في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تعقد محكمة الجنايات في دمشق، اليوم الأحد، جلسة علنية لمحاكمة رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا عاطف نجيب، في أول محاكمة تعلنها الحكومة السورية ضمن مسار محاسبة مسؤولي نظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وتمثل محاكمة نجيب أول اختبار علني لمطلب العدالة الانتقالية في سوريا؛ فمنذ سقوط النظام في الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، يطالب السوريون بتحويل ملف الانتهاكات الكبيرة، التي تعرضوا لها خلال السنوات الماضية، إلى مسار قضائي واضح، يعيد حقوقهم ويحاسب المجرمين ويمنع الإفلات من العقاب، في ظل بناء سوريا الجديدة.
وأعلنت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن المحاكمة تأتي في إطار معالجة ملفات الجرائم والانتهاكات الجسيمة وفق الأصول القانونية، بما يمثل جزءا من مسار مستمر قائم على المحاسبة وكشف الحقيقة.
تولى عاطف نجيب -وهو ابن خالة بشار الأسد- رئاسة فرع الأمن السياسي في درعا حتى اندلاع الثورة السورية عام 2011.
وعمل الفرع، في تلك الفترة، ضمن الجهاز الأمني الذي تولى ملاحقة المعارضين والناشطين في المحافظة، وكان له دور مباشر في التعامل مع حادثة اعتقال أطفال درعا الذين تعرضوا للتعذيب بعد كتابتهم شعارات مناهضة لنظام الأسد على جدران مدرستهم.
وقد أطلقت تلك الحادثة احتجاجات واسعة في المدينة، بعدما طالب الأهالي بالإفراج عن الأطفال ومحاسبة المسؤولين عن توقيفهم وتعذيبهم، لا سيما بعد تسليم قوى الأمن جثة الطفل حمزة الخطيب وتعرض الأهالي للإهانات.
وبعد سقوط النظام، أوقفت قوات إدارة الأمن العام التابعة لوزارة الداخلية السورية نجيب في يناير/كانون الثاني 2025 خلال حملة أمنية لملاحقة فلول النظام السابق في محافظة اللاذقية. وشكّل توقيفه أحد أبرز الاعتقالات التي طالت مسؤولين أمنيين سابقين، كونه شغل موقعا أمنيا حساسا في درعا عند بداية الثورة.
كما قال وزير العدل مظهر الويس إن المحاكمات العلنية ستبدأ من أحداث درعا، معتبرا أن "العدل يقتضي" أن ينطلق مسار المحاكمة من المدينة التي بدأت منها الثورة عام 2011.
وتُعقد محاكمة نجيب وفق قانون أصول المحاكمات الجزائية المعمول به في سوريا، إلى حين إقرار مجلس الشعب، بعد انعقاده، مشروع قانون خاص بالعدالة الانتقالية التي يطالب بها الشعب السوري.
وتشير العدالة الانتقالية إلى مجموعة إجراءات تعتمدها الدول الخارجة من حكم استبدادي أو نزاع واسع لمعالجة إرث الانتهاكات. ولا تقتصر على محاكمة المتهمين، بل تشمل جبر ضرر الضحايا، وضمان عدم تكرار الجرائم.
وفي الحالة السورية، يحدد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني – في مقال له على الجزيرة نت– 4 أركان مترابطة لتشكيل مسار العدالة الانتقالية وهي: المحاسبة الجنائية، وكشف الحقيقة بما يشمل تحديد مصير المفقودين والمختفين قسريا، وجبر الضرر والتعويض، وإصلاح المؤسسات القضائية والأمنية والعسكرية.
وبذلك، تمتد العدالة الانتقالية إلى معالجة أثر الانتهاكات على الضحايا والمجتمع ومؤسسات الدولة.
وحسب حقوقيين وقانونيين، لا يزال ينقص المسار السوري نحو العدالة الانتقالية إطار قانوني واضح يحدد كيفية التعامل مع جرائم النظام السابق.
فالقانون السوري يتيح ملاحقة ومحاسبة مرتكبي جرائم مثل القتل والتعذيب والتورط في انتهاكات محددة، لكنه لا يتضمن بالضرورة أدوات كافية للتعامل مع جرائم واسعة ومنهجية مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
بالتالي، إذا حوكم مسؤولون سابقون وفق قوانين جنائية فقط، فقد تنحصر القضايا في أفعال وعقوبات محدودة، بينما تضيع طبيعة الجرائم التي ارتُكبت ضمن سياسة دولة واسعة ضد المدنيين.
ويدعو حقوقيون سوريون إلى إنشاء محاكم أو دوائر متخصصة، والاستفادة من خبرات قانونية دولية، حتى لا تتحول المحاكمات إلى ملفات منفصلة عن السياق الأكبر للانتهاكات.
وفي مقابلة مع برنامج "ما وراء الخبر"، شرح الأكاديمي والباحث السياسي كمال عبود أن مسار العدالة الانتقالية في سوريا لا يمكن فصله عن السلم الأهلي، باعتبار أن المجتمع السوري مزقته الطائفية التي أسسها النظام المخلوع.
ومن ثم، أي خطوة في مجال العدالة الانتقالية يجب أن تسبقها أيضا خطوة في مجال السلم الأهلي، منعا لانزلاق الأمور نحو اقتتال داخلي أو عدالة انتقامية، وفق عبود.
كما يواجه المسار تحديات كبيرة تتعلق بحجم الملفات، فهناك آلاف العائلات التي تنتظر معرفة مصير المفقودين، ومعتقلون سابقون يحتاجون إلى الاعتراف والإنصاف، ومقابر جماعية تحتاج إلى فرق جنائية متخصصة، وأدلة ووثائق موزعة بين مؤسسات الدولة السابقة والمنظمات الحقوقية.
وكانت الرئاسة السورية أصدرت في مايو/أيار 2025 مرسوما بتشكيل هيئة للعدالة الانتقالية تتولى كشف الحقائق بشأن انتهاكات النظام السابق، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر الواقع على الضحايا، لكنها لا تزال في طور التأسيس وسط الحاجة إلى إمكانات لوجستية ووقت للتعامل مع الملفات المعقدة.
لا يوجد نموذج واحد للعدالة الانتقالية يمكن نقله إلى سوريا كما هو، فقد اعتمدت دول أخرى أدوات مختلفة بحسب طبيعة الانتهاكات وحالة المؤسسات وحجم الانقسام الداخلي، من لجان الحقيقة والمصالحة في جنوب أفريقيا، إلى المحاكم الخاصة في رواندا، والمحاكمات الدولية في البوسنة والهرسك.
وتظهر هذه التجارب أن اختيار أدوات العدالة الانتقالية يرتبط بطبيعة الجريمة وبحالة الدولة بعد النزاع، لا بمجرد بدء المحاكمات.
فسوريا تواجه في الوقت نفسه ملفات المحاسبة، والمفقودين، والضحايا، وإصلاح المؤسسات، ومنع الثأر، مما يعني الحاجة إلى مسار يجمع بين القضاء وكشف الحقيقة وحماية السلم الأهلي.
ولا يقتصر الاختلاف بين التجارب على شكل المؤسسات التي أُنشئت فيها، بل يشمل أيضا نطاق المحاسبة. ففي الجرائم الواسعة، لا تتوقف العدالة عادة عند المنفذين المباشرين، بل تمتد إلى من خططوا وأصدروا الأوامر وأداروا أجهزة الانتهاك.
وهذا ما أظهرته محاكمات نورمبرغ، التي عُقدت في ألمانيا بين نوفمبر/تشرين الثاني 1945 وأكتوبر/تشرين الأول 1946 لمحاكمة قادة النظام النازي، ومحاكمة أدولف أيخمان في إسرائيل عام 1961 بسبب دوره في تنظيم ترحيل اليهود إلى الغيتوهات ومعسكرات القتل.
وتفيد هذه الأمثلة في الحالة السورية، لأنها لا تعرض فقط محاكمة أفراد متهمين بارتكاب جرائم، بل تختبر قدرة المسار القضائي على كشف من أمر وسهّل وغطى الانتهاكات داخل مؤسسات النظام السابق.
وفي سوريا، تتوزع ملفات المطلوبين والمتهمين بالانتهاكات ضد المواطنين على مستويات عدة. في المستوى الأعلى، يبرز بشار الأسد وأخوه ماهر وكبار المسؤولين السياسيين والعسكريين والأمنيين الذين ارتبطت أسماؤهم بإدارة سياسات القمع والحرب والاعتقال.
ويأتي بعدهم قادة الأجهزة والفروع الأمنية، وضباط الجيش، والمسؤولون عن السجون ومراكز التحقيق.
وكانت النيابة العامة السورية حرّكت دعاوى عامة بحق عدد من مرتكبي الانتهاكات أمام قاضي التحقيق، بينهم مفتي النظام المخلوع أحمد بدر الدين حسون، ووزير الداخلية السوري السابق محمد الشعار، والضابط إبراهيم الحويجة، والمتورط بتجارة المخدرات وسيم الأسد.
وفي حين ينتظر الشعب السوري محاكمة جميع من اعتقلتهم قوى الأمن خلال الأشهر الماضية ومن تواصل السلطات ملاحقتهم، تبدأ سوريا، مع محاكمة نجيب، أولى الخطوات نحو العدالة.
مع ذلك، لا تزال العدالة الانتقالية تحتاج إلى أكثر من محكمة ومتهمين، فهي تحتاج إلى قانون واضح، وهيئة مستقلة، وقضاء موثوق، وإشراك الضحايا، وكشف مصير المفقودين.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة