منذ ثلاثة أعوام، يغرق السودان في حرب دامية حصدت أرواح أكثر من 150 ألف شخص، ويواجه نحو 25 مليون شخص خطر المجاعة. ورغم فداحة الكارثة، لا تحظى هذه المأساة بالاهتمام الكافي في وقت تستأثر فيه أزمات أخرى باهتمام المجتمع الدولي.
وفي محاولة للتخفيف من حدة الأزمة، تسعى أطراف دولية من بينها الحكومة الألمانية إلى تعزيز الدعم الإنساني للمدنيين في السودان عبر مؤتمرات دولية مثل مؤتمر برلين الذي بدأت أعماله اليوم في العاصمة الألمانية.
وبغض النظر عن نتائج هذا المؤتمر والخلافات التي طغت عليه قبل انطلاقه، يظل المدنيون الضحية الأكبر في حرب لا تلوح لها نهاية في الأفق.
وفي هذا الإطار نشرت صحيفة زود دويتشه (Süddeutsche Zeitung) الألمانية اليسارية مقالا للكاتب آرنه بيراس بعنوان "السودان لا يكاد يعني شيئا لهذا العالم" قال فيه إن هذا المؤتمر الدولي يبعث بعض الأمل، متسائلا في الوقت نفسه عما إذا كان المجتمع الدولي سيجد فيه الإرادة والقوة الكافيتين لكبح جماح الحرب، ثم أجاب: "لا هذا لن يحدث".
ثم تتطرق الصحيفة إلى المجازر التي ارتكبت في الفاشر لتقول إن هذه المجازر الدموية التي تم رصدها حتى من الفضاء كانت متوقعة، ورغم ذلك لم تبذل أي جهة دولية أي جهود لمنعها رغم أنها قد ترتقي إلى جرائم الإبادة الجماعية.
ويختم الكاتب مقاله بالقول إن القتال مستمر ومعه اقتصاد الحرب الذي تستفيد منه الأطراف المتنازعة في وقت يغرق فيه السودان أكثر فأكثر في المعاناة، وهنا تكمن المأساة الحقيقية التي لن يتمكن مؤتمر برلين من حلها حسب قوله.
أما موقع القناة التلفزيونية الأولى تاغس شاو (Tagesschau) فاختار قصة إنسانية لتسليط الضوء على مؤتمر برلين ونشر تقريرا لمراسله في القاهرة موريس بيرنت بعنوان "ثلاث سنوات من الرعب ولا نهاية في الأفق".
وينقل المراسل قصة محاسن (ف) وهي أم لسبعة أطفال فرت في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي من مدينة الفاشر بإقليم دارفور مشيا على الأقدام.
ويسألها المراسل عن زوجها فتجيب "كل شيء أعرفه عنه أنه أصيب برصاص مليشيات الدعم السريع"، ثم يسألها عن أطفالها فتجيب "حتى ابنتي البالغة من العمر عامين أصيبت بشظية، حملتها على ذراعي وبقيت تنزف حتى ماتت. دفناها في قرية بالقرب من الفاشر وواصلنا رحلتنا".
ثم تتألم محاسن وتواصل: "رحلة النزوح كانت طويلة. من الفاشر إلى الدبة ومنها إلى الخرطوم.. بأم عيني رأيت كيف كان مقاتلو الدعم السريع يغتصبون الفتيات في الشوارع وينهبون الناس في وضح النهار".
وأضافت للمراسل أن مئات القذائف كانت تسقط يوميا، وكانت هي وأطفالها مختبئين دون طعام أو ماء لدرجة أنهم اضطروا إلى أكل علف الحيوانات.
من جانبها سلطت صحيفة دي تسايت (Die Zeit) الأسبوعية الضوء على مأساة السودان ومؤتمر برلين في مقال بعنوان "خيانة سكان الفاشر" للصحفية أرنديا بوم.
وتتهم كاتبة المقال الولايات المتحدة وبريطانيا بأنهما تجاهلتا عمدا تحذيرات من احتمال وقوع إبادة جماعية في الفاشر، وتتساءل: "ماذا فعلنا لحماية المدنيين في السودان خصوصا في مدينة الفاشر؟".
وتقول الصحيفة إنه مع سيطرة قوات الدعم السريع في أكتوبر/تشرين الأول الماضي على مدينة الفاشر وقع ما حذر منه السكان وأجهزة المخابرات وهو وقوع مجزرة قد ترتقي إلى جريمة الإبادة الجماعية، إذ قتل ما يصل إلى 10 آلاف شخص خلال 72 ساعة ولا يزال 40 ألفا في عداد المفقودين حسب المقال.
وتنقل الصحيفة عن تقارير قولها إن الولايات المتحدة وبريطانيا لم تتجاهلا التحذيرات فحسب، بل لم تتدخلا رغم المعرفة بما قد يحدث، علما بأن اتفاقية منع الإبادة الجماعية الموقعة عام 1948 تلزم الدول بالتحرك لمنع الإبادة، وأن مبدأ "مسؤولية الحماية" الصادر عن الأمم المتحدة عام 2005 يسمح بالتدخل لحماية المدنيين عند فشل الدولة المسؤولة في توفير الحماية اللازمة، لكن في حالة الفاشر لم يتم تفعيل هذه الالتزامات، كما يقول التقرير.
وبحسب الصحيفة تم تحذير المسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية من احتمال وقوع جرائم حرب، لكن الخارجية الأمريكية قللت من أهمية هذه التحذيرات.
وتخلص الصحيفة إلى القول "رغم الجهود الدبلوماسية الجديدة -في إشارة إلى مؤتمر برلين- تبدو فرص إحداث تقدم ضعيفة في وقت تزدحم فيه أجندة السياسة الدولية بالحروب".
ويختم المقال بالتأكيد "حتى لو تجاهل العالم كله هذه الكارثة، فإنها موجودة وما يطلبه ضحاياها -مثل محاسن (ف) وغيرها- هو على الأقل أن ننظر إليهم لأن النظر إلى الضحايا هو الحد الأدنى من الواجب الإنساني".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة