في وقت تواصل فيه المؤسسات الإعلامية البحث عن نموذج اقتصادي قادر على إنقاذ صحافة المحليات، تكشف دراسة جديدة عن مفارقة تبدو بسيطة، لكنها تحمل دلالات عميقة: المحتوى الذي يجذب أكبر عدد من الزيارات ليس بالضرورة هو المحتوى الذي يدفع الجمهور إلى الاشتراك والدفع.
هذه الخلاصة جاءت في تحليل موسع عرضه الصحفي جوشوا بنتون، استنادا إلى دراسة أكاديمية أجراها باحثون من جامعة ستانفورد الأمريكية على بيانات صحيفة محلية كبرى لم يُكشف عن اسمها.
واعتمدت الدراسة على أكثر من 1.2 مليار جلسة استخدام و600 مليون زيارة لمواد صحفية على مدار أربع سنوات، ما يجعلها من أوسع الدراسات التي تناولت سلوك جمهور الأخبار الرقمية وعلاقته بالاشتراكات المدفوعة.
تؤكد الدراسة أن المحتوى الخفيف مثل الرياضة والترفيه يحقق أعدادا كبيرة من الزيارات ويجذب جمهورا واسعا، لكنه أقل قدرة على تحويل القراء إلى مشتركين مدفوعين.
في المقابل، كانت الموضوعات المرتبطة بالحكومة المحلية والصحة العامة والسياسة والشؤون المدنية أكثر نجاحا في إقناع القراء بالدفع مقابل المحتوى، رغم أنها لا تحقق بالضرورة الأرقام نفسها من حيث الزيارات.
ويقول غريغوري مارتن، الباحث الرئيسي في الدراسة، إن الاعتقاد السائد داخل الأوساط الإعلامية والأكاديمية يفترض أن الجمهور يهتم أساسا بالرياضة والترفيه، بينما يتعرض للأخبار السياسية والعامة بصورة عرضية، لكن الدراسة أظهرت أن ما يرغب الناس في النقر عليه يختلف عما يرون أنه يستحق الدفع مقابله.
بمعنى آخر، قد يقرأ الجمهور الأخبار الخفيفة للتسلية، لكنه يدفع المال مقابل المعلومات التي يعتبرها ذات قيمة فعلية في حياته اليومية.
استند الباحثون إلى قاعدة بيانات ضخمة سمحت لهم بتتبع سلوك القراء بدقة غير مسبوقة، فقد تمكنوا من معرفة عدد مرات زيارة المستخدمين للموقع، والموضوعات التي يفضلونها، وكيف يتصرفون عند الوصول إلى الجدار المدفوع الذي يطلب منهم الاشتراك لمواصلة القراءة.
كما حللت الدراسة خصائص المواد المنشورة نفسها، وقسمتها إلى فئات متعددة تشمل الرياضة والترفيه والأخبار المحلية والصحة والأعمال والجريمة والافتتاحيات، إضافة إلى تصنيفات أخرى مرتبطة بالاحتياجات المعلوماتية للمجتمعات المحلية.
وأظهرت النتائج أن المواد التي تلبي ما يسمى "الاحتياجات المعلوماتية المدنية" حققت معدلات اشتراك أعلى من غيرها، خصوصا تلك المتعلقة بالحياة العامة والصحة والتنمية الاقتصادية والشؤون الحكومية.
تشير الدراسة إلى أن الأخبار الجادة تمنح القارئ شعورا أكبر بالقيمة والفائدة، خاصة عندما ترتبط مباشرة بالقرارات الحكومية أو الخدمات العامة أو القضايا الصحية التي تؤثر في حياته.
وقد برزت المواد الصحية بشكل خاص خلال فترة الدراسة التي امتدت بين عامي 2020 و2023، وهي الفترة التي شهدت جائحة كورونا. وأسهم الاهتمام الاستثنائي بالأخبار الصحية خلال تلك المرحلة في رفع معدلات الاشتراك بصورة كبيرة.
لكن الباحثين يؤكدون أن تفوق المحتوى الجاد لم يكن مرتبطا بالجائحة وحدها، إذ استمرت الأخبار المحلية والصحية والاقتصادية في تحقيق نتائج أفضل من الرياضة والترفيه حتى بعد انحسار تأثير الوباء.
كما أظهرت الدراسة أن المواد التي ينتجها صحفيو المؤسسة نفسها حققت أداء أفضل في الاشتراكات من المواد القادمة من وكالات الأنباء أو المصادر الخارجية، وهو ما يعزز أهمية الاستثمار في المحتوى الأصلي والمحلي.
ورغم أن النتائج تبدو مشجعة للصحفيين المدافعين عن أهمية التغطية المحلية والشؤون العامة، فإن الدراسة تكشف في الوقت نفسه مشكلة أكثر تعقيدا.
فالباحثون حاولوا قياس ما إذا كانت الاشتراكات الرقمية الناتجة عن المحتوى الجاد كافية لتغطية تكلفة إنتاجه، وتحديدا تكلفة توظيف صحفي إضافي.
وجاءت النتيجة مخيبة للآمال، فحتى في أكثر السيناريوهات تفاؤلا، لم تكن الإيرادات الناتجة عن الاشتراكات الرقمية كافية لتغطية راتب الصحفي بالكامل.
وتبين أن إضافة صحفي متخصص في الأخبار المحلية يمكن أن يغطي نحو ربع تكلفة راتبه فقط من خلال الاشتراكات الجديدة التي يسهم في جذبها، وحتى التغطيات الصحية خلال ذروة جائحة كورونا لم تتمكن من تغطية أكثر من نحو 60% من تكلفة الصحفي.
تسلط الدراسة الضوء على التحدي الذي يواجه الصحافة المحلية اليوم، فمن جهة، تؤكد البيانات أن المحتوى الأكثر فائدة للمجتمع هو أيضا الأكثر قدرة على جذب المشتركين. ومن جهة أخرى، لا تبدو عائدات الاشتراكات وحدها كافية لضمان الاستدامة المالية للمؤسسات الإخبارية.
ويخلص الكاتب إلى أن غرف الأخبار التي ما تزال تقيس النجاح بعدد الزيارات فقط قد تفوت فرصة فهم ما يقدره الجمهور فعلا. فالمحتوى الذي يجذب النقرات ليس دائما المحتوى الذي يبني علاقة طويلة الأمد مع القارئ.
أما الدرس الأهم الذي تكشفه الدراسة، فهو أن الجمهور قد يستهلك الأخبار الخفيفة بكثرة، لكنه حين يقرر الدفع، فإنه يفعل ذلك غالبا من أجل الصحافة التي تساعده على فهم مجتمعه ومحاسبة السلطة ومتابعة القضايا التي تمس حياته اليومية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة