تمتد أزمة إسرائيل داخل الولايات المتحدة من حدود الشارع واستطلاعات الرأي، وبدأت تجد ترجمتها الواضحة داخل الكونغرس نفسه، وخصوصا في الحزب الديمقراطي.
وتكشف ثلاثة تقارير نشرتها الصحافة الأمريكية أن ما كان يعد قبل سنوات قليلة موقفا هامشيا أو "متطرفا" داخل المؤسسة السياسية الأمريكية، صار اليوم أقرب إلى اتجاه آخذ في الاتساع: التشكيك في جدوى استمرار الدعم العسكري غير المشروط لإسرائيل، بل والاعتراض المتزايد حتى على تمويل منظومات كانت تعد سابقا خارج الجدل، مثل القبة الحديدية.
بحسب صحيفة نيويورك تايمز (New York Times)، يتضح التحول في المواقف تجاه إسرائيل داخل مجلس الشيوخ، حيث فشلت مساع ديمقراطية لوقف صفقات سلاح لها، لكن أرقام التصويت نفسها كشفت اتساع الشرخ داخل المعسكر المؤيد لها.
فقد صوت 40 ديمقراطيا لصالح مشروع يمنع بيع الجرافات المدرعة لإسرائيل، وصوّت 36 ديمقراطيا لصالح مشروع يمنع بيع قنابل زنة ألف رطل، وهي أرقام قالت الصحيفة إنها تزيد بنحو 12 صوتا على مواقف ديمقراطية مماثلة في محطات سابقة.
وتضيف الصحيفة أن مشاريع مماثلة كان قد طرحها بيرني ساندرز في عام 2024 وصيف عام 2025، لكن الجديد هذه المرة أن نحو ثلاثة أرباع الكتلة الديمقراطية في مجلس الشيوخ دعمت أحد المشروعين أو كليهما، بعدما كان الدعم سابقا يقترب من نصفها فقط.
وبحسب التقرير، شمل هذا التحول في الموقف أسماء مثل ماريا كانتويل، وروبن غاييغو، ومارك كيلي، وأليكس باديّا، وآدم شيف، وإليسا سلوتكين، ورون وايدن.
وفي هذا السياق، قال كريس فان هولن إن مجلس الشيوخ، إذا أراد كبح إدارة ترمب بعد "إطلاق حرب غير قانونية ضد إيران"، فعليه أيضا كبح إدارة نتنياهو التي تفعل الشيء نفسه "بأموال دافعي الضرائب الأمريكيين"، كما أوردت نيويورك تايمز (New York Times).
كذلك نقلت الصحيفة عن مارك كيلي قوله إن ما يجري "ليس عملا اعتياديا"، وإن الولايات المتحدة وإسرائيل تخوضان حربا ضد إيران "من دون إستراتيجية أو هدف واضح".
أما صحيفة إنترسبت (The Intercept)، فترى في هذا التصويت "لحظة فارقة" في علاقة الحزب الديمقراطي بإسرائيل وحكومة بنيامين نتنياهو، معتبرة أن قادة الحزب بدؤوا أخيرا يلتفتون إلى ما يريده ناخبوهم، على حد تعبير ساندرز.
ولا يتوقف التحول، بحسب موقع أكسيوس (Axios)، عند رفض القنابل والجرافات المرتبطة مباشرة بغزة ولبنان والضفة، بل امتد إلى ملف كان حتى وقت قريب شبه محرم داخل الحزب الديمقراطي وهو تمويل القبة الحديدية.
ويورد تقرير الموقع مواقف لنواب مثل جيم ماكغفرن وجاريد هوفمان ومارك بوكان، قالوا فيها إنهم لم يعودوا قادرين على دعم مزيد من المساعدات العسكرية لنتنياهو، بل إن بعضهم بات يرى أن إسرائيل "تملك ما يكفي من المال لخوض حروبها، ولا تحتاج أموالنا".
ويشير أكسيوس إلى أن هذا التحول يأتي بعد أربع سنوات فقط من تصويت 207 ديمقراطيين، إلى جانب 210 جمهوريين، لتمويل القبة الحديدية، مقابل رفض ثمانية ديمقراطيين فقط آنذاك.
يُذكر أن ألكساندريا أوكاسيو كورتيز أعلنت هذا الشهر أنها لن تصوت لتمويل إسرائيل، موضحة أن ذلك يشمل حتى السلاح الدفاعي، وأن شخصيات أخرى مثل زهران ممداني وبراد لاندر، إلى جانب منظمة جي ستريت (J Street)، سارت في الاتجاه نفسه.
نتنياهو لم يعد في هذه السجالات مجرد رئيس وزراء إسرائيلي، بل صار عنوانا مباشرا للضغط داخل معسكر الدعم الأمريكي.
وقال النائب الديمقراطي التقدمي رو خانا لموقع أكسيوس إن التحول في الرأي العام الأمريكي تجاه إسرائيل يجري بسرعة غير معهودة، لم ير شبيها لها حتى في قضايا كبرى مثل زواج المثليين، مضيفا أن الكونغرس ما يزال "مؤشرا متأخرا"، لكن هذا التغير بدأ ينعكس داخله أيضا، وإن ببطء.
وفي الاتجاه نفسه، رأى غريغ كاسار، عضو الكونغرس الديمقراطي عن ولاية تكساس، أن موقف جي ستريت الجديد من تمويل القبة الحديدية "ذو دلالة كبيرة"، فيما قالت النائبة براميلا جايابال إن كثيرين باتوا يرفضون أن "تخوض إسرائيل الحرب كلما شاءت، ثم تتوقع من الولايات المتحدة أن تحميها بأموال دافعي الضرائب".
ويوضح موقع أكسيوس أن هذا التحول لا تحركه الاعتبارات الأخلاقية والسياسية وحدها، بل ضغط انتخابي مباشر أيضا. فقد نقل عن نائب ديمقراطي من دائرة متأرجحة قوله إن القضية صارت "مشكلة" له في الانتخابات التمهيدية، وإن استياء القاعدة من الدعم الأمريكي لإسرائيل قد يؤدي إلى عزوف جزء منها عن التصويت، وهو ما قد يكون حاسما في دوائر تُحسم بفارق بضعة آلاف من الأصوات.
وفي السياق ذاته، قال النائب المؤيد لإسرائيل جاريد موسكوفيتز إن زملاءه يواجهون يوميا ضغوطا من الناخبين ومن مواقع التواصل، حيث يطالبهم الناس بتسمية ما يجري " إبادة جماعية".
ويضيف الموقع أن الحرب مع إيران رفعت منسوب هذه الضغوط، لأنها نقلت القضية من خانة السياسة الخارجية البعيدة إلى ملف ذي أثر مباشر على الناخب الأمريكي، حتى إن نائبا ديمقراطيا قال له: "هذه هي القضية الأكبر… لأن الناس يسألون: لماذا نحن في هذه الحرب؟ وكل الخطوط تقود إلى نتنياهو".
في المقابل، بقي الجمهوريون، بحسب نيويورك تايمز (New York Times) وذا إنترسبت (The Intercept)، على اصطفافهم الكامل تقريبا مع إسرائيل، إذ رفضوا جماعيا مشاريع ساندرز.
ونقلت نيويورك تايمز عن جيم ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، قوله إن هذه المشاريع من شأنها أن "تشجع" إيران وتثير الشكوك حول "موثوقية" الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
لكن ذا إنترسبت تشدد على أن المفارقة باتت داخل الحزب الديمقراطي نفسه: فقياداته التقليدية ما تزال تضم أسماء صوتت ضد وقف المبيعات، مثل تشاك شومر وريتشارد بلومنثال وكريس كونز وكيرستن غيليبراند، لكن اتجاه الكتلة ككل يتحرك بعيدا عنهم.
وتخلص الصحيفة، عبر شهادة حسن الطيب من لجنة الأصدقاء للتشريع الوطني، إلى أن ما يجري في الكونغرس ليس سوى "مؤشر متأخر" على تحولات أوسع بين الأمريكيين، وأن النواب بدؤوا يفهمون أن الاستمرار في "الشيك المفتوح" لإسرائيل قد يكلفهم انتخابيا.
وتكشف القراءات أن إسرائيل لا تفقد واشنطن دفعة واحدة، لكنها تخسر تدريجيا ثوابت الدعم التي اعتمدت عليها لعقود.
وبذلك، لم تعد المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل مجرد تراجع في الشعبية داخل الرأي العام الأمريكي، بل انتقال هذا التراجع إلى قلب المؤسسة التشريعية، حيث صار نتنياهو نفسه، لا غزة وحدها، عنوانا لتصدعات غير مسبوقة داخل معسكر الدعم الأمريكي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة