في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في البحار المفتوحة، تدور واحدة من أكثر المعارك الاقتصادية تعقيدا بين الولايات المتحدة وخصومها النفطيين؛ معركة لا تخاض بالصواريخ ولا بالأساطيل العسكرية، بل بالأقمار الاصطناعية وأنظمة التتبع وملفات التأمين والتحويلات البنكية. فمع عودة العقوبات الأمريكية المشددة على النفط الإيراني والروسي، دخلت ناقلات "أسطول الظل" مرحلة جديدة من المطاردة البحرية الصامتة التي تشبه لعبة "القط والفأر" فوق المياه الدولية.
ويشير تقرير لقناة الجزيرة إلى أن العقوبات الأمريكية لم تعد مجرد قرارات تقليدية تضاف فيها أسماء سفن وشركات إلى قوائم سوداء، بل تحولت إلى منظومة مراقبة متكاملة تتعقب حركة النفط المحظور من لحظة تحميله وحتى وصوله إلى الموانئ، أو انتقال عائداته عبر البنوك وشركات الوساطة والتأمين.
ويعتمد هذا السباق الاستخباراتي البحري على كشف محاولات التمويه التي تلجأ إليها الناقلات المتهمة بنقل النفط الإيراني أو الروسي بعيدا عن أعين الرقابة الدولية. فالسفن التي تعمل ضمن ما يعرف بـ" أسطول الظل" تحاول باستمرار إخفاء مصدر الشحنات النفطية ووجهتها النهائية، إضافة إلى التلاعب بوثائق الملكية والشحن.
وتبدأ عملية التعقب عبر نظام التعريف الآلي للسفن، وهو نظام يبث بصورة مستمرة موقع السفينة وسرعتها ومسارها في البحر. غير أن ناقلات النفط الخاضعة للمراقبة كثيرا ما تعمد إلى إطفاء أجهزة التتبع خلال رحلاتها، قبل أن تعود للظهور بعد أيام في مناطق مختلفة، في خطوة تثير شكوك الجهات الرقابية بشأن الأنشطة التي جرت أثناء الاختفاء.
لكن إغلاق أجهزة التتبع، بحسب التقرير، لا يعني اختفاء السفن فعليا، إذ تبقى الناقلة جسما معدنيا ضخما يمكن رصده بواسطة الأقمار الاصطناعية المزودة بتقنيات الرادار القادرة على التصوير ليلا وعبر السحب. ومن خلال مقارنة الصور الفضائية ببيانات الملاحة، تستطيع الجهات الأمريكية تحديد مواقع السفن ومساراتها الحقيقية حتى أثناء محاولات التخفي.
ومع تطور أساليب الرقابة، طورت بعض الناقلات بدورها وسائل أكثر تعقيدا للتمويه، عبر بث إحداثيات مضللة توحي بأنها تبحر في مواقع تختلف عن أماكنها الفعلية. وهنا تصبح المقارنة بين بيانات التتبع والصور الفضائية أداة حاسمة لكشف التلاعب، فعندما تظهر السفينة في موقع على أجهزة الملاحة بينما ترصدها الأقمار الاصطناعية في مكان آخر، يتحول ذلك إلى دليل على محاولة إخفاء النشاط الحقيقي.
كما تراقب السلطات الأمريكية عمليات نقل النفط من سفينة إلى أخرى في عرض البحر، وهي إحدى أكثر الوسائل استخداما للالتفاف على العقوبات. وتظهر الصور الفضائية الناقلات متلاصقة لفترات طويلة، فيما تكشف مقارنة غاطس السفينتين انتقال الحمولة النفطية من ناقلة إلى أخرى، عندما تصبح الأولى أخف وزنا والثانية أكثر غاطسا في المياه.
وبحسب التقرير، تجمع وزارة الخزانة الأمريكية عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية كما هائلا من البيانات، يشمل معلومات الملاحة والصور الفضائية ووثائق الشحن وسجلات التأمين وحركة المدفوعات المالية. وتستخدم هذه المعلومات لبناء ملف متكامل عن كل عملية يشتبه بأنها تهريب نفطي أو التفاف على العقوبات.
وعندما تكتمل الأدلة، تدرج السفينة على قوائم العقوبات الأمريكية، لتتحول إلى عبء ثقيل في الأسواق الدولية. فالموانئ قد ترفض استقبالها، وشركات التأمين تمتنع عن تغطيتها، بينما تتجنب البنوك تمويل شحناتها أو تمرير مدفوعاتها، في وقت يحجم فيه المشترون عن التعامل معها خشية التعرض للعقوبات الثانوية الأمريكية.
ولا تتوقف العقوبات عند السفينة وحدها، بل تمتد إلى كامل الشبكة المرتبطة بها، بما في ذلك المالك والمدير وشركات التأمين والوسطاء الماليون والمستفيدون النهائيون من الشحنات النفطية، في إطار إستراتيجية أمريكية تهدف إلى خنق طرق الالتفاف على العقوبات وتجفيف عائدات النفط الإيراني والروسي.
وبين محاولات التخفي والمراقبة المستمرة، تبدو البحار مسرحا لمواجهة اقتصادية واستخباراتية مفتوحة، تستخدم فيها التكنولوجيا الحديثة لتتبع كل ناقلة مشتبه بها، بينما تؤكد واشنطن من خلال هذه المطاردات البحرية أنها ماضية في تشديد قبضتها على تجارة النفط الخاضعة للعقوبات، حتى لو تطلب الأمر مطاردة لا تنتهي لسفن جديدة تظهر كل يوم في مياه العالم.
المصدر:
الجزيرة