آخر الأخبار

مفاوضات الرغبة والريبة.. لماذا تخشى إيران اتفاقا جديدا مع ترمب؟

شارك

في مشهد يبدو أقرب إلى لعبة أعصاب عالية المخاطر منه إلى دبلوماسية تقليدية، تتحرك الولايات المتحدة وإيران بين التهديد والتفاوض، وبين رسائل متضاربة بالتصعيد أحيانا وبالتهدئة أحيانا أخرى، وكأن كليهما يسعى إلى صفقة لا يريد أن يبدو محتاجا إليها.

فبين هذا وذاك، ومواعيد نهائية تُمدَّد بدل أن تُنفَّذ، تتكشف ملامح مفاوضات غير مألوفة تحكمها حسابات القوة بقدر ما تُقيدها ذاكرة طويلة من الريبة وانعدام الثقة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "نسخة رقمية" لبوتين في مختبرات أمريكية.. صراع خفي بالذكاء الاصطناعي
* list 2 of 2 كيف تحمي تركيا أطفالها رقميا؟ إجراءات جديدة على الأبواب end of list

وإزاء حالة عدم اليقين هذه، تكشف قراءات تحليلية من كبريات الصحف الأمريكية -تحديدا واشنطن بوست ونيويورك تايمز وفورين بوليسي – عن مشهد معقد تحكمه لعبة حافة الهاوية، وانعدام عميق للثقة، وتباينات استراتيجية بين الحلفاء أنفسهم.

هذه العوامل مجتمعة تجعل مستقبل الصراع مفتوحا على احتمالين متناقضين: اتفاق هش يولد من رحم التصعيد، أو مواجهة جديدة قد تتجاوز كل الخطوط الحمراء.

مباراة "الدجاج"

وفي مقاله بصحيفة واشنطن بوست، وصف الكاتب ديفيد إغناتيوس السجال الذي يسبق الجولة الثانية من المفاوضات الأمريكية الإيرانية بأنه "بطولة العالم في سياسة حافة الهاوية".

وقال إن الطرفين "يقفان الآن على منحدر زلق يطل على هاوية سحيقة، ومع ذلك يبدوان مقتنعين بشكل غريب بأن هذا هو الطريق نحو النجاح لا الكارثة".

وأضاف أن موازنة مواقف الجانبين زادت تعقيدا يوم الثلاثاء حين أرجأ فريق المفاوضات الأمريكي مغادرته للمشاركة في جولة محادثات جديدة في إسلام آباد بباكستان، وذلك لإجبار الإيرانيين على توضيح التنازلات التي هم على استعداد لتقديمها.

ثم قام الرئيس دونالد ترمب -وفقا لكاتب المقال- بتمديد مهلة الإنذار النهائي التي كان من المقرر أن تنتهي الأربعاء، لمنح القيادة الإيرانية المنقسمة على نفسها وقتا لاتخاذ قرارها قبل أن يشرع في مهاجمة الجسور ومحطات الطاقة وأهداف مدنية أخرى في إيران.

إعلان

لكن إغناتيوس يرى أن ترمب بفعلته هذه يكون قد فتح الباب بتمديده للمهلة بدلا من أن يوصده بعنف، "فإذا فشل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف في تقديم ما هو مطلوب، فحينها سيعرف العالم الإجابة القاتمة ويتصرف بناء على ذلك".

وفي سخرية لاذعة، قال الكاتب إنه لم يسبق له أن رأى مفاوضات تشبه هذه أبدا؛ فالجانبان الأمريكي والإيراني -في نظره- لا يتساومان فقط على "شكل الطاولة" كما يحدث في الكثير من المفاوضات، بل حول ما إذا كان ينبغي أن يكون هناك طاولة من الأساس، مضيفا أن الطرفين يتصرفان وكأن السبيل الوحيد للوصول إلى كلمة "نعم" هو الاستمرار في قول "لا".

وأشار إلى أن كلا الجانبين يريدان صفقة، لكنهما يصران على التصرف وكأنهما لا يحتاجانها، في سلوك يشبه "لعبة الدجاج" الخطرة، حيث يندفع الطرفان نحو المواجهة على أمل أن يتراجع الآخر أولا.

وبرأي الكاتب أن الرئيس الأمريكي "يتلذذ بإطلاق التهديدات"، فهو يوما يتحدث عن "محو الحضارة الإيرانية"، ثم يعرض في اليوم التالي فرصة لتحويل إيران إلى "دولة قوية ومزدهرة" إذا قبلت الصفقة.

غير أن هذا الأسلوب التصعيدي لا يقتصر على واشنطن، إذ يلفت إغناتيوس إلى أن طهران بدورها تنخرط في لعبة مماثلة، سواء عبر التلويح بإغلاق مضيق هرمز أو استهداف السفن، مما يؤدي إلى دوامة من الردود المتبادلة.

ويحذر من أن الطرفين قد يبالغان في إقناع بعضهما باستعدادهما للانسحاب، إلى حد قد يجبرهما فعليا على المضي في الحرب.

مصدر الصورة المعضلة تكمن في انعدام الثقة المطلق بين أمريكا وإيران (شترستوك)

جدار الثقة وهواجس الغدر

من جهة أخرى، يسلط الكاتب مايكل كرولي في تقريره بصحيفة نيويورك تايمز الضوء على المعضلة النفسية والسياسية الكبرى المتمثلة في انعدام الثقة المطلق بين الجانبين.

فالمسؤولون الإيرانيون -برأيه- يشعرون بتوجس شديد تجاه الرئيس ترمب، مستذكرين انسحابه الأحادي من الاتفاق النووي لعام 2015 الذي أبرمته إدارة سلفه باراك أوباما.

هذا التاريخ من "الغدر" كما يصفه الجانب الإيراني، جعل من الصعب على أي إدارة لاحقة تقديم ضمانات بعدم تمزيق أي اتفاق جديد في المستقبل.

وينقل كرولي عن كريم سجاد بور، الباحث في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، قوله إن مستوى الثقة الآن "منعدم"، حيث تعتقد طهران أن واشنطن قد تهاجمها في أي لحظة، حتى أثناء سير العملية الدبلوماسية.

ويستشهد التقرير بما حدث في فبراير/شباط الماضي، عندما أرسل ترمب مبعوثين إلى جنيف قبل يوم واحد فقط من اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي في غارة جوية، مما رسخ القناعة لدى الإيرانيين بأن الرئيس الأمريكي يستخدم الدبلوماسية ستارا للعمليات العسكرية.

وكان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد حذر -حسبما نقلت عنه وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية (إيرنا)- من أن الولايات المتحدة تسعى لتكرار أنماطها السابقة في خيانة الدبلوماسية.

وبدوره، يرى المفاوض الأمريكي السابق روبرت مالي أن التعقيد يكمن في أن التنازلات المطلوبة من إيران ملموسة وغير قابلة للتراجع، مثل التخلص من مخزون اليورانيوم المخصب، بينما التنازلات الأمريكية، مثل رفع العقوبات، هي إجراءات ورقية يمكن عكسها بقرار واحد من البيت الأبيض.

مصدر الصورة مقاربة ترمب للعلاقة مع إيران اختلفت تماما عن تلك التي كان ينتهجها سلفه أوباما (رويترز)

تساؤلات جوهرية

أما الأستاذ في جامعة جورج تاون ومدير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، دانيال بايمان، فيطرح في تحليله لمجلة فورين بوليسي تساؤلات جوهرية تتعلق بالصراع الدائر الآن بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى.

إعلان

ويوضح بايمان أن واشنطن وتل أبيب حدّدتا أهدافا واسعة تشمل وقف تخصيب اليورانيوم، وتدمير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، وإضعاف النفوذ الإقليمي الإيراني، بل وحتى تغيير النظام.

غير أن الكاتب يستدرك قائلا إن تحقيق هذه الأهداف يظل مسألة نسبية: فهل يكفي تدمير نصف الترسانة الصاروخية؟ أم يجب القضاء عليها بالكامل؟ وهل يمكن اعتبار بقاء النظام الإيراني الحالي، وإن كان أضعف، انتصارا؟

ويرى أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب الأولويات الواضحة، مقارنة بما فعله الرئيس الأسبق باراك أوباما حين ركّز على الملف النووي في اتفاق 2015 وقبل بنتائج جزئية. أما ترمب، فقد يسعى لتحقيق كل الأهداف، ما قد يعرّضه لخطر الفشل الكامل.

كما يشير إلى وجود تباينات بين الولايات المتحدة وإسرائيل، رغم تحالفهما الوثيق. فبينما تركز واشنطن على حرية الملاحة في مضيق هرمز، تولي إسرائيل أهمية أكبر للصواريخ متوسطة المدى التي تهدد أراضيها مباشرة.

ويضيف أن البلدين "ليسا على نفس الصفحة دائما"، مستشهدا بإعلان واشنطن وقف إطلاق النار دون استشارة إسرائيل، واستمرار الأخيرة في عملياتها في لبنان.

لا يقتصر التحدي أمام القادة في الولايات المتحدة وإسرائيل على إدارة الصراع مع إيران فحسب، بل يشمل أيضا التعامل مع تعريفاتهم الغامضة للنصر، وحدود التصعيد غير الواضحة، واحتمالات تباعد الحلفاء، والقيود الداخلية والدولية

بواسطة الباحق دانيال بايمان

هل نال التعب من الأطراف المتحاربة؟

ويحذر بايمان من احتمال أن تقبل الولايات المتحدة باتفاق لا يرضي إسرائيل، مثل تخفيف العقوبات أو الاكتفاء بقيود جزئية على البرنامج النووي، ما قد يدفع تل أبيب إلى مواصلة عملياتها العسكرية بشكل منفرد، ويهدد بإعادة إشعال الصراع.

كما يلفت إلى أن قدرة الأطراف على تحمل كلفة الحرب ليست غير محدودة. فإسرائيل، المنخرطة في صراعات متعددة منذ هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، تعاني من إرهاق اقتصادي ومجتمعي، بينما يظل الدعم الشعبي الأمريكي للحرب محدودا، مع تركيز أكبر على التأثيرات الاقتصادية مثل ارتفاع أسعار الطاقة.

على أن ذلك قد يدفع ترمب إلى السعي لاتفاق سريع يضمن استقرار أسواق النفط، حتى لو جاء على حساب أهداف أخرى.

ولا يقتصر التحدي أمام القادة في الولايات المتحدة وإسرائيل -وفق مقال فورين بوليسي- على إدارة الصراع مع إيران فحسب، بل يشمل أيضا التعامل مع تعريفاتهم الغامضة للنصر، وحدود التصعيد غير الواضحة، واحتمالات تباعد الحلفاء، والقيود الداخلية والدولية.

أما بالنسبة إلى المحللين وصنّاع السياسات، فالمهمة ليست في التنبؤ بنتائج دقيقة بقدر ما هي في تحديد مكامن عدم اليقين الأكثر أهمية وكيفية تفاعلها.

فمستقبل الصراع لن يتحدد بالقدرات والنوايا فقط، بل أيضا بكيفية حل هذه الأسئلة العالقة أو تركها دون معالجة على نحو خطير، على حد تعبير بايمان في ختام مقاله.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا