في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تواجه العلاقات الأوروبية الأمريكية مرحلة من التوتر غير المسبوق، مع تصاعد الخلافات السياسية والعسكرية بين ضفتي الأطلسي، في وقت تتزايد فيه الدعوات داخل أوروبا لإعادة النظر في الاعتماد الإستراتيجي على الولايات المتحدة وبناء مقاربة أمنية أكثر استقلالا.
وفي هذا السياق، قال أيمن الزبير في تقرير أعده للجزيرة إن ألمانيا، التي تشكل إحدى أبرز ركائز التحالف الغربي مع واشنطن منذ الحرب الباردة، باتت تواجه تحديات جديدة تهز متانة هذا الارتباط التاريخي، خاصة مع اتساع هوة الخلافات حول ملفات التجارة وإيران وغرينلاند.
واتخذت واشنطن في الفترة الأخيرة خطوات أثارت قلقا واسعا في أوروبا، من بينها سحب آلاف الجنود الأمريكيين من قواعدهم في ألمانيا وتعليق نشر صواريخ " توماهوك"، في تحركات اعتبرها مراقبون مؤشرا على تغير أولويات الإدارة الأمريكية تجاه القارة الأوروبية.
وفي هذا السياق، قال عضو لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الألماني رالف شتنغر إن العلاقات الألمانية الأمريكية "تمر بقدر كبير من التأرجح"، معتبرا أن ذلك يرتبط بـ"السياسة المتقلبة للإدارة الأمريكية".
وحسب شتنغر، فإن بلاده لا تزال ترى أهمية الحفاظ على العلاقات عبر الأطلسي، مؤكدا أن "العلاقة مع الولايات المتحدة يجب أن تبقى معقولة وسليمة" رغم التباينات الحالية.
وأشار التقرير إلى أن الموقف الألماني لا يعكس بالضرورة توجها أوروبيا موحدا، إذ بدأت دول أخرى، وعلى رأسها إسبانيا، تتبنى سياسات أكثر استقلالية تجاه واشنطن.
وفي هذا السياق، اتخذت مدريد خطوات وُصفت بأنها غير مسبوقة، من بينها منع استخدام المجال الجوي الإسباني وبعض القواعد العسكرية الأمريكية جنوب البلاد في العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران.
وفي برشلونة، عقد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز لقاءات مع ممثلين لدول تواجه صعود التيارات الشعبوية، في وقت تنظر فيه إسبانيا إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب باعتباره أحد أبرز رموز التحولات السياسية العالمية التي تدفع أوروبا إلى البحث عن بدائل إستراتيجية.
ونقل التقرير عن المفوض السابق للسياسات الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل قوله إن تصريحات ترمب بشأن حلف شمال الأطلسي تثير "قلقا كبيرا" داخل أوروبا، خاصة بعد حديثه عن أن " الناتو نمر من ورق" وإشارته إلى احتمال الانسحاب من الحلف.
ووفق المسؤول الأوروبي السابق، فإن الحلف تأسس أساسا لمواجهة الاتحاد السوفياتي سابقا وروسيا حاليا، معتبرا أن أي تشكيك أمريكي في الالتزام بالدفاع عن الحلفاء الأوروبيين يبدو "هدية لروسيا"، ويدفع الأوروبيين للتفكير بجدية أكبر في تحمل مسؤولياتهم الأمنية.
ولم تعد الدعوات الأوروبية للاستقلال الإستراتيجي مقتصرة على إسبانيا، بل تجد صدى متزايدا في عدة عواصم أوروبية تسعى إلى إعادة تعريف موقع القارة في النظام الدولي.
فقد دافعت فرنسا كثيرا عن فكرة "الاستقلال الإستراتيجي الأوروبي"، داعية إلى بناء جيش أوروبي موحد يمنح القارة قدرة أكبر على اتخاذ قراراتها الأمنية بعيدا عن المظلة الأمريكية.
ونقل التقرير عن الناطق باسم وزارة الخارجية الفرنسية باسكال كونفافرو قوله إن هناك "اتجاها عاما داخل الولايات المتحدة" نحو تقليص التركيز على أوروبا والتوجه نحو مناطق أخرى من العالم، مضيفا أن الدول الأوروبية باتت مطالبة بتحمل مسؤوليات أكبر داخل الناتو.
ورغم ذلك، لا يزال التوافق الأوروبي حول هذا التوجه بعيدا، في ظل تباين مواقف الدول الأوروبية حيال السياسة الخارجية والعلاقات مع واشنطن.
وقال نائب مدير المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية والإستراتيجية ديديي بيليون إن بعض الدول الأوروبية تتنافس لكسب ود ترمب، معتبرا أن ذلك "سذاجة سياسية" لأن الرئيس الأمريكي "لا يفهم سوى منطق موازين القوى الخشنة".
وأضاف بيليون أن أوروبا إذا لم تتمكن من فرض توازن قوى حقيقي مع الولايات المتحدة فإنها ستكون "الخاسر سياسيا واقتصاديا وحتى أيديولوجيا".
وفي ضوء ذلك، تعيش القارة الأوروبية حاليا ما وصفه أيمن الزبير بـ"لحظة قلق وجودي"، في ظل تصدع غير مسبوق في العلاقة مع الحليف الأمريكي الذي شكل لعقود الضامن الرئيسي لأمن أوروبا واستقرارها.
المصدر:
الجزيرة