تعود العلاقات الصينية البريطانية إلى واجهة المشهد الدبلوماسي مع مؤشرات واضحة على محاولة إعادة ضبط المسار بعد سنوات من التوتر.
ويعكس انعقاد الحوار الإستراتيجي الـ11 بين البلدين في بكين سعيا متبادلا لترجمة التفاهمات السياسية إلى نتائج عملية، خصوصا بعد زيارة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للصين مطلع العام.
هذا الحراك لا يأتي بمعزل عن سياق دولي مضطرب، وينطلق من إدراك مشترك لأهمية الاستقرار والتعاون بين قوتين فاعلتين في النظام الدولي، ويطرح تساؤلات حول مدى قدرة الطرفين على تحويل التفاهمات السياسية إلى شراكات عملية مستدامة.
وتشير المعطيات الواردة في التقارير الصحفية الصينية إلى أن انعقاد الحوار الإستراتيجي الأخير بين البلدين يمثل خطوة عملية حقيقية لاستئناف قنوات التواصل رفيعة المستوى.
وفي السياق ذاته، نقلت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست عن وانغ دعوته إلى "تعزيز التواصل ومواءمة المواقف " بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة، مما يعني أن الطرفين يسعيان إلى تثبيت أرضية سياسية مستقرة بعد مرحلة وُصفت سابقا بـ "العصر الجليدي " في العلاقات.
يبقى الاقتصاد محورا أساسيا في العلاقة وإن كان مغلفا بحذر متبادل، إذ يرى الباحث في أكاديمية شنغهاي للحوكمة العالمية والدراسات الإقليمية لي غوان جيه، في تصريح لصحيفة غلوبال تايمز الصينية أن "التعاون التجاري يظل حجر الأساس للعلاقات الثنائية، حيث تسعى المملكة المتحدة إلى فهم أفضل للتطور التكنولوجي الصيني وتحديد المجالات المحتملة للتعاون المستقبلي ".
ويضيف لي قائلا "في وقت تثير فيه التوترات الجيوسياسية والنزعات الحمائية حالة من عدم اليقين في العالم، فإن الحفاظ على الحوار وتوسيع مجالات التوافق بين الدول الكبرى من شأنه أن يسهم في تحقيق الاستقرار الدولي، وهو أمر بالغ الأهمية لدول كالصين والمملكة المتحدة ".
وفي الوقت نفسه، تركز التصريحات الصينية التي نقلتها صحيفتا الشعب وغلوبال تايمز، على مطالبة بكين بتوفير "بيئة أعمال عادلة وغير تمييزية " للشركات الصينية في بريطانيا، وهو مطلب يتكرر في سياق الخلافات حول تسييس الملفات الاقتصادية، مما يبرز مفارقة جوهرية حول الرغبة في توسيع التعاون الاقتصادي مع استمرار الشكوك السياسية والأمنية.
تتقاطع مواقف البلدين في الدعوة إلى دعم التعددية، وإن اختلفت دوافع كل طرف، فقد دعا وانغ يي -حسب صحيفة الشعب- إلى التمسك بميثاق الأمم المتحدة وبناء نظام حوكمة عالمي "أكثر عدلا ".
وبالمقابل، أكدت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر -وفق غلوبال تايمز- أن التعاون مع الصين ضروري "لمواجهة التحديات العالمية " في ظل بيئة دولية مضطربة.
ويعكس هذا التلاقي إدراكا مشتركا لدور البلدين بصفتهما عضوين دائمين في مجلس الأمن، لكنه لا يلغي التباينات في تفسير مفهوم "النظام العادل " أو آليات تحقيقه.
ورغم أجواء الانفراج النسبي، لا تزال ملفات الخلاف حاضرة، فقد أشارت ساوث تشاينا مورنينغ بوست إلى توترات سابقة تتعلق بالأمن القومي، مثل تعطيل مشاريع استثمارية صينية في مجالات الصلب وطاقة الرياح في بريطانيا.
كما تظل قضايا مثل هونغ كونغ وتايوان ضمن نقاط الحساسية، رغم تأكيد لندن على أن سياستها تجاه تايوان "لم تتغير، ولن تتغير " -وفق ما نقلته صحيفة الشعب- الأمر الذي يؤسس لنمط جديد من إدارة الخلافات عبر الحوار بدل التصعيد، دون الوصول إلى حلول جذرية.
وتتجه الأنظار نحو مجالات جديدة للتعاون وتعزيز الثقة بين البلدين، خاصة في التكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي، ومن المتوقع -حسب غلوبال تايمز- أن يسعى الطرفان إلى "استكشاف مجالات نمو جديدة " تتجاوز التجارة التقليدية.
كما أن زيارة كوبر لمدينة شينجين، مركز الابتكار التكنولوجي، تظهر اهتماما بريطانيا بمتابعة التطور التقني الصيني عن كثب، وهذا ما قد يعزز فرضية تحول العلاقة تدريجيا من شراكة تجارية تقليدية إلى تعاون قائم على الابتكار.
وتعكس إعادة تنشيط العلاقات الصينية البريطانية محاولة إيجاد توازن دقيق بين البراغماتية الاقتصادية والاعتبارات السياسية، وبينما يدفع اضطراب النظام الدولي نحو تعزيز التعاون بين القوى الكبرى، تظل الهواجس الأمنية والاختلافات القيمية عوامل كابحة لأي تقارب كامل.
وقد لا يكون اختبار "الشراكة طويلة الأمد " الحقيقي في قوة التصريحات الرسمية، بل في قدرة الجانبين على فصل التجارة عن الأمن دون أن يفقد أحدهما الآخر، وإلى أي مدى يمكنهما إدارة هذه التناقضات دون أن تتحول إلى أزمات جديدة، مما يجعل استمرار العلاقة نموذجا لاختبار إمكانية التعايش بين التنافس والشراكة في عالم متعدد الأقطاب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة