كشفت تحليلات أجراها فريق بي بي سي تقصي الحقائق عن شبكات تضم عشرات الآلاف من الحسابات التي تعمل على تضخيم سرديات مؤيدة ومناهضة لإيران عبر منصات التواصل الاجتماعي الناطقة بالعربية.
رصد التحليل شبكتين متوازيتين تعملان في اتجاهين متعاكسين على منصة اكس للتواصل الاجتماعي.
الأولى تضخّم أخبار وروايات مؤيدة لإيران وحلفائها الإقليميين، والثانية تروّج لسرديات مناهضة لطهران.
وتُظهر كلتا الشبكتين مؤشرات مرتبطة عادةً بحملات التأثير المنسّقة عبر الإنترنت، وإن كانت الشبكة المؤيدة لإيران تفوق نظيرتها حجماً وانتشاراً، إذ تضم عدداً أكبر من الحسابات التي تدار بشكل منسق.
وتتشابه هذه الشبكات في عدة أمور، منها نشر المحتوى في الوقت نفسه، وإعادة نشر الرسائل نفسها بشكل واسع، واستخدام صيغ متكررة، إضافة إلى أسماء مستخدمين تشبه تلك المرتبطة بالحسابات الآلية.
ويرى باحثون أن نشاط الشبكة الأولى المؤيد لإيران يبدو مصمماً لتضخيم السرديات الجيوسياسية المساندة لطهران وتسريع تداول ادعاءات تتعلق بصراعات إقليمية وهجمات تُنسب إلى جماعات متحالفة مع طهران.
في المقابل، تعمل الشبكة الثانية على تضخيم الانتقادات الموجهة لإيران وسياساتها الإقليمية، وتسريع تداول روايات مغايرة حول الأحداث ذاتها.
ومع ذلك، لا يمكن الجزم بهوية الجهات المشغّلة لهذه الحسابات على الجانبين.
حلّلت بي بي سي أكثر من 210 آلاف منشور صادر عن نحو 38 ألف حساب، نُشر بين 28 فبراير/شباط و10 مارس/آذار.
وتشير البيانات إلى أن هذه المنشورات بلغت مجتمعةً أكثر من 322 مليون مستخدم، وحصدت نحو مليون إعجاب خلال الفترة ذاتها.
وباستخدام تقنيات تحليل الشبكات وأدوات رصد منصات التواصل الاجتماعي، كشف التحليل أن الشبكة ذات بنية مركزية، يقود فيها عدد محدود من الحسابات الجزءَ الأكبر من النشاط.
فقد أنتجت مجموعة صغيرة من الحسابات المؤثرة معظم المحتوى الأصلي، في حين أعادت آلاف الحسابات الأخرى نشره في فترات زمنية قصيرة وبصورة شبه آلية، وهو ما يُعدّ مؤشراً على نشاط منسّق وغير عضوي لحسابات تعمل وفق أهداف محددة، مما أسهم في انتشار المحتوى على نطاق واسع عبر المنصة.
وقد جرى تحديد عدد من الحسابات باعتبارها مراكز بث رئيسية داخل الشبكة؛ إذ أنتج حسابا "الاهوازي" و "إيران" أكثر من 8600 و7400 منشور مُضخَّم على التوالي، وشكّلا معاً المصدر الرئيسي للمحتوى الأصلي. وأعادت آلاف الحسابات الأخرى نشر منشوراتهما آلاف المرات، وفي بعض الحالات في غضون ثوانٍ من نشرها.
كما رصدت بي بي سي أنماطاً مشابهة بين حسابات تروّج لسرديات مناهضة لإيران. وقد كشف تحليل نحو 50 ألف منشور صادر عن حوالي 6 آلاف حساب عن سلوكيات تتوافق مع نشاط منسّق، من بينها نشر سريع لرسائل متطابقة تقريباً خلال فترات زمنية قصيرة. ويبدو أن كثيراً من هذه الحسابات مرتبطة جغرافياً بالسعودية والإمارات، وغالباً ما تضمنت صور ملفاتها الشخصية علم أحد البلدين أو صور قادتهما. وأبرز التحليل أن بعض الحسابات تُعدّ المحرّك الرئيسي لهذه الشبكات، ومن بينها حسابات تحمل أسماء مثل: "إماراتي وأفتخر" و"الدعم السعودي".
نشرت الحسابات منشورات بأحجام غير معتادة، وصل بعضها إلى آلاف المنشورات في عشرة أيام فحسب، مع تركيز شبه كامل على المحتوى الجيوسياسي والأيديولوجي. وعوضاً عن الانخراط في نقاشات حقيقية، اقتصر دورها على إعادة نشر محتوى الحسابات المركزية، وهو نمط يُشير إلى نشاط مؤتمت أو منسّق. وتوزّعت السرديات بين تيار مؤيد لإيران يُمجّد قيادتها و"محور المقاومة" ويُصوّر الصراعات الإقليمية مقاومةً لإسرائيل وأمريكا، وتيار معارض يروّج لوسوم من قبيل "نظام الملالي" ويُشيع ادعاءات بتداعي الحكومة الإيرانية جراء ضربات أمريكية أو إسرائيلية.
كما رصدت بي بي سي أمثلة تداولت فيها حسابات من كلا الجانبين محتوى مضللاً أو غير دقيق.
ففي إحدى الحالات، جرى تداول صورة مع ادعاء بأن إيران نشرت "أهدافاً وهمية ثلاثية الأبعاد" لخداع إسرائيل. وبعد التحقق من الصورة، تبيّن أنها مُولَّدة أو مُعدَّلة بالذكاء الاصطناعي، وقد أُعيد نشرها ما يزيد على 160 ألف مرة عبر حسابات مختلفة.
وفي مثال آخر، تداولت مئات الحسابات مقطع فيديو قيل إنه يُظهر انفجاراً في تل أبيب إثر ضربة صاروخية إيرانية. بيد أن المقطع صُوِّر في الواقع في بوخارست عقب انفجار في محطة للغاز المسال، وكان متاحاً على يوتيوب منذ أغسطس/آب 2023. وأُعيد نشر الفيديو آلاف المرات.
في المقابل، رُصدت حسابات مناهضة لإيران تتداول بدورها محتوى مضللاً؛ إذ زعم أحد المنشورات أن مقطع فيديو يُظهر امرأة ترقص احتفالاً بسقوط النظام الإيراني، في حين صُوِّر الفيديو فعلياً في المكسيك ولا صلة له بالأحداث الإيرانية.
تتشابه الحسابات المؤيدة لإيران في خصائص بصرية وتعريفية لافتة؛ إذ تتضمن صور ملفاتها الشخصية في الغالب شخصيات بارزة كالمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، وزعيم حزب الله الراحل حسن نصر الله، وزعيم الحوثيين عبد الملك الحوثي، فضلاً عن رموز دينية شيعية وشعارات ميليشيات وصور ذات طابع عسكري. كما تكشف أسماء المستخدمين عن أنماط مرتبطة بالحسابات المُنشأة آلياً، كسلاسل الأحرف والأرقام العشوائية من قبيل TTTTo9ZzDmjh وySzBt3ScQJvVswJ، وتسلسلات رقمية مثل 8765435784A.
وكشف التحليل أن كثيراً من هذه الحسابات يتابع بعضها بعضاً، مما يدل على شبكة مترابطة. وتشير بيانات الموقع الجغرافي إلى أن جزءاً كبيراً من النشاط يتمركز في اليمن والعراق، ومن أبرز الحسابات المؤثرة حساب tvalmasirah المرتبط على ما يبدو بقناة "المسيرة" التابعة للحوثيين.
أما على الجانب الآخر، فقد تضمّنت ملفات الحسابات المناهضة لإيران شعارات وطنية كـ"الإماراتي وطني" و"في خدمة وطني"، مما يعكس ارتباطاً واضحاً بدول الخليج. وحملت العديد من هذه الحسابات صور قادة سعوديين وإماراتيين إلى جانب أعلام بلدانهم، مما يُشير إلى انتماءات خليجية، واحتمال تنسيق هذه الحسابات أو توجيهها في إطار موقف إقليمي موحّد يستهدف انتقاد النظام الإيراني.
كشفت البيانات عن مؤشرات قوية على نشاط متزامن؛ إذ نشرت مجموعات كبيرة من الحسابات رسائل متطابقة بالصياغة والوسوم ذاتها خلال الدقيقة نفسها، وفي بعض الحالات خلال ثوانٍ معدودة. وتتوافق هذه الأنماط مع سلوكيات سبق رصدها في عمليات تأثير منسّقة عبر الإنترنت.
في حديثه لـ"بي بي سي تحقق"، قال عمرو العراقي، خبير في علوم البيانات، إنه في السنوات الأخيرة ظهرت ساحات معارك افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي، وُظِّفت في العديد من الصراعات والحروب الجيوسياسية في المنطقة العربية.
وأضاف أن بعض الحسابات المؤتمتة على منصة "إكس" تُستخدم لتضخيم سرديات وآراء بعينها والتأثير فيها.
وأوضح أن ثمة أجيالاً مما يُعرف بـ"الذباب الإلكتروني"، وهي حسابات مؤتمتة تُنشأ لأغراض محددة بهدف التأثير في الرأي العام. وتتمحور هذه الحسابات حول حسابات أخرى مركزية ذات أهمية، إذ تعمل على إعادة نشر المحتوى بمعدلات مرتفعة وبصورة آلية واسعة النطاق في وقت قصير، مما يُفضي إلى إحداث حالة من الزخم والتأثير.
وأشار إلى أن ثمة أجيالاً جديدة من الحسابات المؤتمتة تُوظَّف فيها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهي أجيال أكثر تطوراً تمتلك محتواها الخاص، الذي يُستثمر لدعم وجهات نظر معينة وتبنّيها وتضخيمها.
وأوضح أن للأجيال الجديدة "بصمةً فريدةً، غير مرتكزة على مصدر بعينه تنقل عنه، مما يُعسِّر اكتشافها".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة