آخر الأخبار

رئة تتنفس منها.. ماذا تخسر إسرائيل إذا انقطعت حبال الود مع بروكسل؟

شارك

"لم تكن كلمات رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز وهو يطالب بفسخ اتفاقية الشراكة الأوروبية مع إسرائيل مجرد تصريح عابر في زحام الأخبار، بل كانت أشبه بزلزال سياسي أو قل إنها ‘إعلان استقلال’ أخلاقي لأوروبا عن إرث طويل من الصمت والتبعية.

فمنذ وعد بلفور عام 1917، لم تجرؤ عاصمة أوروبية كبرى على هز أركان المظلة الاقتصادية التي تستظل بها تل أبيب بهذا الوضوح.

اليوم، وفي ظل عامين من حرب إبادة نفذتها إسرائيل في قطاع غزة الفلسطيني، يبدو أن ‘عقدة الذنب’ التاريخية تجاه الهولوكوست قد اصطدمت بجدار الضمير الإسباني، لتعلن مدريد ومعها عواصم أوروبية أخرى أن زمن الحصانة لإسرائيل ربما يكون قد ولى أو في طريقه إلى ذلك.

ومع التحول من الاكتفاء بالتصريحات السياسية إلى المطالبة بتعليق اتفاق الشراكة، فإن هذا يعني أن اقتصاد إسرائيل الذي ازدهر تحت شمس أوروبا لسنوات، قد يواجه اليوم شتاءً دبلوماسياً طويلاً.

ومع الإدراك بأن المقترح لن يجد الأغلبية الكافية لإقراره على الأقل في هذه المرة، وهو ما أكده مسؤول أوروبي في ختام اجتماع اليوم، فإن الحجر قد تم إلقاؤه بالفعل في المياه التي بدأت بدورها في التحرك.

لكن هل نعود أولا إلى الجذور لنتابع كيف كانت أوروبا بمثابة أم لإسرائيل؟

ربما لا يمكن فهم التحرك الإسباني دون العودة عقودا إلى الوراء لنجد أوروبا هي "القابلة القانونية" لنشأة دولة إسرائيل، بدءاً من وعد بلفور البريطاني عام 1917، وصولاً إلى قرار التقسيم الأممي عام 1947 الذي دعمته القوى الأوروبية الخارجة من رماد الحرب العالمية الثانية بـ "عقدة ذنب" تاريخية تجاه ما اشتهر بـ "الهولوكوست".

لاحقا، تطور الدعم من شرعنة الوجود إلى "شراكة استراتيجية" شاملة، حيث بات الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لإسرائيل في ظل اتفاقية منحت تل أبيب امتيازات اقتصادية وبحثية هائلة، ما جعلها "عضواً غير رسمي" في النادي الأوروبي، محصناً بغطاء سياسي منع لسنوات طويلة فرض أي عقوبات حقيقية رغم استمرار انتهاكاتها.

إعلان

لكن ملامح تغيير بدأت في التبلور مع تصاعد العدوان الإسرائيلي على غزة ولبنان في السنوات الأخيرة. لم تعد العواصم الأوروبية تكتفي ببيانات "القلق العميق"، وبدأ بعضها يشعر بأن ازدواجية المعايير تجاه ما يجري في أوكرانيا و فلسطين تهدد "المكانة الأخلاقية" للاتحاد الأوروبي.

وفيما كانت ألمانيا و فرنسا تترددان كانت إسبانيا أكثر جرأة على كسر ما اعتُبر لسنوات نوعا من "المحرمات الدبلوماسية" في أوروبا، حيث أقدمت على:


* الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في مايو/أيار 2024، في خطوة منسقة مع أيرلندا والنرويج.
* استضافة أول اجتماع رفيع المستوى بين حكومتي إسبانيا وفلسطين في نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
* قيادة الضغط القانوني لمراجعة التزام إسرائيل بالبند الثاني من اتفاقية الشراكة، المتعلق باحترام حقوق الإنسان.

ثم جاءت الأشهر الأخيرة لتشهد ما يمكن اعتباره "قطيعة أخلاقية" داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. فبعد عقود من الاكتفاء ببيانات "القلق العميق" التي لم تكن تتجاوز حبر الورق، انتقلت العواصم بقيادة مدريد من منطق "الاستيعاب" إلى منطق "المحاسبة".

وكان للعدوان الأخير على غزة ولبنان أثر كاشف؛ حيث وجدت المفوضية الأوروبية نفسها في موقف محرج أخلاقياً. فبينما كانت تدعو لفرض أقصى العقوبات على روسيا بسبب غزوها لأوكرانيا، كانت تتردد في تسمية الانتهاكات الإسرائيلية بمسمياتها.

هذا التناقض الصارخ دفع دولاً مثل أيرلندا، بلجيكا، وسلوفينيا للتمرد على "المركزية الألمانية" الداعمة لإسرائيل، معتبرة أن مصداقية الاتحاد كقوة ناعمة باتت على المحك، قبل أن تتقدم إسبانيا لتلعب دور "رأس الحربة" في تيار التغيير.

ما أثر طوفان الأقصى وحرب الإبادة؟

بلا شك، مثّل "طوفان الأقصى" وما تلاه من حرب إبادة إسرائيلية استمرت لعامين النقطة المفصلية التي أدت إلى هذا التحول الجذري. لم يكن الأمر مجرد "جولة صراع" أخرى، بل كان "زلزالاً أخلاقياً وسياسياً" أعاد صياغة الوعي الأوروبي، ويمكن رصد هذا الأثر في النقاط التالية:


* سقوط سردية "الدفاع عن النفس" أمام مشهد الإبادة
* ضغط الشارع: "انفجار" القواعد الشعبية
* اختبار "أوكرانيا": صراع المصداقية الأوروبية
* استهداف المؤسسات الدولية (الأونروا و المحكمة الجنائية الدولية)
* الفشل العسكري واليأس السياسي

في خضم عداء متصاعد لإسرائيل بدول أوروبية

الإرهاصات الأولية بدأت بعد قليل من اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، لكن الذروة جاءت في أبريل/نيسان الجاري، عندما اخترقت إسبانيا ما كان يعتبر من المحرمات في السياسة الأوروبية عندما طلبت من الاتحاد الأوروبي مناقشة تعليق الشراكة مع إسرائيل.

وزير الخارجية الإسباني خوزيه مانويل ألباريس أعلن اليوم الثلاثاء (21 أبريل/نيسان 2026) أن بلاده تقدمت بالطلب مدعومة من سلوفينيا وأيرلندا.

وفي تبرير طلبه قال الوزير للصحفيين لدى وصوله إلى لوكسمبورغ: "علينا أن نقول لإسرائيل إن عليها تغيير نهجها وإن الحرب ليست السبيل للتواصل مع جيرانها".

وختم الوزير مؤكدا أن "على الاتحاد الأوروبي أن يقول اليوم بوضوح تام لإسرائيل إن التغيير ضروري.. إذا لم نتحرك فسوف نضر بمصداقيتنا وعلينا أن نقول لإسرائيل ما نقوله لروسيا بشأن أوكرانيا وما نقوله في سياقات أخرى".

إعلان

وتضغط إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا على الاتحاد الأوروبي لتعليق اتفاقية الشراكة مع إسرائيل، التي تنظم التجارة بين الشركاء. وترغب هذه الدول في مناقشة تعليق الاتفاقية بالكامل، لكن ألباريس الذي يدرك وجود عقبات أمام مسعى بلاده أشار إلى وجود خيارات أخرى، قائلا: "نحن منفتحون على أي إجراء، لكن لا يمكننا الاستمرار في عدم فعل أي شيء".

وقبل يومين، كان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، قد كشف عن اعتزام بلاده الطلب من الاتحاد الأوروبي فسخ اتفاق الشراكة مع إسرائيل المبرم منذ عام 2000.

وأوضح سانشيز أسبابه خلال تجمع انتخابي بإقليم الأندلس قائلا إن "حكومة تنتهك القانون الدولي لا يمكن أن تكون شريكا للاتحاد الأوروبي"، في إشارة إلى حكومة بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في غزة.

وطعنت إسبانيا لأول مرة في الاتفاق في فبراير/شباط 2024، عندما أرسل سانشيز ورئيس الوزراء الإيرلندي آنذاك رسالة مشتركة إلى المفوضية الأوروبية، طالبا فيها بتقييم مدى امتثال إسرائيل لالتزاماتها المتعلقة بحقوق الإنسان في أعقاب بدء الحرب في غزة والتي قتلت خلالها إسرائيل أكثر من 70 ألف فلسطيني فضلا عن إصابة عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف.

ومنذ ذلك الوقت، شدد سانشيز مواقفه تدريجيا إزاء إسرائيل، لا سيما مع الحرب في لبنان.

مصدر الصورة كومبو يجمع سانشيز (يسار) مع ترمب (وكالات)

سانشيز رأس الحربة

في ظل ميل أوروبي نحو اليمين في السنوات الماضية، كان طبيعيا أن يبرز رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز الذي يعد أحد أبرز وجوه اليسار على مستوى العالم في الوقت الحالي.

وسرعان ما لمع نجمه عبر مواقف لافتة تركز على انتقاد إسرائيل وكذلك الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فضلا عن تبني سياسة هجرة أكثر انفتاحا.

وفي أحدث فصول التوتر مع الإدارة الأمريكية، أعرب سانشيز عن معارضته للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، رغم تهديدات ترمب بفرض إجراءات تجارية عقابية بعد رفض مدريد السماح باستخدام قواعدها العسكرية.

كما يُعد سانشيز من القادة الغربيين القلائل الذين وصفوا الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي اندلعت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، بأنها " إبادة جماعية".

وفي هذا الصدد تنقل وكالة الصحافة الفرنسية عن الباحث في معهد ريال إلكانو في مدريد إغناسيو مولينا قوله إن هذه المواقف منحت إسبانيا "ريادة وتأثيرا وبروزا في العديد من البلدان"، خاصة في العالم العربي وأمريكا اللاتينية، مشيرا إلى أن دولا أخرى تعارض إسرائيل و الولايات المتحدة، لكن عضوية مدريد في حلف الناتو و بالاتحاد الأوروبي تُعزز وزنها مقارنة بدول أخرى.

أما أستاذ العلوم السياسية في جامعة برشلونة المستقلة خوان بوتيلا فيرى أن إسبانيا باتت بفضل مواقفها "تتمتع بثقل أكبر داخل الاتحاد الأوروبي".

الوكالة الفرنسية أشارت في تقريرها أيضا إلى أن سانشيز يحظى باهتمام متزايد من وسائل الإعلام الدولية، إذ نشر مقالات في صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) وكذلك لوموند ديبلوماتيك (Le Monde diplomatique)، فيما وصفته وسائل إعلام غربية بأنه من أبرز معارضي الرئيس ترمب في أوروبا.

مصدر الصورة أوربان (يسار) خلال لقاء سابق مع نتنياهو (الأوروبية)

زوال عقبة أوربان

أما وكالة الأنباء الألمانية فتلفت النظر إلى أن إسبانيا جددت مساعيها لمعاقبة إسرائيل بعد أيام من خسارة فيكتور أوربان السلطة في المجر، ما أزال إحدى أكبر العقبات التي كانت تواجه التكتل في اتخاذ أي إجراء في هذا الشأن.

فلسنوات طويلة، كانت إسرائيل تضمن عدم تحقق إجماع أوروبي ضدها، ليس لأنها كانت تحظى بتأييد واسع في القارة، بل لوجود مؤيدين يمكنهم عرقلة الإجماع وفي مقدمتهم أوربان الذي لم يكن مجرد حليف لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، بل كان "المهندس" الذي أتقن تعطيل أي قرار يدين الاستيطان أو يفرض عقوبات تجارية، مستخدماً قاعدة التصويت بالإجماع داخل الاتحاد الأوروبي كـ"درع بشري" سياسي لتل أبيب.

إعلان

صحيفة غارديان (The Guardian) البريطانية ضربت مثالا على ذلك بما حدث في فبراير/شباط الماضي، حيث كانت المجر الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي صوّتت ضد فرض عقوبات على المستوطنين الذين يمارسون العنف ضد الفلسطينيين بالضفة الغربية، ما أدى إلى عرقلة إجراء كان يتطلب الإجماع.

ومع خروج المجر من معادلة الدعم المطلق، تجد دول أخرى اشتهرت بدعمها التقليدي لإسرائيل (مثل ألمانيا والنمسا والتشيك) نفسها في موقف "المكشوف" سياسياً. فلم يعد بإمكان برلين التخفي وراء الرفض المجري لتعطيل القرارات أو على الأقل ستجد صعوبة أكبر في ذلك.

وبالتزامن مع سقوط أوربان، شهد البرلمان الأوروبي صعود تكتلات يسارية وليبرالية طالبت بوضع "جدول زمني" لتعليق المزايا التجارية لإسرائيل. هذا التناغم بين حكومة إسبانيا والبرلمان الأوروبي الجديد حوّل طلب فسخ الاتفاقية من "رغبة إسبانية" إلى "مسار إجرائي" بدأ يشق طريقه فعلياً في لجان المفوضية ببروكسل.

مظاهر التغيير

وكان تحالف من أحزاب اليسار في البرلمان الأوروبي قد أطلق -من حملة شعبية واسعة النطاق تهدف إلى ممارسة ضغط سياسي وقانوني على المفوضية الأوروبية، لدفعها إلى اتخاذ خطوة رسمية باتجاه تعليق اتفاق الشراكة بين الاتحاد وإسرائيل.

وجاءت هذه المبادرة استجابة لما وصفه مطلقوها بأنه واجب أخلاقي وقانوني في ظل الانتهاكات المنهجية والمتواصلة التي ترتكبها إسرائيل في غزة، بما فيها استهداف المرافق الطبية والتهجير القسري واستخدام التجويع كسلاح حرب، وهي ممارسات اعتبرت تقارير دولية عديدة أنها ترقى إلى جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية.

كما استضافت مدينة برشلونة قبل أيام النسخة الرابعة من "القمة التقدمية" التي ضمت قادة يساريين من أوروبا و إفريقيا وأمريكا اللاتينية، اجتمعوا بهدف الدفاع عن الديمقراطية واستعادة الثقة بالنظام الدولي المتوتر بسبب صعود أقصى اليمين.

وبدا واضحا من كلمات متحدثين خلال المؤتمر أن الإبادة التي نفذتها إسرائيل في غزة غيرت مفاهيم كثيرة لدى المجتمعات الأوروبية، وتسببت في تمرد جزء من الجمهور الأوروبي على وسائل الإعلام التقليدية بعد تكشف انحيازها.

مصدر الصورة مظاهرة في لندن تناهض السياسات الإسرائيلية والأمريكية وترفض الاعتداءات على غزة ولبنان وإيران (وكالة الأناضول )

مظاهرات

وشهدت القارة الأوروبية خلال الفترة الماضية طوفانا من الحشد الجماهيري الذي تأثر في البداية بأحداث العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وسرعان ما تحوّل إلى قوة مؤثرة في السياسة الأوروبية بعد الإبادة الجماعية التي مارسها جيش الاحتلال وتواطؤ قادة أوروبيين في ذلك مع الحكومة الإسرائيلية.

وعلى مدى أشهر شهدت عواصم ومدن أوروبية احتجاجات تركزت في مناسبات كثيرة على انتقاد السياسات الخارجية للولايات المتحدة تحت إدارة الرئيس دونالد ترمب وحربها على إيران، والدعم العسكري والسياسي المطلق لإسرائيل.

وخرجت هذه المظاهرات في العديد من الدول أبرزها بريطانيا وإسبانيا وهولندا وإيطاليا وألمانيا والسويد واليونان والنمسا.

حرق دمية نتنياهو

بل إن الأمر تجاوز حدود الساسة والناشطين ووصل حتى إلى بعض الاحتفالات التقليدية..

ففي بلدة صغيرة تدعى "إل بورغو" وتقع في ملقا جنوبي إسبانيا، أقدم سكان على حرق دمية عملاقة تحمل ملامح نتنياهو، كجزء من تقليد سنوي يعرف بـ"حرق يهوذا".

ويقوم هذا الطقس الشعبي على اختيار شخصية تُجسد "الشر" وحرقها رمزيا، وهو تقليد يمتد لعقود ويُقام سنويا خلال احتفالات عيد الفصح.

ورغم الطابع المحلي لما جرى، فإن إسرائيل وأنصارها لم يتجاهلوه حيث روجوا له عبر مواقع التواصل كدليل على ما يسمّونه " معاداة السامية"، مع السعي لربطه بمواقف الحكومة الإسبانية.

بل إن وزارة الخارجية الإسرائيلية أعادت نشر مقطع الحرق مرفقا برسائل اتهامية، اعتبرت فيه أن "الكراهية المعادية للسامية" هي نتيجة "تحريض منهجي" من حكومة بيدرو سانشيز على حد وصف بيان صدر في 11 أبريل/نيسان الجاري.

في المقابل، ردت ماريا دولوريس نارفايز رئيسة بلدية "إل بورجو" على الأمر ببساطة مؤكدة أن البلدة استخدمت في السابق دمى تمثل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال هذا الحدث السنوي دون إشكال.

أسطول الصمود

في أواسط أبريل/نيسان كانت إسبانيا في قلب الحدث مجددا حيث انطلق أسطول الصمود العالمي من سواحل مدينة برشلونة نحو قطاع غزة الفلسطيني، في محاولة جديدة لكسر الحصار الإسرائيلي المفروض على القطاع وإيصال مساعدات إنسانية، وذلك للمرة الثانية خلال أقل من عام وبمشاركة أكبر مقارنة بالمحاولة السابقة.

إعلان

وبلغ عدد المشاركين في رحلة أسطول الصمود الحالية نحو ألف متطوع من 70 دولة، على متن 70 قاربا.

وكانت المحاولة السابقة للأسطول قد انطلقت في سبتمبر/أيلول 2025 من برشلونة أيضا، بمشاركة 42 قاربا و462 شخصا، وقد اعترضت البحرية الإسرائيلية حينها كل القوارب المشاركة في الرحلة واعتقلت النشطاء الذين كانوا على متنها ثم رحّلتهم إلى دول أخرى.

وتهدف حملة "صمود" إلى حشد مئات الناشطين المناصرين لفلسطين من عشرات الدول، في إطار تحركات دولية لكسر الحصار المفروض على غزة.

عريضة شعبية

في منتصف أبريل/نيسان جاءت الأخبار لتفيد بأن التوقيعات على عريضة شعبية تطالب بالتعليق الكامل لاتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل تجاوزت حاجز المليون توقيع، وذلك خلال 3 أشهر فقط منذ إطلاق حملتها.

ووفقا لصفحة مبادرات المواطنين الأوروبيين التابعة للمفوضية الأوروبية، فقد بلغ العدد حتى منتصف الشهر مليونا و7 آلاف و331 توقيعا، متجاوزا الحد الأدنى المطلوب لاعتماد المبادرة رسميا، وهو مليون توقيع صحيح، مع استيفاء المتطلبات القانونية في 7 دول أعضاء على الأقل.

وتؤكد الحملة أن إسرائيل تتحمل مسؤولية مستويات غير مسبوقة من قتل وإصابة المدنيين، إلى جانب التهجير الواسع للسكان، والتدمير المنهجي للمستشفيات والمنشآت الطبية في قطاع غزة.

وأكدت العريضة أن إسرائيل تنتهك -بشكل صارخ- قواعد والتزامات أساسية في القانون الدولي، فضلا عن إخفاقها في الامتثال للأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية، لا سيما تلك المتعلقة بمنع جريمة الإبادة الجماعية.

ورغم هذه المعطيات، ترى العريضة أن الاتحاد الأوروبي واصل حتى الآن الإبقاء على اتفاق الشراكة مع إسرائيل، الذي يُعدّ أساسا في العلاقات التجارية والاقتصادية والسياسية الثنائية بين الجانبين، وهو ما اعتبره القائمون على الحملة تناقضا جوهريا مع القيم الأوروبية المعلنة.

وشدد القائمون على العريضة على أن مواطني الاتحاد الأوروبي لن يقبلوا استمرار اتفاق يسهم -بصورة مباشرة أو غير مباشرة- في تعزيز شرعية وتمويل دولة متهمة بارتكاب جرائم حرب و جرائم ضد الإنسانية.

وبناء عليه، طالبت العريضة المفوضية الأوروبية بتقديم مقترح رسمي إلى المجلس الأوروبي يقضي بالتعليق الكامل لاتفاق الشراكة مع إسرائيل.

وفي أحدث التطورات، تلقت العريضة دعما من مديرة مكتب المؤسسات الأوروبية في منظمة العفو الدولية إيف غيدي التي أكدت أن المنظمة تعتزم إطلاق حملة تستهدف ألمانيا وإيطاليا لدفعهما إلى تغيير موقفيهما تجاه تل أبيب.

وأوضحت أن تعليق الجوانب التجارية من اتفاقية الشراكة يمكن أن يتم عبر تصويت بالأغلبية المؤهلة داخل الاتحاد، ما يجعل موقفي برلين وروما حاسمين في هذا السياق.

وسوم غاضبة

بالتوازي مع أرض الواقع، فقد شهدت منصات التواصل الاجتماعي تنامي حالة الغضب الأوروبي تجاه إسرائيل، لا تدري أيا منهما أثّر في الآخر.

وتصدرت وسوم مختلفة في إسبانيا وإيطاليا تهاجم السلوك العدواني لإسرائيل في غزة والضفة، وكشفت حالة التفاعل مع الوسوم العديدة غضبا وانتقادا شديدا لعنف حكومة بنيامين نتنياهو ضد الفلسطينيين.

وكان من أبرز هذه الوسوم باللغة الإسبانية: أوقفوا المجازر (#StopGenocidio) وفلسطين حرة (#PalestinaLibre) ولا للحرب (#NoALaGuerra)، وباللغة الإيطالية: أوقفوا الإبادة الجماعية (#StopGenocidio) والحرية لفلسطين (#PalestinaLibera) وإسرائيل دولة إرهابية (#IsraeleStatoTerrorista).

وتفاعل مع هذه الوسوم ملايين النشطاء على مواقع التواصل واستمرت على قائمة الترند فترات طويلة.

ورصد فريق المصادر المفتوحة بالجزيرة نت إحصائية بالتفاعل مع وسم أوقفوا المجازر باللغة الإسبانية خلال شهر، حيث كشفت البيانات عن ما يقرب من 15 ألف منشور بمعدل ظهور فعلي يزيد عن 300 ألف ومعدل وصول محتمل لنحو 24 مليون داخل إسبانيا.

مصدر الصورة إنفوغراف التبادل التجاري بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل (الجزيرة)

نعود إلى اتفاق الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، ونشير إلى أبرز ما يرتبط به في هذا الشأن..

الاتفاق هو الإطار القانوني الأساسي الذي ينظم العلاقات التجارية والسياسية بين الطرفين منذ عام 2000، وقد تم توقيعه في بروكسل بتاريخ 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1995 ودخل حيز التنفيذ في 1 يونيو/حزيران 2000.

يهدف الاتفاق إلى إنشاء منطقة تجارة حرة تدريجية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل، مع تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والتكنولوجي والعلمي، وتوفير إطار منتظم للحوار السياسي.

يمنح الاتفاق إسرائيل حق الوصول التفضيلي إلى أسواق الاتحاد الأوروبي ويدعم التعاون في المجالات الرئيسية مثل التجارة والأبحاث والدبلوماسية.

تتضمن المادة الثانية منها بنداً ينص على أن علاقة التعاون بين الجانبين تعتمد على "احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية"، وهو البند الذي يقع في قلب النقاش الحالي وتستند إليه إسبانيا ورفاقها للمطالبة بمراجعة أو فسخ الاتفاقية.

تجدر الإشارة إلى أن اتخاذ قرار فعلي بفسخ أو تعليق الاتفاقية يتطلب إجماعاً من كافة دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، وهو أمر يواجه تحديات كبيرة نظراً لتباين المواقف بين الدول الأعضاء مثل ألمانيا والنمسا التي غالباً ما تبدي تحفظاً تجاه هذه الخطوات.

ماذا قالت الصحافة الأوروبية والإسرائيلية؟

تعليقات الصحف الأوروبية الكبرى على هذه التطورات كانت لافتة بقدر الحدث نفسه.. فالغارديان (The Guardian) – البريطانية اهتمت بالمتابعة على مدى الأيام الماضية حيث سلطت الضوء على "تصدع الإجماع الأوروبي". وذكرت أن التحرك الإسباني-الأيرلندي-السلوفيني المشترك وضع رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، في مأزق سياسي؛ حيث لم يعد بإمكانها تجاهل "بند حقوق الإنسان" في الاتفاقية.

وأشارت الصحيفة إلى أن هذا الضغط بدأ يؤتي أكله فعلياً، مع ظهور تقارير داخلية في بروكسل تتحدث عن "مؤشرات قوية" لانتهاك إسرائيل لالتزاماتها.

كما تحدثت الغارديان في تقرير مشترك لمراسليها في عدد من المدن الأوروبية ومن القدس المحتلة، عما وصفته بـ"أسبوع سيئ" للحكومة الإسرائيلية معتبرة أنه قد يكون مؤشرا على تحول جوهري نحو فرض عقوبات أوروبية ومراجعة شاملة للعلاقات الثنائية.

وفي تقرير آخر لفتت الغارديان النظر إلى أن نتنياهو ووزراءه طالما تعاملوا مع منتقديهم الأوروبيين بازدراء واضح، ربما لشعورهم بالاطمئنان لأن حلفاءهم الرئيسيين في البيت الأبيض يتصرفون بالطريقة نفسها.

لكن الأشهر الأخيرة شهدت تحولا مهما في التعبيرات الأوروبية عن القلق إزاء تصرفات حكومة بنيامين نتنياهو حيث انتقلت إلى خانة الإدانة الصريحة.

صحيفة "إل باييس" (El País) – الإسبانية، ركزت على "البعد الأخلاقي والقانوني"، معتبرة أن سانشيز يسعى لترسيخ دور إسبانيا كـ"ضمير أوروبا الحكيم".

وأشارت الصحيفة إلى أن مدريد لم تعد تكتفي بالخطابات، بل انتقلت إلى "الاشتباك القانوني" مع بروكسل، لإجبار المفوضية الأوروبية على الاعتراف بأن استمرار الاتفاقية مع إسرائيل يجعل الاتحاد الأوروبي "شريكاً في خرق القانون الدولي".

صحيفة "فاينانشال تايمز" (Financial Times) – البريطانية ركزت على "مخاطر العزلة الاقتصادية". وأوضحت أن مجرد "التهديد" بفسخ الاتفاقية بدأ يثير قلق الأسواق، حيث تُعد أوروبا الشريك التجاري الأول لتل أبيب.

وأشارت الصحيفة إلى أن الشركات الأوروبية الكبرى بدأت في "تقييم المخاطر" (Risk Assessment) قبل الدخول في عقود طويلة الأمد مع شركات إسرائيلية، خوفاً من فرض عقوبات مفاجئة أو تعليق التفضيلات الجمركية.

أما الصحافة الإسرائيلية فبدت فيها نبرة من التحذير الجاد، حيث قالت جيروزاليم بوست (The Jerusalem Post) إن قطاع التكنولوجيا (الهايتك) سيكون المتضرر الأكبر، واصفة التهديد الأوروبي بـ"السحابة السوداء" التي تظلل الاقتصاد الإسرائيلي.

دولة مبنوذة

بدورها ركزت هآرتس على "فشل الدبلوماسية الإسرائيلية" في احتواء الغضب الإسباني، وأشارت إلى أن مجتمع الأعمال الإسرائيلي بدأ يشعر بالذعر من تحول إسرائيل إلى "دولة منبوذة" في القارة التي طالما كانت ملاذا ثقافيا واقتصاديا.

وفي الصحيفة نفسها كتبت ليزا روزوفسكي، محررة الشؤون السياسية، محذرة من الكلفة الدبلوماسية المتراكمة على إسرائيل في أوروبا.

وركزت الكاتبة على قرار رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني بتعليق مذكرة التفاهم مع إسرائيل، معتبرة أنه ليس خطوة عابرة بل انتقالا من صداقة تقليدية إلى لغة إنذار سياسي.

وأكدت روزوفسكي أن فقدان إسرائيل المظلة المجرية، بعد هزيمة فيكتور أوربان، قد يفتح الباب لتوسيع العقوبات على مستوطنين ومنظمات يمينية متطرفة.

والأخطر من ذلك، وفقا للكاتبة، أن بعض الخطوات، مثل تعليق أجزاء من اتفاقية الشراكة بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي، "لا يتطلب إجماعا، بل أغلبية فقط".

وتزداد خطورة هذا المسار مع الرسالة التي بعث بها وزراء خارجية إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا إلى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، حين اعتبروا قانون عقوبة الإعدام الذي أقره الكنيست مؤخرا "أحدث مثال" على "انتهاك صارخ لحقوق الإنسان"، و"خطوة أخرى في الاضطهاد والقمع والعنف والتمييز الممنهج ضد الشعب الفلسطيني".

ولا تقف أهمية هذه اللغة عند حد التصعيد البلاغي، بل تكمن في أنها تعكس انتقالا أوروبيا من مقاربة إسرائيل بوصفها شريكا إشكاليا، إلى التعامل معها بوصفها طرفا يهدد القيم التي يقوم عليها المشروع الأوروبي نفسه، ولهذا جاء في الرسالة أيضا أن على الاتحاد "الاضطلاع بمسؤوليته الأخلاقية والسياسية والدفاع عن القيم الأساسية".

مصدر الصورة جانب من الدمار الذي ألحقه العدوان الإسرائيلي بقطاع غزة (مواقع التواصل الإجتماعي)

لحظة مفصلية

المجلس الأوروبي الفلسطيني للعلاقات السياسية (EUPAC) حرص على إلقاء الضوء على هذا الحدث، بل واعتبر أن تجاوز حاجز المليون توقيع على العريضة يمثل "لحظة مفصلية في مسار التفاعل الأوروبي مع القضية الفلسطينية".

وتكشف دراسة تحليلية أعدّها قسم الأبحاث في المجلس بهذه المناسبة، أن الاتحاد الأوروبي يُعدّ الشريك التجاري الأول لإسرائيل بما قيمته 46.8 مليار يورو في عام 2022 وحده، في حين تبلغ نسبة واردات إسرائيل من الاتحاد 31.9% ونسبة صادراتها إليه 25.6%.

وتخلص الدراسة -التي اطلعت عليها الجزيرة نت- إلى أن "أي تحوّل في الموقف الأوروبي، ولو جزئيًا، يمكن أن يترك أثرا ملموسا على الاقتصاد الإسرائيلي، ومن ثمّ على قدرته على الاستمرار في سياساته العدوانية بلا كلفة حقيقية".

الجزيرة نت تحدثت عبر الزملاء في قسم المقابلات، مع رئيس المجلس الأوروبي الفلسطيني للعلاقات السياسية ماجد الزير الذي أكد الأهمية الكبرى لهذه العريضة مؤكدا أنها تفرض حاجة شديدة للحضور الدائم والمستمر بفاعلية على كل الساحات، لا سيما المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي.

ويُقرّ الزير بأن الزخم الذي أحدثته المبادرة "سيواجه تحديات كبيرة تفرضها إسرائيل"، غير أنه يُشدّد على أن "هذا التفاعل الكبير مع العريضة في وقت قياسي يشير إلى التضامن الواسع مع القضية الفلسطينية ويحتاج استثمارا حقيقيا من الشعب الفلسطيني والداعمين للقضية الفلسطينية".

ويرى الزير أن هذا الحراك الواسع "يمثل دليلا واضحا على أن مساحيق التجميل الإعلامية ومفردات السردية الإسرائيلية لم تعد تنطلي على قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي وعلى الجمهور الأوروبي على وجه الخصوص".

أما الدبلوماسية السويدية آن ديسمور -مسؤولة قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا ومفوضة الأونروا في لبنان وسفيرة لعدة دول منها لبنان مرتين-

فاعتبرت أن مراجعة نقدية لاتفاق الشراكة قد تفضي إلى بعض الإجراءات المحدودة، دون أن ينفي ذلك أهميتها، إذ ستكون هذه المرة الأولى التي يتخذ فيها الاتحاد الأوروبي إجراءات ملموسة في أعقاب ممارسات إسرائيل في فلسطين، ومؤخرًا في لبنان.

وتعتقد ديسمور التي عملت سفيرة لبلادها في عدة دول عربية، أن الأثر الاقتصادي لن يكون الأهم، بل الرسالة السياسية التي مفادها أن الاتحاد الأوروبي يتحرك ويحاسب إسرائيل على انتهاكاتها لحقوق الإنسان والقانون الدولي.

السؤال الجوهري هو: هل يمكن لهذا التمرد الأوروبي أن يهز عرش الدعم الأمريكي لإسرائيل؟

عند محاولة الإجابة عن هذا السؤال يمكننا الإشارة إلى النقاط التالية:


* العزلة المتزايدة: واشنطن تجد نفسها وحيدة بشكل متزايد في الدفاع عن إسرائيل في المحافل الدولية.
* الضغط من الداخل: التحرك الأوروبي يمنح "الجناح التقدمي" في الحزب الديمقراطي الأمريكي ذريعة قوية للمطالبة بفرض قيود على مبيعات الأسلحة، أسوة بما تفعله دول أوروبية.
* التكلفة السياسية: عندما تبدأ دول كبرى في الاتحاد الأوروبي (مثل إسبانيا وإيطاليا) في تصنيف أفعال إسرائيل جرائم حرب، يصبح من الصعب على الإدارة الأمريكية تبرير "الدعم الأعمى" أمام رأيها العام، وهو ما يعني نوعا من العزل الأخلاقي لواشنطن.

ولمزيد من توضيح الصورة فإن المقارنة بين التأثير الأمريكي والأوروبي على إسرائيل تكشف لنا عن نوعين مختلفين من النفوذ. فبينما تمسك واشنطن بمفاتيح "الأمن الوجودي" عبر السلاح والفيتو، يمكن القول إن بروكسل تمسك بمفاتيح "الرفاه الاقتصادي":

فبما أن الاتحاد الأوروبي هو الوجهة الأولى للصادرات الإسرائيلية (نحو ثلثها) فإن فسخ الاتفاقية إن حدث سيتعدى المجال السياسي إلى ضرب العمق الاقتصادي لإسرائيل في عدة محاور أبرزها ما يلي:


* التجارة البينية: الاتحاد الأوروبي هو الوجهة الأولى للصادرات الإسرائيلية (نحو 30% من إجمالي التجارة). فسخ الاتفاقية يعني عودة التعريفات الجمركية، مما يُفقد المنتجات التقنية والزراعية الإسرائيلية تنافسيتها.
* الاستثمارات المباشرة: تتدفق معظم الاستثمارات الأجنبية في الشركات الناشئة الإسرائيلية من صناديق سيادية ومستثمرين أوروبيين، بدأوا بالفعل في "الهرب الهادئ" مع تصاعد نبرة العقوبات.
* الاستثمار والبحث العلمي: إسرائيل هي الدولة غير الأوروبية الوحيدة التي تتمتع بنفاذ كامل لبرنامج "Horizon Europe" (ميزانية تفوق 95 مليار يورو). الحرمان من هذا البرنامج يعني "تجفيف" منابع الابتكار في قطاع الـ "Hi-Tech" الإسرائيلي.
* نزع الشرعية: الضغط الأوروبي يعمل كـ "كرة ثلج"؛ فخروج دولة بحجم إسبانيا أو إيطاليا عن السرب يشجع صناديق الاستثمار السيادية الكبرى (مثل الصندوق النرويجي) على سحب استثماراتها، مما يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال.
* التحرك الأوروبي قد يثير انتفاضة داخلية في عالم رجال الأعمال الذين يمثلون العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي.

الخاتمة: نحو نظام دولي جديد

إن ما تفعله إسبانيا اليوم يتجاوز حدود التضامن مع القضية الفلسطينية؛ إنه محاولة لإعادة صياغة الهوية الأوروبية كقوة "مبدئية" لا "تابعة".

إذا نجحت مدريد في دفع الاتحاد الأوروبي نحو تعليق اتفاقية الشراكة، فإننا سنكون أمام فجر جديد للسياسة الدولية، حيث تصبح "المصالح التجارية" خاضعة لـ "القيم الإنسانية"، وتفقد فيه إسرائيل "حصانة" تمتعت بها لعقود فوق القانون الدولي.

الرهان الذي يقوده بيدرو سانشيز يعتمد على فكرة أن "الأمن لا يتحقق بالسلاح وحده". فإذا نجحت مدريد في تحويل إسرائيل إلى "دولة منبوذة اقتصادياً" في القارة الأوروبية، فإن ذلك سيجبر النخبة الاقتصادية في تل أبيب على الضغط على المستويين السياسي والعسكري لوقف التصعيد، خوفاً من انهيار "الحلم الإسرائيلي" القائم على الاندماج في المنظومة الغربية.

بينما تمنح أمريكا إسرائيل "القدرة على الحرب"، قد تسلبها إسبانيا وأوروبا "القدرة على العيش جزءا من العالم المتقدم"، وهو ثمن قد يثبت في النهاية أنه أغلى من أي حزمة مساعدات عسكرية.

وبينما ينتظر العالم رد الفعل في بروكسل وواشنطن، تظل رسالة إسبانيا واضحة: "القيم لا تُجزأ، والشركاء الذين لا يحترمون الحياة، لا يستحقون الشراكة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا