صيدا- لم تنم أمّ علي ليلتها، ليس بفعل ضجيج القاعة المكتظة في مركز الإيواء في صيدا، ولا بكاء الأطفال المتقطع، بل بسبب السؤال الذي ظل يتردد في ذهنها بلا إجابة: هل انتهت الحرب حقا أم أنها لم تبدأ بعد بالنسبة لنا؟
وتجلس الأم المتعبة إلى جانب أطفالها، تتابع الأخبار بصمت، وتبحث بين العناوين عن إشارة تطمئنها، وحين تُسأل عمّا تنتظره، تختصر كل شيء بالقول "كنّا ننتظر هدنة لكن عندما سمعنا أن لبنان خارجها، شعرنا أن الحرب ما زالت طويلة".
في هذا المركز، لا يبدو الانتظار مجرد وقت عابر بل حالة يومية ثقيلة تتسلّل إلى التفاصيل الصغيرة، تتكرر الأسئلة على ألسنة النازحين: هل نحن مشمولون بالهدنة؟ هل يمكن أن نعود إلى بيوتنا؟ أم ستتّسع الحرب أكثر؟
وبين تضارب الأخبار وتصاعد الغارات، يتشكل شعور عام يصعب تبديده، وتوجس من يوم غير واضح المعالم.
وهناك في زاوية الملعب، يتجمّع عدد من الشبان حول شاشة صغيرة، يتابعون نشرات الأخبار بتركيز، ويقول أحدهم يدعى أحمد بنبرة حذرة للجزيرة نت "نسمع عن مفاوضات لكنْ على الأرض لا شيء تغيّر".
وهذا التباين بين الخطاب السياسي والواقع الميداني يخلق فجوة نفسية واضحة، يعيش فيها النازحون بين أمل مؤجّل وخوف دائم.
ولا يمكن فصل هذا القلق عن طبيعة صيدا نفسها، المدينة التي تُعرف تاريخيا بأنها "بوابة الجنوب"، حيث تمر عبرها طرق النزوح وأيضا طرق العودة المؤجّلة، فهي نقطة الوصل بين القرى الحدودية وبيروت، ما جعلها في قلب موجات النزوح منذ الأيام الأولى للتصعيد.
واليوم، لا تستقبل صيدا النازحين فحسب، بل تحتضن ثقل الحرب بكل تفاصيلها. ووفق بيانات بلدية المدينة، تجاوز عدد النازحين داخل مراكز الإيواء الرسمية 13 ألف شخص موزعين على 26 مركزا، فيما يرتفع العدد إلى أكثر من 25 ألفا عند احتساب من لجؤوا إلى المنازل والأحياء السكنية.
وفي هذا المشهد، تحاول البنية التحتية التكيّف مع واقع يتجاوز قدرتها، بينما تعيش صيدا بين حدّين متناقضين: ملاذ مؤقت من جهة، و"محطة انتظار" طويلة من جهة أخرى. لا تؤدي المدينة دورها الجغرافي فحسب بل تتحول إلى مساحة تستقبل الجنوب بأكمله دون أن تملك جوابا واضحا عن سؤال العودة.
وتعمّق القلق مع الإعلان الإسرائيلي الرسمي استثناء لبنان من وقف إطلاق النار، رغم تقديرات سابقة رجّحت احتمال تمدد التهدئة إقليميا. وفي ظل هذا الغموض، كشف مصدر للجزيرة نت أن بيروت لم تتوصل رسميا بأي تفاصيل تتعلق بالاتفاق المعلن بين واشنطن وطهران، ما يترك المشهد مفتوحا على احتمالات متناقضة.
وأشار المصدر إلى أن الرئيس اللبناني جوزيف عون، كثّف اتصالاته الدولية في محاولة لضم لبنان إلى مظلة التهدئة، شملت تواصلا مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وعدد من المسؤولين الدوليين.
وميدانيا، تعكس الساعات الماضية حالة ترقّب مشوبة بالحذر، إذ تشير المعطيات -حتى صباح اليوم الأربعاء- إلى صمت لافت من حزب الله، مع غياب أي بيان عسكري جديد منذ أمس الثلاثاء.
ويأتي هذا الصمت بعد يوم شهد وتيرة عمليات مرتفعة، حيث أُعلن -يوم أمس- عن تنفيذ 87 عملية عسكرية استهدفت مواقع إسرائيلية، في مؤشر على تباين الإيقاع بين الميدان والسياسة، واتساع مساحة الانتظار على وقع غموض المسار الإقليمي.
واليوم الأربعاء شنت إسرائيل غارات عنيفة على لبنان شملت بيروت والضاحية، ما أدى لسقوط مئات القتلى والجرحى.
ويقول أبو أحمد، وهو نازح من الجنوب "ببساطة، لسنا ضمن أي حماية. الحرب ما زالت علينا ونحن من يدفع الثمن".
مع استمرار الغارات جنوبا وامتدادها إلى مناطق أوسع، يتملك الناس الشعور بأن فكرة العودة لبيوتهم ليست وشيكة.
وعلى الأرض، تبدو الرسائل أكثر وضوحا وقسوة، التهديدات الإسرائيلية المتجددة بالإخلاء، خصوصا في مناطق قضاء صور ومحيطها، لا تُقرأ فقط كإجراء عسكري، بل كإشارة مباشرة إلى أن العودة إلى القرى الجنوبية ما زالت بعيدة.
كما أن استهداف مناطق قريبة، بالتوازي مع الغارات وسقوط ضحايا، بينهم عناصر من فرق الإسعاف، يعزّز هذا الانطباع، فكل تصعيد ميداني جديد يتحول إلى رسالة إضافية للنازحين "الطريق إلى المنازل ما زال مغلقا".
وبذلك، يجد من كان يفكر بالعودة نفسه أمام واقع مختلف تماما، حيث يصبح البقاء في النزوح خيارا مفروضا، لا قرارا مؤقتا.
وفي موازاة ذلك، يُراقب النازحون غياب موقف حاسم من الداخل اللبناني، سواء على المستوى الرسمي أو من قبل حزب الله، تجاه مسار الهدنة أو احتمالات التهدئة.
وينعكس هذا الغموض مباشرة على المزاج العام داخل مراكز الإيواء، حيث لا يملك الناس ترف تحليل المسارات السياسية، لكنهم يتأثرون بنتائجها اليومية.
وفي المشهد اللبناني، يتبدّى الانقسام كخطين متوازيين لا يلتقيان بسهولة: مسار رسمي يراهن على التفاوض كمدخل لاحتواء الأزمة، وآخر يضع وقف إطلاق النار شرطا أوليا لأي نقاش سياسي. وبين هذين الخيارين، يظلّ الميدان هو الكلمة الفصل، مفتوحا على احتمالات التصعيد، ومُحمّلا بهواجس مرحلة لا تزال ملامحها غير مكتملة.
وفي مراكز الإيواء، لا يُقاس أثر هذه التطورات بلغة السياسة، بل بتفاصيل الحياة اليومية؛ الأطفال يطرحون السؤال نفسه مرارا: "متى نعود؟" لكنّ الإجابة غالبا ما تكون صمتا.
وهذا الصمت، بالنسبة لكثيرين، أكثر قسوة من الأخبار نفسها. ويصف أبو خليل ذلك قائلا للجزيرة نت "لسنا فقط ننتظر نهاية الحرب، نحن ننتظر أن نفهم ما الذي يحدث؟ هذا الغموض، أكثر من القصف، يعمّق الإحساس بعدم الأمان".
وبينما تستمر السياسة في رسم مساراتها المعقّدة، يبقى هؤلاء في مكان آخر تماما؛ حيث لا تُقاس الأمور بالاتفاقات، بل بقدرتهم على النوم ليلة واحدة دون خوف.
إسرائيل شنّت غارة فجر اليوم الأربعاء على صيدا أسفرت عن 8 شهداء و22 جريحا (الجزيرة)الرجال يراقبون الأخبار لمعرفة ما إذا كانت الهدنة ستشمل لبنان (الجزيرة)النساء في مراكز الإيواء يواصلن حياتهن وسط تضاؤل الأمل في العودة (الجزيرة)النازحون يقضون وقتهم بقلق وترقُّب في مراكز الإيواء بانتظار قرار هدنة لبنان (الجزيرة)إسرائيل قصفت مدينة صيدا فجر اليوم وكأنها تؤكد استثناء لبنان من التهدئة (الجزيرة)يعيش النازحون بين أمل مؤجل للعودة إلى مناطقهم وخوف دائم من استمرار النزوح (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة