آخر الأخبار

الحرب تكسر المعادلة الخليجية | الحرة

شارك

بدأت تداعيات حرب إيران تتكشف بصورة مباشرة على دول المنطقة، إذ تشير تقديرات إلى أن اقتصادات الخليج فقدت ما لا يقل عن ملياري دولار يوميا نتيجة تعطل صادرات النفط والغاز، في وقت تعرضت فيه أكثر من 80 منشأة طاقة لهجمات منذ بداية المواجهة بين أميركا وإسرائيل، وإيران في 28 فبراير الماضي.

وبينما كانت الحكومات الخليجية تدفع نحو تعزيز دفاعاتها الجوية وتوسيع إنفاقها العسكري بوتيرة غير مسبوقة، كانت الإيرادات العامة تتراجع بالتوازي، ما خلق معادلة مالية غير متوازنة: إنفاق أعلى يقابله دخل أقل، في توقيت تعاني فيه معظم الموازنات الخليجية أصلا من عجز متراكم عام 2026.

لم يتوقف التأثير عند حدود الخليج، فكما هي الحال دائما في الشرق الأوسط، تنتقل الصدمات الاقتصادية عبر شبكات الاعتماد المالي والتجاري بسرعة تفوق أحيانا انتقال الصواريخ نفسها.

في مصر مثلا، انعكس التصعيد الإقليمي مباشرة على أسعار الطاقة والدولار، ما أعاد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، وفرض إعادة توزيع قسرية للسيولة بين القطاعات الاقتصادية.

وفي دول عربية أخرى من الأردن إلى لبنان والعراق، ظهرت آثار مشابهة تمثلت في ارتفاع معدلات التضخم، وضغوط على العملات المحلية، وتراجع التحويلات والاستثمارات القادمة من الخليج.

اقتصادات تصمد وأخرى تتراجع

يقول الاقتصادي والنائب في مجلس الشعب المصري محمد فؤاد أن دولا مثل مصر والأردن ولبنان وسوريا تتأثر بسرعة بأي توتر إقليمي، لاعتمادها بدرجات مختلفة على التدفقات المالية والسياحية والاستثمارية المرتبطة بالخليج والاستقرار الإقليمي، ما ينعكس مباشرة على العملات المحلية والتضخم والسيولة الدولارية.

ويوضح فؤاد في حديثه لـ”الحرة” أن كثيرا من الاقتصادات العربية تعتمد على نماذج ريعية قائمة على النفط أو التحويلات والسياحة والمساعدات، أكثر من اعتمادها على قاعدة إنتاجية قوية. ويضيف أن دول الخليج، رغم امتلاكها فوائض مالية وصناديق سيادية تساعدها على امتصاص الصدمات، تبقى شديدة التأثر بأي اضطراب جيوسياسي بسبب ارتباطها بأسواق الطاقة العالمية.

منذ اللحظة الأولى للحرب امتدت الضربات الإيرانية إلى الخليج بأكمله تقريبا، مستهدفة منشآت قالت إنها مرتبطة بالوجود العسكري الأميركي، فيما أصابت عمليا شرايين الطاقة والبنية الاقتصادية في المنطقة.

ومع إغلاق مضيق هرمز فعليا، تعرضت الأسواق العالمية لهزة كبيرة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار النفط والغاز، لكن المفارقة أن دول الخليج التي استفادت تاريخيا من أي ارتفاع في أسعار الطاقة خلال الأزمات، وجدت نفسها هذه المرة عاجزة عن تحويل تلك الطفرة السعرية إلى مكاسب مالية.

تعطلت طرق التصدير وتعرض أجزاء من البنية التحتية النفطية والغازية للهجمات مما حرم هذه الدول من الاستفادة من ارتفاع الأسعار، لتتحول أسعار الطاقة المرتفعة من فرصة مالية إلى مجرد رقم لا ينعكس على الإيرادات الفعلية.

“الاقتصاد الذي يبدو مستقرا في أوقات الرخاء ينكشف وقت الأزمة،” يقول رئيس مجلس إدارة الجمعية الكويتية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة الكويتي محمد القطان لـ”الحرة”.

ووفقا للقطان، فإن الحرب تطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الاقتصاد نفسه: هل يمتلك قاعدة إنتاج حقيقية؟ وهل لديه قطاع خاص فعال وأمن غذائي ومرونة في اتخاذ القرار؟ أم أنه يعتمد فقط على التدفقات النفطية والمالية؟

ومن هنا يرى القطان أن دول الخليج تمتلك احتياطيات مالية قوية، لكن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في تحويل هذه القوة المالية إلى قوة إنتاجية مستدامة. ويشير إلى أن التقارير الأخيرة أظهرت استمرار قوة النشاط غير النفطي في الخليج، رغم الضغوط الناتجة عن تراجع عوائد النفط على الموازنات العامة.

بحسب صندوق النقد الدولي، لم تقتصر تداعيات الحرب على اضطراب إمدادات الطاقة، بل امتدت إلى كامل اقتصادات المنطقة، مع تباطؤ حاد في دول الخليج المصدرة للنفط والغاز، وضغوط متزايدة على الدول المستوردة للطاقة مثل مصر والأردن.

وخفض الصندوق توقعاته لنمو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 1.1% هذا العام، بانخفاض 2.8 نقطة مئوية عن تقديرات ما قبل الحرب، مع تأجيل أي تعاف ملحوظ إلى 2027. كما حذر البنك الدولي من “تكلفة بشرية واقتصادية جسيمة” نتيجة اضطراب طرق الطاقة وتصاعد التقلبات المالية.

وتراجعت توقعات نمو دول مجلس التعاون الخليجي إلى 2% مقارنة بـ4.3% سابقا، فيما حذر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن كلفة الحرب على الاقتصادات العربية قد تصل إلى 200 مليار دولار، مع انكماش اقتصادي يتراوح بين 3.7% و6%، ورأت وكالة فيتش الائتمانية أن صمود اقتصادات الخليج قد يتعرض لاختبار قاس إذا طال أمد الحرب.

الاقتصاد الريعي في مواجهة تداعيات الحرب

يرى الخبير الاقتصادي السعودي، محمد دليم القحطاني، أن من غير المنطقي التعامل مع دول الخليج ككتلة اقتصادية واحدة، “هناك تفاوت واضح في الحجم الاقتصادي والصلابة الائتمانية والقدرة المالية”.

ويوضح القحطاني في حديثه لـ”الحرة” أن دولا مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت تختلف من حيث الإمكانات عن اقتصادات أصغر مثل البحرين وعُمان.

ويضيف أن السعودية تمتلك سيولة تتجاوز تريليون و100 مليار دولار، إلى جانب استثمارات ضخمة تضخها الدولة في قطاعات ومشاريع مختلفة، بينما تقترب الصلابة المالية لكل من السعودية والإمارات من تريليون دولار، وتمتلك قطر نحو 450 مليار دولار تستثمرها بقوة في الأسواق والمشاريع الخارجية.

ورغم ارتفاع الدين العام في بعض الدول الخليجية، يرى القحطاني أن المستويات الحالية ما زالت ضمن الحدود الآمنة وفقا لتقييم المؤسسات الدولية، ويشير إلى أن الدين السعودي يقترب من 50% من الناتج المحلي، لكنه يظل “مقدورا عليه”، مستشهدا باليابان التي تتجاوز فيها الديون 85% من الناتج المحلي، لكنها تحافظ على توازنها بفضل قوة اقتصادها وصادراتها.

ومن هنا، يبرز سؤال جوهري يتعلق بالكيفية التي يمكن للدول أن تبني من خلالها اقتصادا قادرا على الحياة في عالم مضطرب دون أن يبقى معلقا بشكل دائم على النفط أو التحويلات أو المساعدات الخارجية.

الحروب في المنطقة لم تعد تختبر قوة الجيوش فقط، بل “طبيعة النموذج الاقتصادي نفسه”، بحسب فؤاد، الذي يشير إلى أن الاقتصادات الإنتاجية تستطيع أن تتألم وتواصل العمل في الوقت نفسه، بينما تصبح الاقتصادات الريعية أكثر هشاشة لأن توازنها قائم أساسا على الاستقرار الخارجي وليس على ديناميكية داخلية قادرة على امتصاص الصدمات.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا