آخر الأخبار

بين الفشل الاستخباري وأوهام النصر.. لماذا تتكرر المفاجآت بحروب إسرائيل؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

تتزايد في إسرائيل خلال الأسابيع الأخيرة الأصوات التي تحذر من اتساع الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن "إنجازات كبرى" و"نصر متحقق"، وبين واقع ميداني أكثر تعقيدا يكشف استمرار قدرة الخصوم على الصمود، وإعادة تنظيم صفوفهم، وفرض أثمان متواصلة على الجبهة الداخلية الإسرائيلية.

ولا تقتصر هذه المراجعات على الأداء العسكري المباشر، بل تمتد إلى جوهر المنظومة الاستخبارية والسياسية التي تبني عليها إسرائيل قرارات الحرب وتقديرات الحسم، فمن إيران إلى لبنان، ومن قبل ذلك في غزة، يتكرر النمط ذاته.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 تلغراف: هدنة ترمب وإيران انتصار أميركي بثغرة نووية
* list 2 of 2 صحيفة تركية: هل تنهي الهدنة خطر البرنامج النووي الإيراني؟ end of list

نمط مرتبط بتقديرات متفائلة بشأن الردع، ومبالغة في قياس الضرر الذي أصاب الخصم، وافتراض أن الضربات القاسية ستؤدي سريعا إلى انهيار الإرادة المعادية أو إسقاط النظام أو فرض تسوية بشروط إسرائيلية.

لكن الوقائع، مرة بعد أخرى، تسير في اتجاه مختلف، وتكشف أن ما يُقدَّم للجمهور باعتباره نصرًا ليس بالضرورة سوى صورة سياسية وإعلامية مؤقتة، سرعان ما تتآكل تحت ضغط الميدان.

مصدر الصورة محللون إسرائيليون يقولون إن الوقائع لا تسند فكرة النصر التي يروج لها نتنياهو (الفرنسية)

خطاب نصر؟

ويقول الكاتب البارز في صحيفة يديعوت أحرونوت ناحوم برنياع، في مقاله، إن الوقائع لا تسند فكرة "النصر العظيم"، الذي يروّج له، لأن إسقاط طائرات، واستمرار قدرة الخصم على إصلاح منظوماته والرد بالصواريخ والمسيّرات، كلها مؤشرات تناقض الاحتفالات السياسية.

وبحسب برنياع، المشكلة لا تكمن فقط في الأداء العسكري، بل أيضا في طبيعة القيادة السياسية التي تستبدل بالتقييم الموضوعي خطابا تعبويا موجّها للجمهور.

ويعتبر أن الحرب لم تعد مجالا لإدارة عقلانية للمخاطر، بل تحولت إلى منصة لإنتاج الوهم وإيحاءات بحسم قريب، واحتفاء بنتائج ينافيها الواقع.

وتكتسب ملاحظة برنياع أهمية كبرى حين يربطها بمسألة أعمق وهي عجز الاستخبارات والسياسة عن التنبؤ بانهيار الأنظمة أو صمودها.

إعلان

فإسرائيل، مثل غيرها، أخطأت في تقدير مصير النظام السوري، وأخطأت في قراءة قدرتها هي نفسها على تجاوز صدمة 7 أكتوبر سياسيا.

تقدير استخباري خاطئ

الخلاصة التي وصل إليها برنياع تعالجها خبيرة الأمن القومي شيرا بارابيباي شاحام في مقال نشرته يديعوت أحرونوت من زاوية استخبارية أكثر تخصصا، إذ إنها ترى أن الإخفاق ليس حادثة منفصلة، بل نمطا متكررا وهو عبارة عن مبالغة في تقدير الردع الإسرائيلي، ومبالغة في تقدير حجم الضرر الذي يلحق بالعدو بعد كل جولة قتال.

ومن هذا المنظور، فإن المفاجآت التي ظهرت في سلوك حزب الله، كما في صمود النظام الإيراني، لا تُفهم باعتبارها استثناءات، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لخلل منهجي في التقييم.

وتضيف أن الأجهزة الإسرائيلية لا تخطئ فقط في فهم قدرات الخصم، بل تخطئ أيضا في فهم نواياه، وفي تقدير المدة التي يحتاجها لاستعادة قدراته، وفي قياس أثر الضربات على قراره السياسي والعسكري.

المفاجآت التي ظهرت في سلوك حزب الله، كما في صمود النظام الإيراني، لا تُفهم باعتبارها استثناءات، بل باعتبارها نتيجة مباشرة لخلل منهجي في التقييم الإسرائيلي

وهنا تتبدى المفارقة الأخطر: كل جولة قتال تُسوَّق داخليا باعتبارها إنجازا رادعا، لكن الجولة التالية تكشف أن الردع كان أضعف مما قيل، وأن العدو استعاد جزءا كبيرا من قدرته بسرعة أكبر مما قُدّر، وهذا ما حدث قبل 7 أكتوبر مع حركة حماس، وما يتكرر مع حزب الله بعد حرب 2024، وما يظهر أيضا في حرب إيران.

وما يجمع هذه الحالات هو الميل إلى قراءة الخصم من زاوية الرغبة الإسرائيلية لا من زاوية منطقه الداخلي، أي بمعنى أن إسرائيل افترضت أن خصومها سيتصرفون وفق كلفة الخسائر والتكلفة العالية التي تعرضوا، بينما هم يتصرفون وفق عقيدتهم وشبكاتهم التنظيمية، وقدرتهم على امتصاص الألم، وحساباتهم طويلة الأمد.

لذلك تدعو شاحام مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي إلى تخصيص فرق تحقيق وتعلم للتعامل مع تشخيص أسباب الفشل المستمر، ونظام المفاهيم الخاطئة، ثم تطوير آليات تقييم أكثر تواضعا ودقة، ناهيك عن سيناريوهات متشائمة تميل إلى "الأسوأ" وليس "الأفضل".

مصدر الصورة نتنياهو وحلفاؤه وبينهم بن غفير يكررون أن كل أهداف إسرائيل من الحرب تتحقق (رويترز)

معضلة الإستراتيجية

أما المحلل العسكري في صحيفة هآرتس عاموس هارئيل، فيضيف بُعدا ثالثا لا يقل أهمية وهو أنه حتى تحقق القوة الجوية والضربات المركزة نجاحا تكتيكيا كبيرا، فإن تحويل هذا النجاح إلى نتيجة إستراتيجية يظل معضلة قائمة لأن الهجمات ضد إيران قد تكون أضعفت البنية القيادية وألحقت أضرارا واسعة، لكنها لم تدفع النظام إلى المرونة أو الاستسلام، بل ربما جعلته أكثر تصلبا وعنادا.

وفي هذا السياق، يبدو أن الحرب لا تُنتج ما وعد به خطابها التمهيدي، إذ بدل أن تؤدي الضغوط إلى كسر الإرادة الإيرانية، فهي تدفع النظام إلى مزيد من التشدد.

وبدل أن تمنح إسرائيل شعورا بالأمان، تتفاقم الخسائر على الجبهة الداخلية، ويظهر محدودية مخزون صواريخ الاعتراض، وتتوسع الفجوة بين صورة التفوق العسكري وصعوبة فرض نتائج نهائية على الخصم.

إعلان

ولخّص هارئيل حالة النظام الإيراني بأنه "نظام أضعف لكنه أكثر شرا وأكثر تطرفا" والذي عبر عن مأزق القوة: القدرة على الإيذاء لا تعني القدرة على إخضاع الخصم.

يصبح الحديث عن "الضربات الحاسمة، والعصر الحجري، وكسر الأعداء، والقوة العالمية" كأداة لإدارة الرأي العام وامتصاص حالة الغضب واليأس بقدر ما هو وصف للواقع

تعويض الفشل بالخطابات

ولا تقف تداعيات هذه الإخفاقات عند حدود التقدير الأمني، بل تمتد إلى المجال السياسي والإستراتيجي الداخلي، فعندما تُبنى قرارات الحرب على فرضيات متفائلة إلى مستويات الأمنيات الشخصية، ثم يتبين أنها غير دقيقة، تجد القيادة الإسرائيلية نفسها مضطرة إلى تعويض الفجوة عبر تصعيد الخطاب، أو تأجيل الحسم السياسي، أو تصدير روايات نصر زائف لتخفيف الضغط الداخلي.

وهنا يصبح الحديث عن "الضربات الحاسمة، والعصر الحجري، وكسر الأعداء، والقوة العالمية" كأداة لإدارة الرأي العام وامتصاص حالة الغضب واليأس بقدر ما هو مخالف للواقع، لكن المشكلة أن هذا الأسلوب يراكم فجوة خطرة بين توقعات الجمهور وبين ما تستطيع المؤسسة السياسية ومن خلفها العسكرية تحقيقه فعلا.

وقد ظهر ذلك بوضوح في غزة ولبنان وإيران فالفجوة بين الأماني الشخصية ضمن حملات الدعاية الانتخابية وإعادة ترميم الصورة المرتبطة بفشل 7 أكتوبر عبر الخطابات والتصريحات النارية، تصطدم بواقع يستنزف كل شيء في الجبهة الداخلية.

تبدو إسرائيل أمام معضلة أعمق من نتائج معركة بعينها: معضلة فهم حدود القوة، وحدود الاستخبارات

وبهذا لا يصبح الفشل الاستخباري مجرد خطأ مهني، بل يتحول إلى عامل يولد ارتباكا إستراتيجيا، ويضع القيادة السياسية أمام مأزق مزدوج: عجز عن الحسم، وعجز عن الاعتراف بحدود القوة في الوقت نفسه.

ومن ثم، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في إسرائيل ليس فقط: لماذا لم يتحقق النصر الكامل؟ بل أيضا: لماذا تصر المؤسسة السياسية والأمنية على تعريف النصر بطريقة لا يثبتها الميدان؟

وبين الفشل في التقييم وأوهام الحسم، تبدو إسرائيل أمام معضلة أعمق من نتائج معركة بعينها: معضلة فهم حدود القوة، وحدود الاستخبارات، وحدود القدرة على تحويل التفوق العسكري إلى استقرار سياسي وإستراتيجي دائم.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا