باتت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية على إيران تشبه بصورة متزايدة تجربة الولايات المتحدة الكارثية في فيتنام، وفق المحلل السياسي الأمريكي جدعون روز الذي يوضح أن التشابه بين الأزمتين لا يتعلق بالجغرافيا أو الأيديولوجيا، بل بالبنية الإستراتيجية للحربين وطريقة تصرف القادة الأمريكيين تحت الضغط.
وفي مقال بمجلة فورين أفيرز، يرى روز، وهو خبير في مجلس العلاقات الخارجية -مركز بحثي بنيويورك- وعمل سابقاً في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون، أن إدارة الرئيس دونالد ترمب اجتازت خلال شهرين فقط "المراحل الخمس التي مرت بها إدارة ليندون جونسون في فيتنام"، وهي: التدخل، التصعيد، الجمود العسكري، ثم الانتقال إلى المفاوضات.
وبرأي الكاتب، فإن واشنطن دخلت الآن مرحلة تشبه عهد الرئيس ريتشارد نيكسون، إذ إنها تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه من حرب مكلفة فشلت في تحقيق أهدافها السياسية الحاسمة.
ويستعيد الكاتب تجربة الرئيس جونسون في ستينيات القرن الماضي، حين عمّق التدخل الأمريكي في فيتنام خوفاً من سقوط الجنوب (سايغون) بيد الشيوعيين. ورغم شكوك الإدارة الأمريكية في إمكانية الانتصار، اعتقدت أن زيادة الضغط العسكري ستجبر هانوي (فيتنام الشمالية) على التراجع.
وهكذا بدأت واشنطن بإرسال المساعدات والمستشارين، ثم لجأت إلى القصف، وأخيراً إلى نشر قوات برية ضخمة. لكن فيتنام الشمالية رفضت التخلي عن أهدافها رغم التفوق العسكري الأمريكي الساحق.
بحلول عام 1968، أصبحت حرب فيتنام عبئاً سياسياً واقتصادياً هائلاً على الولايات المتحدة، مع تصاعد الاحتجاجات الداخلية وارتفاع الخسائر البشرية، ما دفع إدارة جونسون إلى البحث عن مخرج وتسليم الأزمة إلى الرئيس نيكسون.
ويرى روز أن الحرب الحالية على إيران تسير في المسار نفسه تقريباً. فبعد الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي استهدفت البرنامج النووي الإيراني عام 2025، خشيت واشنطن من أن تعيد طهران بناء قدراتها العسكرية وتواصل مشروعها النووي.
لذلك وافق ترامب على خطة إسرائيلية تقوم على "ضربة قاصمة" لإسقاط النظام الإيراني بالكامل. وفي فبراير/شباط 2026 شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجوماً مشتركاً أدى إلى مقتل عدد من كبار القادة الإيرانيين، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي.
لكن الكاتب يؤكد أن الإستراتيجية فشلت في تحقيق هدفها الأساسي، إذ استمر النظام الإيراني في العمل بقيادة مجتبى خامنئي، بينما ردّت طهران عبر تعطيل الملاحة في الخليج وإشعال أزمة طاقة عالمية من خلال تقييد المرور في مضيق هرمز.
ويقول روز إن الرئيس ترامب انتقل بعد ذلك من إستراتيجية التصعيد على طريقة جونسون إلى سياسة الضغط والتهديد المشابهة لما عُرف في عهد نيكسون بـ" نظرية الرجل المجنون". فقد حاول نيكسون ووزير خارجيته هنري كيسنجر إخافة فيتنام الشمالية عبر التهديدات والتصعيد العسكري، على أمل أن تستسلم هانوي. لكن الخطة فشلت لأن الفيتناميين اعتقدوا أنهم قادرون على استنزاف الولايات المتحدة سياسياً ونفسياً.
وبحسب روز، تتصرف إيران اليوم بالطريقة نفسها؛ إذ لم تنجح التهديدات الأمريكية ولا المفاوضات غير المباشرة التي ترعاها باكستان في انتزاع تنازلات حاسمة من طهران، التي تراهن على الصمود وإطالة أمد الصراع حتى تتراجع واشنطن.
ويتوقع الكاتب أن تنتهي الحرب بتسوية تشبه اتفاق باريس عام 1973 الذي أنهى التدخل الأمريكي المباشر في فيتنام، أي اتفاق يوقف القتال ويعيد فتح طرق التجارة البحرية، لكنه يؤجل القضايا الجوهرية المتعلقة بمستقبل البرنامج النووي الإيراني والنظام الإيراني نفسه.
ويخلص روز إلى أن تجربة إيران تكشف مرة أخرى نمطاً أمريكياً متكرراً يتمثل في الاعتقاد بأن التفوق العسكري قادر بسهولة على تحقيق تحولات سياسية كبرى، قبل أن تتحول الحروب إلى صراعات استنزاف طويلة تنتهي بالمفاوضات والانسحاب دون تحقيق الأهداف الأصلية للحرب.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة