتجارة المخدرات.

كما يرفض التفاوض مع الجماعات المسلحة، ويتعهد بإنهاء سياسة "السلام الشامل" واستبدالها بعمليات عسكرية مباشرة، إلى جانب تفكيك المليشيات والبنى المسلحة الموازية للدولة وتعزيز التعاون الأمني مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

مصدر الصورة الرئيس السابق غوستافو بيترو كان يتبنى سياسة "السلام الشامل" مع الجماعات المسلحة (غيتي إيميجز)

أهداف منطقية

من جانبه، يرى ليوناردو غونزاليس، مدير المعهد الكولومبي للدراسات من أجل التنمية والسلام (إنديباز)، في حديث للجزيرة نت، أن بعض هذه الإجراءات قابل للتطبيق وقد يحقق نتائج مهمة إذا نُفذ بصورة فعالة.

إعلان

ولفت إلى أن تعزيز قدرات التحقيق الجنائي، وملاحقة مصادر تمويل التنظيمات غير القانونية، وتحسين التنسيق بين مؤسسات الدولة، وتوفير حماية أكبر للقادة الاجتماعيين والمجتمعات المهددة، إضافة إلى استعادة الحضور الحكومي في المناطق الإستراتيجية، كلها أهداف "منطقية وضرورية".

وفي الوقت نفسه، يحذر من اختزال المسألة الأمنية في المقاربة العسكرية وحدها. فبحسب تقديره، تُظهر التجربة الكولومبية أن الأمن المستدام يعتمد أيضا على قدرة الدولة على ترسيخ شرعيتها وحضورها الفعلي في المناطق التي وجدت فيها الجماعات والعصابات الظروف المناسبة للنمو وإعادة إنتاج نفسها.

وفي تصريح للجزيرة نت، يرسم المحلل السياسي خايرو إسترادا صورة أكثر تشاؤما. فبحسب رأيه، تتجاوز سياسة الرئيس المنتخب البعد الداخلي للنزاع وترتبط أيضا بخيارات جيوسياسية أوسع.

ويرى أن هذا التوجه قد يترافق مع انفتاح أكبر أمام المصالح الأمريكية والإسرائيلية في قطاعات إستراتيجية، مثل الطاقة والمعادن والموارد النادرة. وأوضح أن كولومبيا يُنظر إليها في هذا السياق بوصفها الحليف الإستراتيجي الأبرز للولايات المتحدة في المنطقة، والشريك العالمي الوحيد ل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أمريكا اللاتينية.

آفاق قاتمة

ويعتقد إسترادا أن آفاق السلام في كولومبيا تبدو "قاتمة إلى حد كبير". ويعتبر أن الرؤية التي يتبناها الرئيس المنتخب تتقاطع، بحكم تقاربه الإيديولوجي مع الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، مع مفهوم "السلام عبر القوة".

ولا ينبغي، وفقا له، توقع مجرد تعاون أمني بين كولومبيا من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بل "تدخلا متزايدا، مباشرا وغير مباشر، من البلدين في الحرب الداخلية للبلاد".

ويقول إن واشنطن وتل أبيب ستتحولان إلى "موردين للسلاح، وللتكنولوجيا المستخدمة في الحرب، وللمعلومات الاستخباراتية". ويضيف أنه من المبكر تحديد جميع أبعاد هذا التدخل أو مآلاته، لكنه يرى أن النتيجة الأكثر ترجيحا هي "تصعيد المواجهة المسلحة".

تغيّرت كولومبيا منذ عام 2016، لكنها لم تتخلص بعد من العنف. وبينما تستعد البلاد لمرحلة سياسية جديدة ومقاربة مختلفة للملف الأمني، يترقب الكولومبيون ما إذا كانت الوعود الجديدة ستنعكس فعلا على حياة الناس وتترجم إلى أمن واستقرار على الأرض.

أما بالنسبة إلى خورخي سواريز، الموقع على اتفاق السلام عام 2016، فما زال النقاش حول التفاوض أو العمليات العسكرية يُقاس بسؤال واحد: هل ستنجح هذه السياسات في منع جيل جديد من دخول الحرب؟

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا