طهران- رغم مرور نحو 20 يوما على اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد طهران، تبقى استطلاعات الرأي حول رؤية الشارع الإيراني للصراع نادرة وشحيحة، بل تكاد تكون معدومة في ظل انقطاع شبه كامل للإنترنت منذ بداية العدوان واقتصار التغطية على منصات محدودة في الداخل، مما يرسم علامة استفهام عن الصورة الحقيقية لمواقف المواطن العادي حيال الحرب في بلاده.
وفي هذا الإطار المغلق، تبرز وسائل الإعلام الرسمية كمصدر وحيد تقريبا لاستقصاء مزاج الرأي العام الإيراني، وتكاد تكون النتائج المعلنة متطابقة أو متكاملة في سياق الرواية الرسمية المؤيدة "للدفاع عن الوطن". وفي خضم هذه الفجوة المعلوماتية، تكشف تقارير الصحافة الفارسية عن نتائج استطلاعات وطنية تعكس صورة مغايرة لما قد تتوقعه دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب.
وأظهر استطلاع أجراه المرصد الاجتماعي بجامعة قم في خضم الحرب الحالية ونشره موقع "راهبرد إيراني" علی قناته بتطبيق "بله" الإيراني، التالي:
في سياق متصل، نقلت وكالة أنباء فارس المقربة من الحرس الثوري وصحيفة طهران تايمز عن مصدر سياسي مطلع أن استطلاعَين منفصلين أُجريا بالتزامن مع الحرب في مناطق مختلفة من البلاد، أظهرا أن أكثر من 84% من المشاركين قيّموا قدرة إيران على الرد على تحركات "العدو" بأنها "جيدة" أو "جيدة جدا".
وفيما تروّج الصحافة الفارسية أن نتائج الاستطلاعات هذه تعكس "شكلا من أشكال التقارب والوحدة في الرأي بين مختلف شرائح المجتمع"، بما يخالف مشاهد فعاليات المعارضة الإيرانية بالخارج التي راهنت على انهيار الجبهة الداخلية تحت وطأة القصف، جالت الجزيرة نت في شوارع طهران لتسأل المواطنين عن آرائهم في الحرب ومستقبلها والعلاقة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
وقال إنه والآلاف الآخرين من المواطنين كانوا ينتقدون السلطات ليلا نهارا بسبب الوضع المعيشي المتردي، لكن "عندما نرى بيوتنا ومقدراتنا وثرواتنا تُقصف والأبرياء يُقتلون، نتحد جميعا في مواجهة العدو المعتدي".
و في صورة تبدو مغايرة للتوقعات الغربية، أضاف فرج -في حديثه للجزيرة نت- أنه يرفض الهدنة ما لم تحظ بضمانات من الأوساط الدولية والأممية بعدم تكرار الحرب، "ذلك لأنه من السهل على كيان الاحتلال الإسرائيلي أن يخدع الولايات المتحدة ويستدرجها للحرب مع إيران بذريعة تقويض قدراتها وتراجع شعبية نظامها".
ومن هناك إلى وسط المدينة، التقينا الأكاديمية فرحناز (46 عاما) وكانت تبحث عن مصادر لاتينية في سوق الكتب المقابل لجامعة طهران الوطنية، قالت إن العديد من طلبتها كانوا محتجين في الشوارع قبل أشهر، لكن الهجوم الأمريكي الإسرائيلي أيقظ لديهم المشاعر الوطنية، حتی أخبرها عدد منهم أنهم تطوعوا للعمل في الدفاع المدني والحواجز الأمنية المقامة بالشوارع.
وأرجعت السبب إلی "أن القصف يعزز حالة الصمود النفسي لدى شريحة كبيرة من الناس ربما لا تستوعبها نظريات الحرب الحديثة".
ولفتت فرحناز -في حديثها للجزيرة نت- إلى أن الرأي العام الإيراني يُعرف بذاكرته الضعيفة وتأثره بالواقع الماثل أمامه، مضيفة أن "الدعاية المشحونة بالمشاعر الوطنية هذه الأيام قد تدفع نسبة كبيرة من الإيرانيين إلى تأييد مبدأ الثأر لقادته ومواجهة العدو حتى هزيمته، لكن لا بد من التفريق بين العدو المعتدي والجوار اللذين لا بد من التعايش معهما في اليوم التالي من الحرب".
واستدركت "في الواقع نحن لا نعادي حتى الشعب الأمريكي رغم سياسات بلاده العدائية تجاه بلادنا، ناهيك أن شعوب المنطقة مسلمون وتربطنا بهم علاقات وثيقة جدا".
أما في شارع "الدكتور باهنر" حيث تتزين واجهات المحال التجارية بزينة عيد النيروز مع اقتراب رأس السنة الفارسية تحت وابل الصواريخ، التقت الجزيرة نت مسعود (73 عاما) وزوجته مهرانه (67 عاما) في طريقهما إلى حديقة "نياوران" شمال العاصمة، فبادر الرجل بالسؤال قبل أن نستطلع رأيهما "كيف تغطي المحطات العربية تطورات الحرب؟ هل هناك من تناغم شعبي عربي مع تطلعات الشارع الإيراني لنيل الحرية؟".
وقال مسعود إنه "لا يمكن لهذا النظام أن يستمر لأنه يعادي جميع الدول بل حتى يعادي شعبه.. ننتظر نجل الشاه ليعيد البلاد إلى أيام طالما فقدناها طوال 5 عقود"، فقطعت مهرانه كلامه وقالت "تغيير الأنظمة لا سيما في دول الشرق الأوسط عادة ينتهي إلى تدمير البلاد، لا نريد لبلادنا أن تمسي أرضا محروقة، ونعتقد أن مستقبلها سيكون واعدا إذا توقفت الحرب سريعا لأن حكماءها سيقودون عملية تغيير تحافظ على مقدراتها".
وفي حديث استمر لأكثر من 10 دقائق، أصر مسعود على رأيه "بضرورة استمرار الحرب حتى القضاء على النظام الإسلامي في طهران"، في حين تتعمد مهرانه تصويب كلامه، وفق تعبيرها، وبيان خشيتها من تدمير البلاد ومصادرة ثرواتها.
حريق ناجم عن غارة على منشآت خارج مدينة طهران (الجزيرة)واستدركت أن الإيرانيين لن يرضخوا للأجندة الأجنبية، وأن من يعرف المجتمع الإيراني لا يتفاجأ بنتائح استطلاعات الرأي، وإن أشرفت عليها مؤسسات رسمية، موضحة أن الشعور بالتهديد الخارجي يخلق دائما نوعا من الالتحام حول الجهة التي تدافع عن الشعب، ذلك لأن الخوف من تقسيم فسيفساء البلاد حقيقي.
وختم مسعود بالقول "نعتبر الحرب الجارية آخر فرصة للقيادة الإيرانية لوضع حد نهائي للوضع القائم منذ 5 عقود: إما تكسر هيبة أمريكا وتقضي على إسرائيل نهائيا طالما تبجحت بهذا الشعار، أو أن تتخلى عن سياسة العداء للآخرين. لا يحق لها مواصلة السياسة ذاتها بعد تعريض البلاد لدمار قابل للتكرار في أي لحظة بعد هذه الحرب".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة