في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
الخرطوم- في قرار أثار جدلا في تفسيره وتداعياته، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، الاثنين، جماعة الإخوان المسلمين السودانية "منظمة إرهابية عالمية"، واعتزامها تصنيفها "منظمة إرهابية أجنبية"، اعتبارا من 16 مارس/آذار الجاري.
وقالت الخارجية في بيان إن "الجماعة، التي تتكون من الحركة الإسلامية وجناحها المسلح كتيبة البراء بن مالك، تستخدم العنف المفرط ضد المدنيين لتقويض جهود حل النزاع في السودان ونشر أيديولوجيتها الإسلامية المتطرفة".
وكانت واشنطن قد أدرجت كتيبة البراء بن مالك على قائمة العقوبات بموجب الأمر التنفيذي رقم 14098 في سبتمبر/أيلول 2025 لـ"دورها في الحرب الوحشية في السودان" كما جاء في بيان رسمي.
في هذا التقرير، تشرح الجزيرة نت القرار الأمريكي وتداعياته المحتملة، وترصد ردود فعل الأطراف السودانية عليه.
ذكر نص القرار الذي نشرته الخارجية الأمريكية أن الجهة المستهدفة بالتصنيف هي جماعة الإخوان المسلمين السودانية، قبل أن توضح في بيان لاحق أن القرار يعني الحركة الإسلامية السودانية وذراعها "كتيبة البراء بن مالك".
وتمظهر الإسلاميون في تنظيمات سياسية تطورت من جبهة الميثاق الإسلامي والجبهة الإسلامية القومية، وصولا إلى حزب المؤتمر الوطني الذي يتزعمه حاليا الرئيس السابق عمر البشير.
وثمة مجموعة لا تزال تحتفظ باسم جماعة الإخوان المسلمين كان يرأسها الشيخ الراحل الصادق عبد الله عيد الماجد.
وتدعم الحركة حزب المؤتمر الوطني الذي يضم في صفوفه مسيحيين من الأرثوذكس والكاثوليك ويساريين سابقين، ولم ترد أي إشارة للحزب في القرار الأمريكي.
لم يصدر أي تعليق رسمي من قيادة الحركة أو رموز الإسلاميين، لكن القيادي الإسلامي ووزير الإعلام السابق أمين حسن عمر قال، في منشورين على فيسبوك، "ما لا تعرفه أمريكا، التي لم يسمع رئيسها بالسودان، أن ما تقصده بما تسميه الإخوان المسلمين لا يعني الجماعة الدعوية المعروفة بهذا الاسم في البلاد، وإنما تعني به طيفا واسعا من المسلمين الصادقين الأوفياء لدينهم ووطنهم وهي لن تستطيع أن تحيط بهؤلاء جميعا".
وأضاف "كل العالم يعلم من هو الإرهابي الآن، لكن بعضا منهم خائفون وبعض آخر صامتون. لا يحتاج الإسلام أن ترضى عنه أمريكا ولا ينتظر رضاها. أخبرنا القرآن أنهم لن يفعلوا منذ قرون".
وقال قيادي إسلامي آخر للجزيرة نت إنه غير مخول بالحديث وإن الموقف الرسمي يعبر عنه المتحدث باسم الحركة الإسلامية وهو رئيسها علي كرتي، وتوقع صدور بيان في أي وقت.
قالت واشنطن في متن قرارها إن تصنيفات الإرهاب تسهم في كشف الكيانات والأفراد وعزلهم، وحرمانهم من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي والموارد التي يحتاجون إليها لتنفيذ الهجمات.
وأفادت بأن التصنيفات تتضمن تجميد جميع الممتلكات والمصالح في الممتلكات العائدة لجماعة الإخوان المسلمين السودانية الموجودة داخل الولايات المتحدة، أو التي تقع في حيازة أو سيطرة أشخاص أمريكيين.
وحظرت وزارة الخارجية الأمريكية على الأمريكيين إجراء معاملات تجارية مع الأشخاص أو الكيانات الخاضعة للعقوبات، مشيرة إلى أن الأشخاص الذين يشاركون في بعض المعاملات أو الأنشطة مع جماعة الإخوان المسلمين السودانية يعرضون أنفسهم لمخاطر فرض عقوبات. وشددت على أن الانخراط في ذلك معهم قد يترتب عليه خطر فرض عقوبات ثانوية بموجب السلطات المعنية بمكافحة الإرهاب.
في بيان صادر عن وزارة الخارجية السودانية أمس الثلاثاء، أكدت الحكومة "موقفها المبدئي والثابت في إدانة جميع أشكال الإرهاب والتطرف العنيف، دون استثناء أو انتقائية"، ورأت أن "كل الجماعات التي تنتهك القانون الدولي الإنساني، وترتكب الإرهاب والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب في السودان، تصنف كجماعات إرهابية".
لكنها طالبت في المقابل بـ"الاستجابة إلى الدعوات القوية لتصنيف مليشيا الدعم السريع المتمردة كجماعة إرهابية، لما ظلت ترتكبه من جرائم مثبتة وانتهاكات موثقة للقانون الدولي الإنساني، وارتكاب جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية و الإبادة الجماعية والإرهاب".
وشدت حكومة السودان على "التزامها بالعمل على حماية أمن البلاد واستقرارها، وصون أرواح المواطنين وكرامتهم، واتخاذ كل ما يلزم من إجراءات وفقا لأحكام القانون الوطني وبما يتسق مع التزامات السودان الدولية في مجال مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف".
أما قوات الدعم السريع فرحبت بالقرار الأمريكي، حيث قال قائدها محمد حمدان دقلو "حميدتي" في بيان إن "الخطوة تتماشى مع مطالب قطاعات واسعة من السودانيين، وتمثل دعما لمسار الاستقرار في السودان، وضرورية للحد من الأنشطة التي تهدد الأمن الداخلي والإقليمي".
ورأى أن "عزل التيارات التي تعتمد العنف وسيلة للوصول إلى السلطة يُعد شرطا أساسيا لإعادة بناء الدولة على أسس قانونية ومؤسسية"، ودعا إلى تعزيز التعاون مع المجتمع الدولي لتعقب الشبكات المالية والتنظيمية المرتبطة بالجماعة.
كما رحب التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود" بالقرار، مؤكدا أن الجماعة "استخدمت العنف المفرط ضد المدنيين وأسهمت في إطالة أمد الحرب".
وأعرب رئيس الوزراء السابق ورئيس التحالف عبد الله حمدوك في منشور على منصة " إكس "عن تأييده للقرار، وقال إنه قد يسهم في إنهاء النزاع الدائر في البلاد. وأوضح أنه يمثل فرصة للحد من مظاهر التطرف وتهيئة الظروف لبناء نظام سياسي مدني. وذكر أن التحالف يرى في التصنيف استجابة لمطالب قوى الثورة التي دعت إلى محاسبة الجماعة.
رحبت وزارة الخارجية الإماراتية بالخطوة الأمريكية، وأوضحت في بيان أن جماعة الإخوان المسلمين "تمارس أعمال العنف المفرط ضد المدنيين وتزعزع الاستقرار لتقويض الجهود المبذولة لحل النزاع في السودان". وأشارت إلى أن الخطوة تمثل "إجراء محوريا ضمن الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لحرمان الجماعة من الموارد".
قال الباحث والمحلل السياسي الأمريكي كاميرون هدسون إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية يرتبط بحملة الضغط التي تمارسها الولايات المتحدة على إيران.
وقال في تغريدة على منصة "إكس": "من الواضح أن جماعات الضغط المناهضة للإخوان المسلمين في واشنطن، والمدفوعة والممولة من مصادر إسرائيلية، وجدت طريقة لتحقيق هدفها عبر الباب الخلفي". وشكك في إمكانية معرفة المنتمين إلى الجماعة، وأوضح "من هم الإخوان المسلمون في السودان؟ وكيف يمكن تعريف وتحديد من هو الأخ المسلم؟ إن تداعيات ذلك قد تكون بعيدة المدى".
تعليقا على العقوبات، قال مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية مسعد بولس إن تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية يؤكد استخدام واشنطن جميع الأدوات المتاحة لمكافحة الإرهاب، والتصدي للنفوذ "الخبيث" لإيران، ومحاسبة المسؤولين عن ارتكاب جرائم ضد المدنيين في السودان.
وأفاد في منشور على منصة "إكس" بأن الشعب السوداني عانى نتيجة الصراع المستمر، وأيضا بسبب أفعال الجهات الضارة والفظائع التي ارتكبها الطرفان في النزاع. وأضاف "حان الوقت لكي يقبل الطرفان فورا بهدنة إنسانية تتيح وصول المساعدات المنقذة للحياة إلى المدنيين وتوفر مساحة للحوار".
يرى المحلل والملحق الإعلامي السوداني السابق في واشنطن مكي مغربي أن القرار الأمريكي ليس موجها بالضرورة نحو الجماعة وحدها، بل يحمل رسائل سياسية أوسع على صعيد المشهد السوداني.
وقال للجزيرة نت إن القرار يحمل رسالة غير مباشرة إلى قيادة الجيش السوداني مفادها أنه "لا مجال للتعاون مع الإسلاميين"، وأن على القوات المسلحة اتخاذ مواقف واضحة حيال التيار الإسلامي. وتابع "الغرض ليس محاربة الإرهاب بالمعنى التقليدي، بل زرع فتنة بين قيادات الجيش والإسلاميين لضمان تفريغ الساحة السياسية لصالح عناصر معينة".
وحسب المحلل مغربي، قد يؤدي هذا التوجه إلى إعادة إنتاج مشهد سياسي مشابه لما قبل الحرب، حيث تشارك قوى بعينها في تشكيل المشهد بينما يتم تهميش فاعلين آخرين، كما أن توقيت القرار يرتبط بعوامل إقليمية أكبر من أن يكون مرتبطا مباشرة بالصراع الداخلي في السودان.
المصدر:
الجزيرة