آخر الأخبار

خيبة أمل في واشنطن.. دول الخليج تعيد تقييم تحالفاتها الأمنية

شارك
دخان يتصاعد فوق الرياض نتيجة حرب إيران، بداية آذار/مارس 2026صورة من: REUTERS

وزارة الخارجية السعودية لا تكشف ما الذي تناقشه بالضبط النخب السياسية في دول الخليج العربية خلال اتصالاتهم الهاتفية العديدة. ولكن الوزارة لا تدع مجالًا للشك في إجراء هذه النقاشات: فهي تنشر على شبكة التواصل الاجتماعي إكس قائمة بالمحادثات العديدة التي تجريها القيادة السعودية، وخاصة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، مع قادة سياسيين في الدول الخليجية.

وإذا جمعنا التحليلات والتقارير وتعليقات وسائل الإعلام وكذلك مراكز الأبحاث في مختلف أنحاء العالم، فمن المحتمل أنَّ هذه النقاشات تدور في المقام الأول حول مسألتين: من ناحية حول التعامل مع إيران ، التي تهاجم دول الخليج منذ أكثر من أسبوعين. ومن ناحية أخرى حول العلاقة المستقبلية مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي تري العديد من دول الخليج أنَّها أشعلت بالتعاون مع إسرائيل حربًا لم تكن تريدها هذه الدول. فقد قال مثلًا الرئيس الأسبق لجهاز الاستخبارات السعودي، الأمير تركي الفيصل ، لشبكة سي إن إن في بداية آذار/مارس: "هذه حرب نتنياهو. ومن الواضح أنَّه أقنع الرئيس ( ترامب ) بطريقة ما بدعم وجهة نظره".

خيبة أمل بسبب في واشنطن

وفي الوقت نفسه، تشعر دول الخليج بخيبة أمل تجاه الولايات المتحدة الأمريكية ، التي ثبت من وجهة نظر العديد من المراقبين أنَّ وعودها بحماية دول الخليج جوفاء، أو على الأقل يمكن الاعتماد عليها أقل بكثير مما كان مأمولًا: وذلك بسبب عدم تمكن الجيش السعودي وحتى الأمريكي من اعتراض العديد من الصواريخ التي تُطلق من إيران .

وهذه الحقيقة لقّنت حكام الخليج درسًا مرًا يفيد بأنَّ وجود قواعد عسكرية أمريكية على أراضيهم لا يعني تلقائيًا حمايتهم، بل من الممكن أن يجعلهم أهدافًا للهجمات الإيرانية. وعلاوة على ذلك، يُقال إنَّ الولايات المتحدة تجاهلت اعتراضات المنطقة على هذه الحرب قبل بدئها. فقد نقلت في بداية آذار/مارس وكالة أسوشيتد برس عن ممثلَيْن لدولتين خليجيتين لم تكشف عن هويتهم أنَّ واشنطن تجاهلت تحذيرات من عواقب وخيمة محتملة.

منطقة خطرة: ناقلة نفط في مضيق هرمزصورة من: Francis Mascarenhas/REUTERS

وهذا يثير على الأقل في أجزاء من المنطقة خيبة أمل كبيرة. فقد جاء مثلًا تعليق عنوانه "فرصة الخليج الذهبية" نشرته صحيفة العربي الجديد الممولة من قطر أنَّ الحماية العربية استُبدلت "بأخرى أمريكية وأوروبية، ومنذ ذلك الوقت صارت فعالية القرار العربي تتآكل. (..) واليوم اتضح أنَّ القواعد ليست لحماية الدول الخليجية، بل لمنعها من حماية نفسها والاستقلال بقرارها".

استراتيجية "الحياد الحذر"

يعتقد العديد من المراقبين أنَّ الحرب في الخليج أثارت نقاشًا استراتيجيًا. وكذلك يتحدث مجلس الشرق الأوسط للشؤون العالمية، وهو مركز أبحاث مقره في قطر، عن استراتيجية "الحياد الحذر"، الذي "يركز على تحييد دول الخليج ومنع تحويل ساحاته إلى ساحة لتصفية الحسابات. (..) والحياد الحذر هو تعبير عن أولوية استراتيجية: حماية المكتسبات التنموية من تداعيات الانخراط في صراعات مفتوحة".

وفي هذا الصدد يذكر الباحث السياسي بجامعة أكسفورد، برونو شميدت-فويرهيرد، بردود الفعل الأولى على الهجمات الإيرانية: "في البداية كان يتم تحميل إسرائيل - وبشكل جزئي أيضًا الولايات المتحدة - المسؤولة عن التصعيد". ولكن في الوقت نفسه، فُهمت الهجمات الإيرانية أيضًا على أنَّها خرق لجهود التقارب الحذرة التي تم بذلها خلال الأعوام الأخيرة، "ولذلك فإنَّ الإحباط سببه بالدرجة الأولى جهات خارجية". إذ كان يجب على دول الخليج أن تعترف بأنَّ أمنها يعتمد على أطراف ثالثة.

وكذلك تلاحظ باولينه رابه، وهي محللة سياسية في شركة الاستشارات ومركز الأبحاث "عقول الشرق الأوسط" في برلين، وجود انفتاح جديد في الانتقاد الموجه إلى واشنطن. وتقول: "دول الخليج متحدة أولًا وقبل كل شيء في صدمتها". وتضيف أنَّ ما يثير الاستياء بشكل خاص هو اتخاذ القرارات على ما يبدو من دون تنسيق مع دول الخليج. والسعودية بشكل خاص "انتقدت ترامب و نتنياهو بشكل صريح"، بينما ردت قطر بشكل أكثر تحفظًا.

السفارة الأمريكية في السعودية تم إخلاؤها بعد هجوم بمسيّرات إيرانية، بداية آذار/مارس 2026صورة من: AFP

نقاش حول القواعد العسكرية الأمريكية

تركز النقاش منذ البداية بشكل خاص على القواعد العسكرية الأمريكية . من ناحية، تُبرِّر إيران هجماتها بوجود هذه القواعد، ولكن من ناحية أخرى استهدفت الصواريخ الإيرانية منذ البداية أهدافًا مدنية مثل "المطارات والفنادق وبنى تحتية مدنية أخرى"، كما يقول الخبير شميدت-فويرهيرد. والمثير للانتباه أيضًا أنَّ الإمارات بالذات كانت منذ البداية مستهدفة كثيرًا، "لذلك فإنَّ هجمات إيران لا تتعلق فقط بالقواعد الأمريكية، بل تتعلق أيضًا بالضغط على النماذج الناجحة في المنطقة، مثل دبي".

ويشير مركز الأبحاث الأمريكي "أتلاتيك كاونسل" إلى أنَّ الاستقرار الاقتصادي في الإمارات حساس جدًا. فسمعة دبي كمركز تجاري وسياحي آمن تشكل الركيزة الأساسية للاقتصاد الإماراتي، وبالتالي تعتبر أيضًا نقطة ضعف استراتيجية محتملة.

وعلى المدى البعيد، ربما تؤدي حرب إيران إلى إعادة تقييم الشراكات الأمنية في دول الخليج مع الولايات المتحدة الأمريكية. يقول الخبير شميدت-فويرهيرد: "أتوقع إجراء جرد ةإعادة تقييم بعد الحرب". ويضيف أنَّ الدول يجب أن تقرر "إن كانت القواعد العسكرية الأمريكية تشكل خطرًا أكثر من كونها مكسبًا أمنيًا". ومع ذلك، فإن التكامل العسكري مع الولايات المتحدة الأمريكية عميقٌ جدًا بحيث أنَّ تغيير المسار سيستغرق سنين.

تطوير شراكات جديدة

ترى الخبيرة باولينه رابه أيضًا وجود تغيير، ولكن كجزء من اتجاه طويل الأمد، وتقول: "الترتيب الذي استمر لعقود طويلة وينص على 'نفط رخيص مقابل ضمانات أمنية أمريكية‘، بات يبدو الآن للكثيرين نموذجًا عفا عليه الزمن". ولكنها أيضًا تعتبر الانفصال السريع عن الولايات المتحدة أمرًا مستبعدًا. وتضيف أنَّ العلاقات نمت على مدى عقود وتصل إلى ما هو أبعد من التعاون العسكري.

وتشير في الوقت نفسه إلى أنَّ هناك إعادة توجيه استراتيجي تدريجي باتت تظهر بوضوح. فقد قامت السعودية بتوسيع علاقاتها مثلًا مع باكستان وتركيا، بينما وسّعت قطر علاقاتها مع دول أوروبية كبريطانيا وفرنسا. تقول رابه إنَّ "هذه التطورات كانت تجري من قبل، ولكن الوضع الراهن يزيد من أهميتها بشكل ملحوظ".

وهذا ما يلاحظه أيضًا الخبير شميدت-فويرهيرد، ويقول: "في الأعوام الأخيرة، تحدث المراقبون عن استراتيجية تحوّط". وهذه الاستراتيجية تتعلق ببناء علاقات مع شركاء متعددين، مثل الصين وتركيا ودول أوروبية. ولكن لم يتم "توضيح" كيف يمكن لهذا المفهوم، الذي يعود أصله إلى الاقتصاد، أن يعمل أيضًا في السياسة الأمنية. من المشكوك فيه أن يكون تنويع الأمن في الخليج سهلًا كاستثمارات، أو أن يكون بإمكان دول الخليج "تأمين" نفسها ضد فشل الولايات المتحدة. وهذا الضعف بالذات ظهر بوضوح في الصراع الحالي، وذلك لأنَّ "أيًا من هؤلاء الشركاء لم يمثل حتى الآن بديلًا عسكريًا حقيقيًا".

منظر من محطة الفضاء الدولية للخليج ومضيق هرمزصورة من: NASA Earth/ZUMA/picture alliance

زخم جديد لنقاش قديم

وفي الوقت نفسه، لا تزال دول الخليج لا تتحدث دائمًا بصوت واحد. وحول ذلك يقول شميدت-فويرهيرد: "ليس من الطبيعي على الإطلاق أن تتصرف دول الخليج كطرف فاعل موحد". إذ توجد تنافسات سياسية واقتصادية بين السعودية والإمارات وقطر.

ومع ذلك يبقى لدى دول الخليج هدف مشترك، كما تقول المحللة باولينه رابه: "الاستقرار الإقليمي مهم بالنسبة لدول الخليج". فمشاريع التحول الاقتصادي الخليجية - من " رؤية 2030 " السعودية وحتى الطموحات العالمية لدبي والدوحة - تعتمد على بيئة سلمية، وبالتالي أيضًا على الدفاع الناجح ضد الهجمات العسكرية.

أعده للعربية: رائد الباش

تحرير: عبده دميل المخلافي

DW المصدر: DW
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا