في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
وراء بريق الشاشات الكبيرة والمؤثرات البصرية المذهلة في عاصمة الترفيه العالمي " هوليود"، تكمن منظومة معقدة من الدعاية الموجهة وهندسة الرأي العام تديرها دولة الأمن القومي الأمريكي.
فرغم تقديم هذه الأعمال للجمهور كأفلام ترفيهية خيالية، فإن الوثائق الرسمية تكشف عن يد خفية لوزارة الحرب ( البنتاغون) ووكالة المخابرات المركزية ( سي آي إيه) تعيد كتابة النصوص السينمائية وتفرض رقابة صارمة لتوجيه السردية السياسية والعسكرية وحماية مصالح الإمبراطورية.
وتنطلق هذه الآلية المنهجية -وفق فيلم "مسارح الحرب" ضمن سلسلة أفلام مرخصة- من حاجة منتجي الأفلام إلى "لعب باهظة الثمن" لا تملكها سوى المؤسسة العسكرية، مثل حاملات الطائرات، والغواصات، والطائرات المقاتلة مثل "إف 14″ و" إف 22" و" إف 35".
لكن هذا الدعم اللوجستي لا يقدم مجانا، بل يشترط البنتاغون الحصول على النص السينمائي الكامل والمبكر لفحصه بدقة وفهم السياق الأوسع.
وإذا رفض صانع الفيلم الانصياع لملاحظات الحذف والتعديل، يغادر الجيش ويأخذ عتاده، مما يعني إلغاء المشروع أو تعطل إنتاجه تماما، وهو ما واجهته قائمة طويلة من أفلام الثمانينيات والتسعينيات التي سُجلت داخليا كـ"معوقات عرض" وصدرت بحقها قرارات رفض صريحة.
وتاريخيا، شكل فيلم "توب غان" (1986) أداة حقيقية لترميم صورة الجيش التي شوهتها تقارير "التوحش والهمجية" إبان حرب فيتنام.
ومع توسع توجيهات البنتاغون عام 1988، انتقل الهدف من مجرد تعزيز "دقة المعلومات" الفنية إلى الترويج لـ"الإدراك العام"، مما يتيح تقديم المؤسسة العسكرية في صورة إيجابية تجارية تطمس الدلالات السلبية للدعاية الفجة، وتدفع المشاهدين لالتزام مقاعدهم طوعا لمتابعة إعلان مدته ساعتان.
ويكشف المسار الورقي والوثائق الرسمية المنقحة أن مقص الرقابة العسكرية يتحرك فورا لشطب الجوانب المظلمة، ففي قضايا الصحة العقلية، رُفض فيلم "منزل الشجعان" بسبب تسليطه الضوء على الانتحار، والاكتئاب، والعنف المنزلي بين قدامى المحاربين.
وفي ملف العنصرية المؤسسية، عُدّل فيلم "طيارو توسكيجي" لتحميل تهمة التعصب لسيناتور فاسد بدلا من الجنرال، مع حذف مشهد عراك عنصري لإظهار أن العرق ليس عاملا رئيسيا في القوات المسلحة.
أما التحرش والاعتداء الجنسي، فيتم التعامل معهما كمشكلة علاقات عامة، حيث رُفض فيلم "جي آي جين" لتصويره إفلات ضابط متحرش من العقاب، وتحرك مكتب الترفيه بذعر لتعديل نص حلقة من مسلسل "إن سي آي إس" خلال 24 ساعة لمحو شبهة "ثقافة الاغتصاب" المؤسسية، والتغطية على تداعيات فضيحة "تيلهوك" الشهيرة عام 1991.
وامتد هذا الحظر الصارم لجرائم الحرب والقصص الناقدة، إذ واجه المخرج أوليفر ستون معارك شاقة ورُفضت أعماله مثل "بلاتون" و"ولد في الرابع من يوليو/تموز" لسنوات لأنها نقلت واقعا شهده بنفسه يضم قتل واغتصاب القرويين الفيتناميين وإعدام السجناء بدم بارد.
وبالمثل، رُفض فيلم "جارهيد" لإظهاره مشاة بحرية متحمسين للقتل والانتحار، وحُظر فيلم "التدابير المضادة" لمنع تذكير الناس بفضائح بيع الأسلحة وتجارة الهيروين في قضية "إيران كونترا" ( إيران غيت).
ولا تقتصر الوظيفة على إخفاء العيوب، بل تشمل الترويج لتحديث الأسلحة وتبرير ميزانياتها التريليونية عبر قنوات عالمية وأفلام شهيرة مثل "المتحولون" و"الرجل الحديدي"، حيث شُطب السيناريو الأصلي الذي يظهر توني ستارك محاربا لمافيا تصنيع السلاح، ليتحول إلى وارث فخور يدير تجارة والده التسليحية في أفغانستان.
ويتجلى التزييف التاريخي الصادم في مسلسل "الطريق الطويل للوطن" (2017) حول كمين مدينة الصدر في العاصمة العراقية بغداد عام 2004، إذ وافق الجيش على أدق تفاصيل الإنتاج ليحور الحقيقة.
وفي وقت يذكر فيه الكتاب الأصلي إخفاق القيادة العسكرية في توقع الانتفاضة وإرسالها الجنود في شاحنات غير مدرعة، صوّر المسلسل قائد الكتيبة "غاري فوليسكي" كبطل شجاع يتقدم القوافل (وهو ما لم يفعله واقعا)، وتمت إزاحة الكابتن "لويس" وجعله كبش فداء.
والأنكى من ذلك، هو تشويه صورة الجندي المشلول والناشط البارز ضد حرب العراق توماس يونغ، حيث أظهره المسلسل كجبان مثير للشفقة مدفوع بمرارة الإصابة فقط، مع حذف خطاباته السلمية تماماً وطمس واقعة انتحاره لاحقا.
الفيلم يكشف كيف تبرر الرقابة الممنهجة مآسي وحروبا كارثية حصدت أرواح الملايين تحت غطاء الترفيه والتسلية (الجزيرة)وتنتج هذه الرقابة الممنهجة وعيا مشوها يسلب الشعوب المستهدفة (كالعراقيين، والإيرانيين، والصينيين) إنسانيتها، ويبرر مآسي وحروبا كارثية حصدت أرواح الملايين تحت غطاء الترفيه والتسلية.
وعند محاولة تقصي الحقائق بموجب قانون حرية المعلومات، يلتف البنتاغون خلف ذرائع "الأسرار التجارية" أو يرسل صفحات فارغة منقحة بالكامل.
وخلص الفيلم إلى أن مقتضيات الوعي النقدي تتطلب إلزام هذه الأجهزة قانونيا بإعلان تدخلها في بداية الأعمال السينمائية بشكل واضح، ليكون المشاهد على دراية تامة بطبيعة ما يستهلكه، إذ من حق الجمهور يقينا أن يعرف متى يشاهد فيلما ترفيهيا خالصا، ومتى يخضع لدعاية عسكرية ناعمة صيغت بعناية داخل مكاتب الدولة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة