في أحد مراكز الإيواء داخل بلدة برجا في جبل لبنان، تجلس أم حسين على مقعد مدرسي، تحدق في الفراغ وكأنها تبحث عن طريق للعودة. مرت أيام على إعلان وقف إطلاق النار، لكن شيئا لم يتغير في حياتها، فما زالت بلا منزل، وبلا وجهة واضحة.
برجا، البلدة التي تحولت خلال الحرب إلى ملاذ إنساني، استقبلت ما يقارب 30 ألف نازح، في مشهد غير مسبوق فاق عدد سكانها الأصليين. ومع توقف القتال، عاد جزء كبير من هؤلاء إلى مناطقهم، لكن آلافا آخرين بقوا عالقين، لا لأنهم لا يريدون العودة، بل لأنهم ببساطة لا يملكون ما يعودون إليه.
يقول رئيس بلدية برجا، ماجد ترو، إن أزمة النازحين كانت كبيرة جدا، موضحا أن عددهم تجاوز قدرة البلدة على الاستيعاب، حيث سجل نحو 25 ألف نازح، إلى جانب أعداد أخرى غير موثقة. ويضيف أن نحو 10% منهم ما زالوا في البلدة حتى بعد إعلان وقف إطلاق النار، في انتظار ما ستؤول إليه الأوضاع.
داخل هذه المراكز، تختلط الحكايات، لكن القلق واحد. كثير من النازحين القادمين من القرى الحدودية في جنوب لبنان، مثل عيتا الشعب و بنت جبيل وعيترون وكفركلا، فقدوا منازلهم بالكامل أو باتت مناطقهم غير صالحة للسكن، فيما لا يعرف آخرون مصير البيوت التي استأجروها قبل النزوح.
أحمد الطحش، نائب رئيس بلدية برجا ورئيس خلية الأزمة، يؤكد أن ما بين 70 و80% من النازحين عادوا إلى مناطقهم بعد الهدنة، لكن الباقين لا يزالون ينتظرون حلا. ويقول: "كثيرون لا يستطيعون العودة لأن قراهم مدمرة، وسنواصل تقديم الخدمات لهم بالزخم ذاته، فهذا أقل الواجب".
ورغم قسوة الظروف، يروي بعض النازحين جانبا مختلفا من التجربة. تقول نجوى حيدر، القادمة من بلدة صديقين، إنهم كانوا بمثابة ضيوف في برجا وليس نازحين، مشيدة بحفاوة الاستقبال، مضيفة: "أتمنى أن نرد هذا الجميل يوما ما، في ظروف أفضل".
لكن هذا الامتنان لا يلغي الخوف من المستقبل. تعود أم حسين لتطرح السؤال الأكثر إلحاحا: "فليخبرونا أين يمكن أن نعيش؟ نحن في المدرسة ولا نعلم إلى أين نذهب"، مضيفة أن كل ما تطلبه هو العودة إلى بلدتها وإعادة إعمارها، بعد أن "ضحينا كثيرا".
في زاوية أخرى من المركز، تستعيد ناديا عبد الله ذكريات منزلها في بنت جبيل. تتحدث عنه كما لو أنه لا يزال قائما، مليئا بالدفء والتفاصيل الصغيرة. تقول: "أشتاق لكل شيء هناك، لكل الذكريات الجميلة، وأتمنى أن يكون منزلي ما زال سليما".
أما رنا ناجي يونس، القادمة من الضاحية الجنوبية لبيروت، فتعيش معضلة مختلفة. كانت تقيم في منزل مستأجر قبل الحرب، لكنها اليوم تخشى العودة، متسائلة: "إذا اندلعت الحرب من جديد، أين سنذهب؟". بالنسبة لها، لم يعد النزوح حدثا طارئا، بل احتمالا دائما.
وعلى مقربة منها، تجلس زينب محمود نجم، القادمة من مدينة صور، تتحدث عن منزلها المطل على البحر. تقول بنبرة هادئة: "يمكن تعويض المنزل، لكن الإنسان إن ذهب فلا يعود"، في إشارة إلى الخسائر البشرية التي تفوق كل شيء. أكثر ما يؤلمها، كما تقول، هو غياب جيرانها، الذين لا تعرف إن كانوا بخير أم لا.
المصدر:
الجزيرة