في عالم تتسارع فيه الحروب وتتراجع فيه الدبلوماسية، يعود سؤال قديم إلى الواجهة: كيف نجح العالم، رغم كل تناقضاته، في تجنب حرب عالمية ثالثة طوال 8 عقود؟
وفي مقاله المنشور بمجلة "فورين أفيرز" الأمريكية، يقدم المؤرخ والمحلل السياسي ثانت مينت يو قراءة تاريخية وسياسية لما يصفه بـ"انهيار الركيزتين اللتين قام عليهما السلام العالمي الحديث"، وهما رفض الحروب العدوانية، ورفض عودة الإمبراطوريات.
ويرى الكاتب أن السلام النسبي الذي عرفه العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن ثمرة ما يُعرف بالنظام الدولي الليبرالي الذي قادته الولايات المتحدة بعد الحرب الباردة، بل نتيجة قناعة أخلاقية وسياسية تشكّلت بعد كوارث القرن العشرين.
ووفقا له، فإن الحروب التوسعية لم تعد مقبولة، وأن زمن الاستعمار والإمبراطوريات يجب أن ينتهي. وقد تجسدت هاتان الفكرتان -بحسب المقال- في ميثاق الأمم المتحدة الذي وُقّع في سان فرانسيسكو عام 1945.
وفي نظر مينت يو -الذي يعمل باحثا في مؤسسة الأمم المتحدة، وهي منظمة خيرية مستقلة مقرها في واشنطن- أن ذلك الميثاق لم يكن نتاج مصادفة، بل جسّد قناعتين ثوريتين وُلِدت أولاهما من رماد حربين عالميتين أودتا بحياة 100 مليون إنسان، وتكرست ثانيهما عبر نضال شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية من أجل تقرير المصير.
وتابع الكاتب قائلا إن العالم تجنب، منذ إبرام ميثاق الأمم المتحدة، مواجهات مباشرة بين القوى الكبرى، كما شهد تفكيك الإمبراطوريات الأوروبية وظهور ما يقرب من 200 دولة مستقلة.
وأضاف أن هذه التحولات مهّدت لتحسن غير مسبوق في حياة مليارات البشر وفترة من السلام والازدهار، لكنه استدرك أن هذا "السلام الطويل" -على حد تعبيره- ينهار اليوم بسرعة.
ويستشهد المقال بتوسع الحروب الأهلية والدولية، وعودة الحروب العدوانية، وتصاعد سباقات التسلح النووي، وانهيار اتفاقات الحد من الأسلحة، إلى جانب ما يصفه الكاتب بـ"الغياب شبه الكامل للدبلوماسية الحقيقية" في أزمات مثل أوكرانيا وفلسطين والسودان وإيران.
ويقول إن "الأعمدة التي يستند إليها السلام الطويل تتصدع بسرعة"، محذرا من أن العالم يدخل مرحلة أكثر خطورة واضطرابا.
وينتقد المؤرخ الدولي في مقاله الأطروحة الشائعة التي تعزو الأزمة الحالية إلى انهيار "النظام الدولي القائم على القواعد"، وهو الترتيب الذي أعقب الحرب الباردة وارتبط بالهيمنة العسكرية والمالية الأمريكية.
ويعتبر أن هذا التشخيص يخلط بين النظام الليبرالي الأمريكي وبين الأسس الأخلاقية الأعمق التي حفظت السلام لعقود. كما يذهب إلى أن النظام الذي تشكّل بعد الحرب الباردة ساهم، في بعض جوانبه، في إضعاف القناعتين الأساسيتين اللتين منعتا عودة الحروب والإمبراطوريات.
ويحمّل المقال جزءا كبيرا من المسؤولية لتآكل الذاكرة الجمعية المتعلقة بمآسي الحرب والاستعمار، ولتراجع الدور الأخلاقي والسياسي الذي لعبته الأمم المتحدة في عقودها الأولى.
ويرى الكاتب أن الأزمة الحالية ليست فقط أزمة مؤسسات، بقدر ما هي أيضا "أزمة خيال سياسي" جعلت العالم ينسى كيف نجحت الدبلوماسية الدولية سابقا في احتواء أخطر النزاعات.
ويعيد المقال التذكير بمرحلة ذهبية من تاريخ المنظمة الدولية، وتحديدا بين عامي 1955 و1990، وهي الحقبة التي تشبه إلى حد كبير العالم متعدد الأقطاب الناشئ اليوم، حيث لا تستطيع قوة بمفردها صياغة السياسة الدولية وفقا لمصالحها الذاتية.
وفي تلك المرحلة، تميزت الأمم المتحدة بقدرتها الفائقة على ابتكار "مسارات خروج آمنة" للقوى المتنازعة عندما تصل إلى حافة الإنهاك أو تخشى التصعيد المتبادل.
ويضرب الكاتب هنا مثالا بالأمين العام السويدي الأسبق للمنظمة الدولية داغ همرشولد، الذي لعب دورا في نشر أول قوة حفظ سلام تابعة للأمم المتحدة خلال أزمة السويس عام 1956، أتاح مخرجا يحفظ ماء الوجه لفرنسا وإسرائيل وبريطانيا بعد غزوها لمصر، مما جعل حظر الحروب العدوانية واقعا ملموسا.
كما يسلط الضوء على الدور المحوري لكتلة الدول حديثة الاستقلال في آسيا وأفريقيا، مثل غانا والهند وإندونيسيا، والتي تعاونت مع دول محايدة مثل السويد ويوغوسلافيا لتحويل الأمم المتحدة إلى مؤسسة عالمية شاملة.
وقال إن هذه الدول فعَّلت الراديكالية الكامنة في لغة الميثاق التأسيسي، وتوجت جهودها بصدور الإعلان التاريخي لمنح الاستقلال للدول والشعوب المستعمرة عام 1960.
على أن مفهوم السيادة لدى تلك الدول لم يقتصر -برأيه- على إنزال علم أوروبي ورفع علم وطني، بل امتد ليشمل التحرر الحقيقي من التدخل السياسي والسيطرة الاقتصادية الخارجية، وهو ما تجسد في مطالب إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي عبر إعلان النظام الاقتصادي الدولي الجديد عام 1974.
ويتوقف مينت يو في مقاله طويلا عند تجربة جده يو ثانت، الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة البورمي الجنسية، الذي لعب دورا حاسما خلال أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
وأشار إلى أن الرئيس الأمريكي آنذاك جون كينيدي رفض دعوات بعض مساعديه للتصعيد العسكري بحجة ضرورة منح "دبلوماسية يو ثانت" فرصة للعمل.
واعتبر الكاتب أن الأمم المتحدة نجحت حينذاك في منح كينيدي والزعيم السوفيتي نيكيتا خروشوف والرئيس الكوبي فيديل كاسترو "المساحة الزمنية والسياسية اللازمة للتراجع عن حافة المحرقة النووية".
وتكرر هذا النجاح في حرب عام 1965 بين الهند وباكستان حول كشمير، وصياغة صيغة لوقف إطلاق النار فور نفاذ الخيارات الميدانية للطرفين.
ولم تقتصر أدوار الأمم المتحدة على الوساطة السياسية، بل امتدت إلى المواجهات العسكرية المباشرة لحماية السيادة وتفكيك الاستعمار، كما حدث في الكونغو في أوائل عام 1963، عندما قاد يو ثانت قوات أممية متعددة الجنسيات لهزيمة النظام الانفصالي المدعوم من القوى الاستعمارية السابقة في إقليم كاتانغا الغني بالمعادن.
غير أن هذه المواقف الصارمة ضد الإمبراطوريات والحروب العدوانية أثارت حفيظة واشنطن، خاصة بعد معارضة يو ثانت لحرب فيتنام واعتبارها حربا من أجل تقرير المصير لا مجرد حلقة في الصراع ضد الشيوعية، ومطالبته بانسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي المحتلة بعد عام 1967، وهو ما غرس بذور العداء الغربي اللاحق للمنظمة الدولية، حسب تعبير المقال.
وبرأي الكاتب أن غزو العراق عام 2003 شكّل ضربة قاصمة لمبدأ رفض الحروب العدوانية، بينما جاء الغزو الروسي لأوكرانيا ليكشف أن "القناعتين التوأمين كانتا قد بدأتا بالفعل في الانهيار".
ودعا المؤرخ والمحلل السياسي في مقاله إلى إعادة إحياء المبادئ الأصلية التي قامت عليها الأمم المتحدة، معتبرا أن إصلاح المؤسسات وحده غير كافٍ إلا إذا استعادت الحكومات والشعوب إيمانها بفكرة عالم "بلا حرب وبلا إمبراطورية".
وختم بتحذير لافت مفاده أن العالم بات يفضّل "قصص الأبطال والأشرار" على قصص التسوية والوساطة، رغم أن الأخيرة هي التي أنقذت البشرية مرارا من الانزلاق إلى الكارثة.
ويرى أن الرغبة في عالم خالٍ من الحروب والإمبراطوريات لا تزال موجودة لدى الشعوب، لكنها تحتاج إلى قيادة سياسية جديدة تعيد تحويلها إلى مشروع عالمي قابل للحياة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة