آخر الأخبار

مجازر البيضا وراس النبع.. حين ذبح أطفال الساحل السوري في أحضان أمهاتهم

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

سلسلة مجازر مروعة ارتكبتها قوات نظام الأسد ومليشيات طائفية مساندة له في قرية البيضا وحي راس النبع في مدينة بانياس السورية الساحلية يومي 2 و3 مايو/أيار 2013، راح ضحيتها المئات من الأطفال والنساء والرجال، وأبيدت فيها عائلات بأكملها، ووثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 459 مدنيا فيها، ووصفتها بـ"التطهير الطائفي"، في حين أكد ناجون أن العدد الفعلي أكثر من ذلك.

تنسب المسؤولية الأولى عن هذه المجازر إلى القائد في ما يعرف بقوات الدفاع الوطني المساندة للأسد معراج أورال (علي كيالي)، ومنها اكتسب لقبه الأشهر "جزار بانياس"، وذلك لدوره في التحريض عليها والمشاركة فيها، وفق ما كشفت تسجيلات لحديث له بين أنصاره.

وقرية البيضا تتبع إداريا مدينة بانياس شمال محافظة طرطوس، وتطل على ساحل البحر الأبيض المتوسط، وكانت من المناطق المنتفضة في بدايات الثورة السورية منذ يومها الأول، وكذلك حي راس النبع الواقع عند الأوتوستراد الدولي في مدينة بانياس، وتسكنهما الأكثرية السنية.

دوافع المرتكبين

تتعدد الروايات بشأن الدوافع التي قادت مرتكبي مجازر بانياس، فتذكر إحداها أن دورية أمنية اشتبكت مع إحدى مجموعات الثوار في المدينة، مما أسفر عن سقوط قتلى من الطرفين، وهو ما دفع أنصار النظام للتوجه نحو المدنيين والانتقام منهم. بينما تذكر رواية أخرى أن كمينا لمجموعة من الثوار استهدف دورية أمنية، فانتقم النظام من أهل المدينة.

لكن تسجيلات بثّت عقب المجزرة، أظهر المتهم بالمسؤولية الأولى عنها معراج أورال -القائد في ما يعرف بقوات الدفاع الوطني المساندة للأسد- يتحدث عن ضرورة "تطويق والبدء بتطهير" بانياس، لمنع فصائل الثوار من أن يكون لهم منفذ إلى البحر، وهو ما عزز الرأي القائل إن المجازر كانت جزءا من حملة مخطط لها مسبقا، لمنع أي تحرك من المدينة ضد نظام الأسد.

مجزرة البيضا

في 2 مايو/أيار 2013، بدأت قوات نظام الأسد عمليتها بقصف قرية البيضا بريف بانياس، وامتدّ القصف لساعات، ثم عند نحو الساعة الواحدة ظهرا، انفتحت القرية على اقتحام واسع شاركت فيه قوات الدفاع الوطني، ومليشيا "الجبهة الشعبية لتحرير الإسكندرون" بقيادة معراج أورال، إلى جانب مسلحين من قرى علوية مجاورة وعناصر من حزب الله، لتتحول الأزقة الضيقة في القرية إلى مسارات مغلقة لا مهرب منها.

إعلان

وبحسب شهادات ناجين من المجزرة، لم يكن الاقتحام لحظة عابرة، بل حصارا أحكم قبضته على المكان، تلاه تمشيط بدأ من الحارة الجنوبية، وامتد ببطء حتى وصل إلى ساحة البلدة.

داخل القرية، أخليت البيوت من ساكنيها، وجمع الرجال والنساء والأطفال وبينهم رضع في مجموعات متفرقة، ثم بدأت فصول القتل تتوالى بوسائل متعددة: إعدامات ميدانية، وذبح بالسكاكين والسواطير، وتقطيع وتشويه للأجساد، وضرب بالحجارة حتى الموت، قبل أن تُكدّس الجثث وتُحرق في مواقع متفرقة، وقد رويت قصص عن حرق أحياء أيضا.

عائلات كاملة، برجالها ونسائها وأطفالها، أبيدت في مكانها. وفي بعض البيوت، فُصل الرجال عن النساء، وسُحبوا إلى أماكن احتجاز مؤقتة عذّبوا فيها قبل إعدامهم.

وفي أكثر من نقطة، ظهرت تجمعات لجثثٍ أُحرقت أو جُمعت ثم طُمست بالنار. وفي إحدى الوقائع التي وثقتها هيومن رايتس ووتش استنادا إلى شهادات ومقاطع مصورة، جرى تكديس ما لا يقل عن 25 جثة داخل أحد متاجر الهواتف في ساحة البلدة، قبل أن يُشعل فيها النار.

وفي اليوم التالي، 3 مايو/أيار 2013، عاد القصف المدفعي والصاروخي ليضرب القرية قرابة الساعة العاشرة صباحا، فاندفع العشرات من الأهالي نحو البساتين في محاولة للنجاة، وسط طرقات لم تعد آمنة حتى للهرب، ثم اقتحمت القرية مرة أخرى من محاور متعددة، من بينها جبل العجمة ومحور قرية المراح، لتستمر عمليات القتل حتى ساعات الظهيرة، بين إعدامات ميدانية وذبح بالسكاكين، في امتداد مباشر لما بدأ في اليوم السابق.

وكان البعد الطائفي حاضرا في المجزرة، فقد نقلت الروايات أن التعليمات الميدانية كانت واضحة باستهداف أبناء الطائفة السنية، كما شارك أبناء قرى علوية مجاورة مع قوات النظام فيها، واقتيد بعض عائلات قرية البيضا إلى قرى مجاورة قتلوا فيها، أو ضربوا وأهينوا قبل أن يفرج عنهم.

وتشير شهادات الناجين إلى أن بعض السكان لم يُقتلوا في البيضا، بل اعتقلوا ونقلوا إلى قرية الزوبة، مع أنباء عن حوادث حرق هناك، كما أن بعض العائلات اقتيدت إلى قرية كوكب، حيث تعرّضت للضرب والإهانة، قبل أن يُفرج عن النساء والأطفال فقط، ويعودوا سيرا على الأقدام إلى مناطقهم.

وفُرض حصار على قرى مجاورة، من بينها المرقب والبساتين، تخللته حملات اعتقال طالت عشرات الأشخاص.

وامتدت العمليات إلى خارج قرية البيضا، حيث لاحقت قوات النظام والمليشيات المآزرة له الأهالي الذين فرّوا نحو المناطق الزراعية والبلدات المجاورة. وشملت هذه التحركات مناطق وطا البيضا وسهم البحر، مع ورود تقارير عن عمليات إعدام في تلك المواقع، دون توفر شهادات مباشرة تؤكد تفاصيلها الميدانية.

ورافقت المجازر عمليات نهب واعتقال على مدى اليومين، حيث كانت الشاحنات تنقل من منازل القرية أثاثا ومعدات كهربائية، باتجاه بلدات مجاورة.

وبعد انتهاء العمليات، بقيت القرية على حال من الصمت الثقيل: جثث في الطرقات وداخل البيوت، ومنازل ومركبات محترقة أو محطمة، كأن المكان نفسه خرج من الحدث ولم يعد كما كان.

وفي الحصيلة، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 264 من أهالي البلدة، جميعهم من المدنيين الموثقين بالاسم والصورة، من بينهم 36 طفلا و28 سيدة، فضلا عن عشرات المفقودين والمعتقلين، في ظل صعوبة الوصول إلى حصيلة نهائية دقيقة.

مجزرة راس النبع

وجاءت في سياق مجزرة قرية البيضا نفسه، متأثرة بالدوافع نفسها، وامتدادا لما حدث فيها.

إعلان

فعندما وصلت إلى أهالي حي راس النبع -وكذلك مدينة بانياس عموما- أنباء ما جرى في البيضا، وأنه مدفوع برغبة انتقامية لدى نظام الأسد والمليشيا الطائفية المؤيدة له، تهدف لإبادة معارضيه في المدينة، اندفع عدد كبير من السكان للنزوح من بيوتهم ومحاولة مغادرة المنطقة عاجلا. وعند محاولتهم عبور الجسر الذي يربط حيّهم بباقي مدينة بانياس، أوقفتهم قوات متمركزة على حاجز فوقه، وفصلت النساء والأطفال وكبار السن عن الرجال، وأُمروا بالعودة إلى الحي، بينما اعتقلت الرجال وعذّبتهم قبل أن تعيدهم إلى الحي. غير أن عددا من السكان تمكنوا من مغادرة الحي فجرا عبر طريق الأوتوستراد الدولي.

وفي يوم 3 مايو/أيار 2013، تكرر في حي راس النبع بمدينة بانياس ما كان قد حصل وما زال مستمرا في قرية البيضا، لتتكرر أنماط القتل ذاتها بإطلاق النار والذبح بالسكاكين والحرق.

فقرابة الساعة 2:30 ظهرا، طوّقت قوات النظام والمليشيات الطائفية المرافقة له حي راس النبع في بانياس، وانتشرت الدبابات، قبل أن يشهد قصفا مدفعيا مكثفا باستخدام مدفعية ثقيلة نُصبت في محيطه، أسفل جسر راس النبع وعند جسر حي القوز. واستمر القصف قرابة الساعة، مستهدفا منازل المدنيين داخل الحي بشكل مباشر.

مصدر الصورة عائلات بأكملها أبيدت في المجازر (الفرنسية)

ومع توقف القصف، بدأ اقتحام الحي بقوات قُدّر عددها بنحو ألف عنصر، فمشّطته بيتا بيتا، وقتلت سكان بعض البيوت كاملين، وأحرقت منازلهم عليهم، وأخرجت من بعض البيوت أهلها، فجمعت الرجال والشباب في ساحة في الحي قبل أن تقتلهم هناك، بالرصاص أو ذبحا بالسكاكين، حتى أبيدت عائلات بأكملها، أو لم يبق منها إلا من كان خارج الحي.

وشملت عمليات القتل الجرحى أيضا، وتركت الجثث في الساحة والطرق وداخل البيوت المحترقة، فضلا عن التمثيل بها، ومُنعت الفرق الطبية والمسعفون من دخول الحي، وسط انتشار قناصة في محيطه لمنع أي محاولة إنقاذ. وترافقت مع المجازر عمليات نهب للمنازل وسرقة لممتلكاتها وأثاثها، قبل أن تُحرق منازل عدة في المنطقة.

وعمّت حالة من فوضى الكارثة الحي، فهام من تركهم المجرمون على وجوههم هربا من الجزارين، ولجؤوا عشوائيا إلى مناطق مجاورة، حتى تفرّقت العائلات ولم تتمكن من جمع شمل من بقي منها إلا بعد أسابيع من المجزرة.

وتشير التقديرات إلى مقتل ما لا يقل عن 195 إنسانا من أهالي حي راس النبع ببانياس، من بينهم 56 طفلا و43 سيدة، بينما يؤكد الأهالي أن الأعداد أكثر من ذلك.

وبعد انتهاء العمليات، بدأ من وصل إلى الحي من الأهالي بجمع جثث ذويهم وجيرانهم ودفنها في مقابر جماعية.

وسادت حالة من الخوف الأحياء والقرى السنية في بانياس، وترافق ذلك مع اعتقال 65 شخصا من قرية البساتين، جرى اقتيادهم إلى جهة مجهولة، دون توفر معلومات عن مصيرهم حتى الآن. و شهدت المنطقة موجة نزوح واسعة باتجاه مناطق مجاورة، من بينها مدينة جبلة ومحافظة طرطوس، إضافة إلى قرى ومناطق ريفية أخرى، كما سُجلت لاحقا حملة اعتقالات جديدة طالت عائلات عادت إلى القرية أو إلى حي راس النبع في بانياس.

وفي 5 مايو/أيار، تجدد القصف بشكل محدود على أطراف حي راس النبع، ثم باشرت فرق حكومية إزالة آثار الدمار ومحاولة طمسها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا