آخر الأخبار

لا نفط رخيصا للصين.. الهدف "الخفي" للحرب الأمريكية على إيران

شارك

"يمكن للعالم أن يتعايش بل وأن يستفيد من سوق بديل للنفط الرخيص، لكن الولايات المتحدة وحدها لا يمكنها قبول هذا الوضع".

دعونا نبدأ بما يعرفه الجميع قبل أن نتطرق لما لا ينتبه إليه الكثيرون. في نهاية فبراير/شباط الماضي بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل حربا على إيران بلا أفق واضح أو أهداف محددة ظاهريا، وعلى وقع القصف الأمريكي والإسرائيلي المكثف قرر الحرس الثوري الإيراني إغلاق مضيق هرمز عمليا (تقول إيران إنها تمنع سفن الدول المعتدية من العبور لكن أجواء الحرب تخلق إحجاما في حركة الشحن)، فارتفعت أسعار النفط والغاز حول العالم، حيث قفزت أسعار النفط من 70 دولارا قبل بداية الحرب مباشرة إلى قرب 110 دولارات لخام برنت في وقت كتابة هذا التقرير، مع توقعات بملامسة الأسعار حاجز 150 دولارا وربما أكثر إذا استمرت الحرب.

تنبع أهمية مضيق هرمز من مرور ما يقرب من 20% من النفط العالمي عبره، بالإضافة إلى 20% من الغاز المسال، وهو بذلك يعد أحد أهم نقاط الاختناق الجيوسياسية في منظومة الطاقة العالمية، إذ يشكل المسار الأساسي لعبور النفط والغاز المسال من الخليج إلى مصانع العالم في شرق وجنوب شرق آسيا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 “الردع المتبادل”.. إيران تستهدف ديمونة ردا على قصف “نطنز”
* list 2 of 2 "الفارسية" ضد "ولاية الفقيه": لماذا يحرض المهجر الإيراني على الحرب؟ end of list

بشكل أكثر تفصيلا، تشير بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية إلى أن المضيق يمر به 21 مليون برميل من النفط يوميا، وتظهر البيانات أن 85%-90% من النفط المار عبر المضيق يتجه إلى الأسواق الآسيوية، وبالأخص الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان، ما يجعل تلك الاقتصادات الآسيوية أكثر حساسية لأزمة الطاقة الحالية. وتعتمد اليابان على النفط القادم من الخليج بنسبة 90%، وكذلك كوريا الجنوبية التي تحصل على 70% من وارداتها النفطية من الشرق الأوسط، أما الصين فتحصل على ما يقارب نصف وارداتها النفطية من منطقة الخليج.

لا شك أن الولايات المتحدة على دراية بهذا الترابط بين نفط الخليج وأسواق آسيا، وأنها تعرف كيف ستؤثر حرب طويلة في المنطقة على منظومة الطاقة العالمية وعلى العالم كله، مما يؤدي لارتفاع التضخم في الولايات المتحدة وحول العالم إن استمرت الحرب لفترة طويلة، أو في حال لغمت إيران المضيق كي تمنع عبور السفن فيه لفترة أطول من فترة الحرب.

إعلان

ولكن الولايات المتحدة تراهن هنا على استراتيجية طويلة الأمد من أجل إعادة فرض هيمنتها على سوق الطاقة، ليس بوصفها أكبر منتجي النفط وأحد أكبر منتجي الغاز عالميا فحسب، بل وعن طريق التحكم في النفط الرخيص المتجه إلى الصين سواء من إيران أو من فنزويلا. في غضون ذلك، سعت واشنطن لرفع أسعار توريد النفط الروسي للصين برفع أجزاء من العقوبات على روسيا (ما يوفر لروسيا مشترين بديلين بأسعار أفضل)، حيث سمحت واشنطن مؤقتا ببيع أو نقل شحنات النفط الروسي الموجودة في البحر، في خطوة تهدف إلى تقليل الضغط على سوق النفط العالمي، وتجنب حدوث نقص في الإمدادات العالمية للطاقة.

الأكثر من ذلك أن واشنطن أعلنت رفعا مؤقتا للعقوبات عن النفط الإيراني العالق على متن الناقلات من أجل إتاحة وصول الإمدادات إلى آسيا والتحكم في الأسواق. يعني ذلك المزيد من النفط للاقتصادات الآسيوية المتعطشة وعلى رأسها الصين ولكن بأسعار أعلى، وهو ما يقودنا إلى واحد من الأهداف الخفية لتلك الحرب وهو حرمان الصين من النفط الرخيص الذي يتدفق إليها من السوق الموازية التي خلقتها العقوبات الأمريكية.

حرب اقتصادية أيضا

منذ منتصف القرن العشرين ارتبط استقرار أسواق الطاقة العالمية، وبالأخص سوق النفط، بالدور السياسي والاقتصادي والعسكري الذي تبوَّأته الولايات المتحدة كقوة عظمى مهيمنة بعد الحرب العالمية الثانية. ولم يكن النفط يوما مجرد سلعة استراتيجية، بل عنصرا أساسيا في بنية النظام الاقتصادي العالمي، ولعبت الولايات المتحدة الدور الأساسي في ضمان تدفقه من مناطق الإنتاج إلى الأسواق الصناعية الكبرى عبر التحالفات السياسية والحروب والانتشار العسكري، بل ومن خلال بناء المؤسسات الاقتصادية الدولية لتداول الطاقة.

لم تكن الولايات المتحدة بدعا من القوى الكبرى في هذا النهج، فلطالما كان الاقتصاد السياسي للإمبراطوريات مرتبطا بتأمين السلع الاستراتيجية وحماية طرق التجارة. سرت تلك القاعدة على الإمبراطورية البريطانية وعلاقتها بالقطن، وقبلها على الهولنديين والبرتغاليين وعلاقتهما بتجارة التوابل في القرنين السابع عشر والثامن عشر. واليوم تمتلك الولايات المتحدة طموحا للهيمنة على أسواق الطاقة العالمية من جديد، وتمثل الحرب الحالية فرصتها لتحقيق أهداف استراتيجية طويلة المدى في صراعها مع الصين.

مصدر الصورة خريطة مضيق هرمز (الجزيرة)

لا شك أن أسواق الطاقة ستتعرض على المدى القصير لهزة عنيفة نتيجة توقف الملاحة في هرمز، لكن الولايات المتحدة تراهن على قدرة الاحتياطيات النفطية للدول الكبيرة، ومنها المخزون الاستراتيجي الأمريكي، على تعويض الفارق وامتصاص الصدمات السعرية في حال لم تطل الحرب أكثر من اللازم. في غضون ذلك، تستفيد الولايات المتحدة أيضا من طفرة الأسعار، وخاصة شركات النفط الصخري الأمريكية، وهي من أكبر داعمي الرئيس ترمب.

لكن الهدف الأمريكي الأهم على المدى الطويل يتعلق بالسيطرة على تدفقات النفط الرخيص إلى الصين، الذي يعتقد الأمريكيون أنه يمثل ميزة نسبية كبيرة لبكين في ظل الحرب التجارية الحالية، كما أن هذا النفط يمكن استخدامه لاحقا ورقة تفاوضية في ملفات أخرى مثل هيمنة الصين على قطاع الطاقة المتجددة، وبالأخص هيمنتها على المعادن الأرضية النادرة.

"النفط في الحرب الحالية ورقة تفاوض تسعى الولايات المتحدة لإعادة امتلاكها بعد أن أدت العقوبات إلى نزوح 3 من كبار منتجي النفط والغاز، روسيا وإيران وفنزويلا، نحو بيع منتجاتهم بأقل من السعر العالمي للصين".

النفط في الحرب الحالية إذن ورقة تفاوض تسعى الولايات المتحدة لإعادة امتلاكها بعد عقود من سياسات العقوبات، التي أدت لنزوح 3 من كبار منتجي النفط والغاز، روسيا وإيران وفنزويلا، نحو بيع منتجاتهم بأقل من السعر العالمي للصين. وقد نشأ هذا السوق الموازي لتداول النفط بفعل العقوبات الأمريكية، وهي استراتيجية أعيد استخدامها خلال السنوات الماضية في كثير من القطاعات لمعاقبة الصين نفسها.

ورقة النفط الرخيص

من هذا المنظور، يمكن النظر إلى الحرب على إيران على أنها خطوة مكملة للعملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا مطلع العام الحالي، إذ إن كليهما جزء من سياسة أمريكية أوسع لإعادة تشكيل شروط تداول الطاقة عالميا، وهو شيء يبدو للوهلة الأولى غير متسق مع كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم، ناهيك عن تحالفاتها الصلبة مع كبار منتجيه في الخليج.

إعلان

غير أن معالم الاتساق تبدأ في الظهور عندما ننظر إلى أهداف الولايات المتحدة الأعمق، وعلى رأسها السيطرة على البنية المؤسسية التي تحكم عمليات إنتاج ونقل وتداول النفط حول العالم. وتشمل تلك البنية المؤسسية النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار في تجارة النفط، والتأمين البحري، وخدمات الشحن، وقدرة الوصول للموانئ، وشرعية العقود النفطية للدول والكيانات الخاضعة للعقوبات الأمريكية.

مصدر الصورة الصين أكبر مستورد للنفط الإيراني (تصميم خاص – الجزيرة)

لا تحتاج واشنطن أن تمتلك النفط الإيراني أو الفنزويلي بشكل مباشر، بل كل ما عليها فعله هو أن تمارس نفوذا واضحا يجعل بيعه للصين بأسعار مخفضة صعبا، ومن ثم ترتفع تكلفته على الصين، وهذا ما تؤكده وزارة الخزانة الأمريكية دائما عبر استهدافها لما تسميه "أساطيل الظل"، وهي سفن تنقل النفط المحاصر بالعقوبات إلى الصين، إذ تسعى الوزارة إلى رفع كلفة التهرب من العقوبات الأمريكية، وتقليص الإيرادات الصافية لكل برميل مباع من قبل هؤلاء المصدرين. ولكن تكثيف العقوبات لم يكن ذا أثر كبير، فقد بقيت الصين تعتمد على نفط رخيص من الدول الخاضعة للعقوبات، وتشير التقديرات إلى أن الخصم على كل برميل يمكن أن يصل إلى 10-20 دولارا أقل من السعر العالمي.

يتم توريد هذا النفط لشركات ومصافي نفط صينية لا تتعامل بالأساس مع الولايات المتحدة، عبر ترتيبات لوجستية معقدة تشمل إنشاء شركات وسيطة لتجنب العقوبات، ونقل النفط في عرض البحر من سفينة لسفينة أخرى، وتغيير أعلام ناقلات النفط، وغالبا ما تمر تلك الشحنات عبر شركات وسيطة في الإمارات وماليزيا وغيرهما من الدول، حيث يمكن إعادة تصنيف الشحنات قبل أن تصل للمشتري النهائي. وقد أصبحت تلك الشبكات غير الرسمية لتداول النفط أهم مع تزايد وتيرة العقوبات الأمريكية، حيث تشير التقديرات إلى أن الصين وحدها تستورد ما يقرب من 2.6 مليون برميل يوميا من النفط الخاضع للعقوبات، وهو ما يعني عمليا أن ما يقرب من 21-22% من الواردات الصينية النفطية يأتي من هذا السوق، وبأسعار أقل كما أسلفنا.

"الصين تستورد ما يقرب من 2.6 مليون برميل يوميا من النفط الخاضع للعقوبات، ما يعادل 22% من وارداتها النفطية".

يمكن للعالم أن يتعايش مع وجود هذا السوق الموازي، بل بالعكس يمكن أن يلعب ذلك أدوارا إيجابية في استقرار أسعار الطاقة، لأنه دائما ما يكون هناك نفط معروض للبيع بسعر أرخص. ولكن أمريكا وحدها لا يمكنها التعايش مع ذلك الوضع، وبالأخص مع الحجم المتزايد للمشتريات الصينية من هذا السوق منذ عام 2022 وبداية الحرب الروسية الأوكرانية، إذ إن بكين تستخدم تلك الثغرة في مراكمة الاحتياطات الاستراتيجية من النفط. وكما تشير الأرقام، ارتفع الاحتياطي الاستراتيجي الصيني من البترول ليصل إلى ما بين 900 مليون – 1.3 مليار برميل على اختلاف التقديرات، وهي كمية تعادل الاحتياطي الاستراتيجي للولايات المتحدة مرتين ونصفا إلى ثلاث مرات.

واشترت الصين عام 2025 ما يقرب من 1.38 مليون برميل يوميا من النفط الإيراني، وهو ما يعادل 80% من الصادرات النفطية البحرية لإيران، وما يقرب من 13% من الواردات النفطية البحرية للصين. أما فنزويلا فقد استوردت منها الصين في العام نفسه 394 ألف برميل نفط يوميا، وهو ما يعادل 4% تقريبا من الواردات النفطية للصين، مما يعني أن البلدين (إيران وفنزويلا) يشكلان حوالي 17% من واردات النفط الصينية. وفي المجمل تشير تقديرات مركز دراسات الطاقة بجامعة كولومبيا الأمريكية إلى أن الصين استوردت عام 2025 نحو 2.6 مليون برميل نفط خاضع للعقوبات بما في ذلك النفط الروسي، وهو ما يمثل 22% من واردات الصين النفطية.

إعلان

تهدف الحرب الحالية جزئيا إلى فرض واقع جديد على تلك الواردات النفطية الرخيصة للصين، والتي سمحت لها بقوة أكبر في سوق الطاقة العالمي، ليس فقط لأنها أكبر مستهلك للنفط في العالم، وكذلك أكبر مستورد له، ولكن لأنها الوحيدة التي أمكنها تحدي العقوبات الأمريكية بل إنها استفادت منها، ومن ثم فإن إعادة هيمنة الولايات المتحدة على أسواق النفط ضرورة أمريكية في ظل التنافس مع الصين.

مصدر الصورة ناقلة نفط تُوجّه إلى رصيف في ميناء تشينغداو، بمقاطعة شاندونغ شرقي الصين – مارس 2026 (الفرنسية)

نجحت الصين في الاستفادة ببراعة من ذلك النظام المزدوج لتداول النفط ورغم أنه كان مصمما لرفع تكلفة استيراد النفط من الدول الخاضعة للعقوبات والإضرار بها ماليا، فإن الصين استفادت على المدى الطويل لأنها في النهاية أكبر اقتصاد صناعي في العالم، وبالتالي حينما تحصل على طاقة أرخص من منافسيها لمدة طويلة، فإنها تكتسب ميزة في القطاعات الصناعية، وبالأخص القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وهي ميزة ضرورية في اقتصاد قائم بالأساس على التصنيع من أجل التصدير.

"حين تحصل بكين على طاقة أرخص من منافسيها لمدة طويلة، فإنها تكتسب ميزة في القطاعات الصناعية، وبالأخص القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة".

في المقابل، لم تكن العقوبات استراتيجية ناجحة في تأمين المصالح طويلة المدى للولايات المتحدة في صراعها مع الصين، ولذلك تحاول واشنطن الآن استغلال النفط من دول مثل روسيا وإيران وفنزويلا للضغط على الصين، وتحويل ميزة الأسعار المنخفضة إلى ورقة تفاوضية في لعبة القوة المستمرة مع بكين.

ورقة المعادن النادرة

ليس النفط وحده ساحة الصراع بين الولايات المتحدة والصين اليوم. فالصراع ممتد على جبهات اقتصادية وتكنولوجية أعقد، لكن النفط ما زال سلاحا جيدا في يد الولايات المتحدة، على الأقل في المستقبل القريب. وتسعى الصين بدورها للتحوط ضد تلك الاستراتيجية الأمريكية بكل الطرق، وربما يفسر ذلك جزئيا مفارقة أن الصين هي أكبر مستهلك للفحم في العالم، وفي الوقت نفسه أكبر منتج للطاقة المتجددة في العالم، إذ إنها تريد في النهاية ضمان أمنها الطاقي بطرق متعددة، وتقليل الهشاشة أمام تقلبات أسعار النفط وفي مواجهة استغلال الولايات المتحدة لهيمنتها على أسواق الطاقة.

يشهد مزيج الطاقة الصيني بالفعل تحولا تدريجيا ملحوظا نحو مصادر متجددة، ففي عام 2024 بلغت نسبة الطاقة المتجددة حوالي 19.7%، وارتفعت في السنة التالية إلى 21.7% بحسب تقارير حكومية صينية. وتبدو الطاقة المتجددة أكثر هيمنة في قطاع الكهرباء، حيث وصلت القدرة المركبة للطاقة المتجددة إلى نحو 1.89 تيرا واط بنهاية عام 2024، أي 56% من إجمالي القدرة المركبة وفقا لبيانات الإدارة الوطنية للطاقة في الصين. وهناك فارق بالطبع بين القدرة المركبة، وهي مؤشر اسمي لقدرة الشبكة على توليد الطاقة المتجددة، والطاقة المنتجة فعليا، التي تقول التقديرات إنها تبلغ حوالي 35% من إجمالي الكهرباء المنتجة في الصين عام 2024.

هذا التوسع الكبير في الاعتماد على الطاقة المتجددة، يرتبط من جهة بجهود خفض الانبعاثات التي التزمت بها بكين، لكنه يرتبط بأمنها الطاقي في الوقت ذاته. إذ تدرك الصين أن اعتمادها على واردات النفط، التي تمر عبر نقاط اختناق عالمية مثل مضيقي هرمز وملقا، يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الجيوسياسية وتقلبات الأسعار التي تتبعها.

"لا تسعى الصين فحسب لأن تصبح أكبر منتج للتكنولوجيا النظيفة في العالم، بل تحاول أيضا إعادة تشكيل هيكل اقتصادها بحيث يصبح أقل اعتمادا على الأسواق الخارجية للطاقة".

ولا تسعى الصين فحسب لأن تصبح أكبر منتج للتكنولوجيا النظيفة في العالم، بل تحاول أيضا إعادة تشكيل هيكل اقتصادها بحيث يصبح أقل اعتمادا على الأسواق الخارجية للطاقة. ويعني ذلك أن أمن الطاقة في الصين، الذي يفهم بوصفه القدرة على تأمين إمدادات النفط والغاز من الخارج، أصبح يعرف بشكل متزايد بوصفه القدرة على تقليل الحاجة للإمدادات الخارجية للطاقة من الأساس، وذلك عبر توسيع قاعدة الطاقة المحلية منخفضة الكربون. وفي ظل التوترات الجيوسياسية المتزايدة وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، قد يكون هذا التحول أحد أهم الأدوات التي تعتمد عليها الصين لتقليل تعرضها لصدمات الطاقة في المستقبل، ولإعادة صياغة موقعها داخل نظام الطاقة العالمي.

إعلان

لا يعني ذلك أن الحرب على إيران قامت من أجل النفط في المقام الأول، لكن النفط يحضر فيها كورقة تفاوضية في الصراع الصيني الأمريكي الممتد على جبهات عدة، وأهمها السباق التكنولوجي للهيمنة على صناعة الشرائح الإلكترونية وأشباه الموصلات، وكذلك السيارات والبطاريات الكهربائية، وأيضا سوق المعادن النادرة الذي نجد فيه وضعا معكوسا للهيمنة الأمريكية على سوق النفط، حيث تسيطر الصين بوضوح على هذا السوق.

مصدر الصورة تمتلك الصين أكبر احتياطي للعناصر الأرضية النادرة عالميا (الجزيرة)

وتعتبر المعادن الأرضية النادرة عنصرا شديد الأهمية في الاقتصاد الحديث، حيث تدخل في الكثير من الصناعات التكنولوجية المتقدمة مثل الهواتف الذكية والبطاريات وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية، بالإضافة للصناعات العسكرية المتقدمة مثل أنظمة الرادارات والصواريخ. وتنتج الصين حوالي 60% من الإنتاج العالمي من المعادن الأرضية النادرة، لكنها تسيطر على ما يقرب من 85%-90% من القدرات الصناعية على معالجة وتكرير تلك المعادن. ويعني ذلك أنه حتى الدول التي تمتلك معادن نادرة يجب أن تشحنها للصين لمعالجتها قبل أن تستخدم في مختلف التطبيقات الصناعية.

تفرض الصين حاليا قيودا على تصدير المعادن النادرة ردا على الحرب التجارية التي تشنها واشنطن منذ عام 2016 إبان فترة ترمب الرئاسية الأولى. وفي هذا السياق، يمكن فهم دور الطاقة في الصراع الأمريكي الصيني، فإذا كانت الصين تمتلك نفوذا ووضعا مهيمنا في سلاسل توريد المعادن النادرة، فإن الولايات المتحدة وحلفاءها يمتلكون نفوذا أكبر في أسواق الطاقة العالمية والبنية التحتية المالية والبحرية التي تحكم أسواق الطاقة. ويشمل ذلك السيطرة على نظام التسويات المالية المعتمد على الدولار في تسعير الطاقة عالميا، وكذلك شركات التأمين على قطاع الشحن البحري، الذي تحاول الصين التوسع فيه مؤخرا.

لعبة الطاقة والمعادن

هنا يظهر الترابط بين الطاقة والمعادن النادرة. فالصين تعتمد بدرجة كبيرة على واردات الطاقة لتشغيل اقتصادها الصناعي الضخم، حيث تستورد أكثر من 70% من احتياجاتها النفطية، وقد استفادت في السنوات الأخيرة من شراء النفط الرخيص من إيران وروسيا وفنزويلا، مما خفض متوسط تكلفة الطاقة للصناعات الصينية.

ولكن إذا تمكنت واشنطن من تضييق هذه القنوات، سواء عبر تشديد العقوبات أو زيادة المخاطر الجيوسياسية في طرق التجارة، حتى لو أدى ذلك لمشاكل في أسعار النفط العالمية على المدى القصير، فإن الصين قد تضطر إلى شراء نسبة أكبر من احتياجاتها النفطية من السوق العالمية بأسعار أعلى، وهذا بدوره قد يرفع تكلفة الإنتاج الصناعي، ويقلل جزئيا من الميزة التنافسية التي تتمتع بها المصانع الصينية.

"إذا حُرمت بكين من النفط الرخيص، سوف ترتفع تكلفة الإنتاج الصناعي، وتقل جزئيا الميزة التنافسية التي تتمتع بها المصانع الصينية".

غير أن هذه المعادلة ليست ثابتة بالكامل. فكل من الولايات المتحدة والصين تعملان في السنوات الأخيرة على تقليل نقاط الضعف في سلاسل التوريد الخاصة بهما سواء في الطاقة أو المعادن النادرة. فقد بدأت واشنطن دعم مشاريع استخراج ومعالجة المعادن النادرة خارج الصين، في دول مثل أستراليا وكندا والولايات المتحدة نفسها، كما أطلقت مبادرات من قبيل "شراكة أمن المعادن" لتأمين إمدادات المعادن النادرة. وفي المقابل تسعى بكين إلى تنويع مصادر الطاقة عبر الاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة محليا وخارجيا، وكذلك الاستثمار في مشاريع النفط والغاز في آسيا الوسطى وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.

مصدر الصورة إيران حلقة مهمة في التنافس العالمي على الطاقة في العالم المعاصر (الأوروبية)

ومع ذلك، فإن التداخل بين أسواق الطاقة والمعادن الاستراتيجية يظل عنصرا مهما في الصراع الجيوسياسي خلال العقود القادمة. فكلما أصبحت التقنيات المتقدمة، من السيارات الكهربائية إلى أنظمة الدفاع، أكثر اعتمادا على مواد نادرة أو على طاقة كثيفة، ازدادت أهمية السيطرة على سلاسل الإمداد الخاصة بها. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين بمعزل عن هذه الشبكة المعقدة من الموارد الاستراتيجية التي أصبحت تشكل أساس القوة في الاقتصاد العالمي المعاصر.

تسيطر بكين على المعادن النادرة، وتحاول واشنطن فرض سيطرتها على أسواق الطاقة، وتتوالى فصول التنافس على من يدير دفة الاقتصاد العالمي، الذي لم يعد يعتمد على التنافس على النفط والغاز وحدهما، وهي المعادلة التي حكمت استراتيجية الولايات المتحدة في كثير من مناطق العالم ومنها الشرق الأوسط، بل ويعتمد أيضا على التنافس على المعادن النادرة، التي تقوم عليها معظم الصناعات التكنولوجية الحديثة. هذا التنافس على الموارد، سواء الطاقة أو المعادن، وعلى استخراجهما المستمر، يعد الفصل الأهم في الصراع على النفوذ في العالم المعاصر.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا