سنة صينية جديدة وخطوط الطيران بين أوروبا والصين أصحبت مزدحمة بزعماء دول أوروبية وغربية، مما يشي بأن القارة العجوز أصبحت تتجه شرقا، فالمصافحات الدافئة بقصر الشعب ببكين لم تكن بروتوكولية ودبلوماسية فقط، بل تعبر عن تحول إستراتيجي عميق يشهده النظام الدولي.
وبالتزامن مع اشتعال الحرب التجارية التي شنها الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، والتي أدت إلى زعزعة استقرار النظام التجاري العالمي، بدأ "موسم الهجرة" الغربي نحو الصين يأخذ شكلا منظما.
من لندن وأوتاوا وباريس وبرلين، يهرع زعماء الغرب إلى بكين في محاولة لإعادة ضبط بوصلة علاقاتهم، هربًا من ضغوط واشنطن، وبحثًا عن طوق نجاة لاقتصاداتهم المنهكة.
يأتي تسارع وتيرة الزيارات الغربية للصين مطلع عام 2026 ردا مباشرا على سياسات "أمريكا أولا" التي تتبناها إدارة ترمب خلال ولايته الثانية، فالقادة الغربيون أصبحوا يستشعرون خطرا وجوديا على مصالحهم الاقتصادية نتيجة الرسوم الجمركية الأمريكية والتقلبات في سياسة واشنطن الخارجية.
استغلت الصين اللحظة بذكاء، إذ يروج المسؤولون الصينيون لمزايا التعامل مع سوقهم الاستهلاكية الضخمة وقاعدتهم التصنيعية المتطورة، مقدمين أنفسهم بأنهم شريك اقتصادي "يمكن الاعتماد عليه" بخلاف الولايات المتحدة، وهو ما أكدته وسائل إعلام صينية، قالت إن التعاون بين بكين والاتحاد الأوروبي يمكن أن يصبح "قوة استقرار" في وجه تداعيات سياسات الرسوم الجمركية الأمريكية.
وصل المستشار الألماني فريدريش ميرتس إلى بكين، الأربعاء، 25 فبراير/شباط 2026، في زيارة تهدف إلى إعادة ضبط العلاقات في ظل تفاقم الخلل بالميزان التجاري.
وأكد ميرتس خلال لقائه رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ أن ألمانيا تولي أهمية بالغة للحفاظ على كثافة التبادل الاقتصادي مع الصين، التي تعد أكبر شركائها التجاريين، بل وزيادته أيضا.
ويواجه ميرتس مهمة صعبة، إذ يقود وفدا يضم 30 شركة كبرى، من بينها عمالقة صناعة السيارات مثل فولكسفاغن وبي إم دبليو، التي تعاني بشدة من ضغوط المنافسة الصينية.
والاقتصاد الألماني القائم على التصنيع سوف يتأثر بشدة بوجود فائض إنتاج صيني يغرق الأسواق، مما دفع ميرتس للتشديد على ضرورة جعل التعاون "أكثر عدلا".
وسجل الميزان التجاري الألماني مع الصين عجزا قياسيا في 2025 وصل إلى 87 مليار يورو، بزيادة 20 مليار يورو عن العام السابق، وتراجعت الولايات المتحدة للمركز الثاني في الشراكة التجارية مع ألمانيا بـ240.5 مليار يورو، بينما قفزت الصين للمركز الأول بتبادل إجمالي بلغ 251.8 مليار يورو.
ويمثل الثلاثي الأوروبي ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، رأس الحربة في التحول نحو بكين، وإن اختلفت الدوافع، فبرلين تسعى لحماية ركائز صناعتها من التآكل وتأمين سوق لسياراتها، بينما في باريس يواصل الرئيس إيمانويل ماكرون، البحث عن "طريق يؤدي إلى بكين" لتعزيز مفهوم "السيادة الأوروبية" بعيدا عن التبعية الكاملة لسياسات واشنطن، أما لندن فيواجه رئيس الوزراء كير ستارمر ضغوطا داخلية لترميم الاقتصاد البريطاني بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويجد في الصين شريكا لا يمكن تجاوزه رغم الخلافات السياسية، وهو ما برز في زيارته الأخيرة للصين في يناير/كانون الثاني الماضي.
وتحاول أوروبا منع بكين من اتخاذ إجراءات انتقامية بحق عملاق صناعة الرقائق الهولندي (أم سي أم إل) التي تعتمد على الصين في 20% من مبيعاتها، وتطلب الصين من الحلفاء الغربيين عدم الانجرار وراء الحظر الأمريكي على رقائق الذكاء الاصطناعي، مقابل ضمانات بعدم إغراق الأسواق الأوروبية بمنتجاتها في قطاع السيارات.
لم تقتصر الرحلة إلى بكين على الأوروبيين؛ فدول بريطانيا وكندا وأستراليا التي تعتبر تاريخيا الأكثر قربا من واشنطن، بدأت تتبنى نهج "الواقعية السياسية" الجديد.
كندا الأقرب جغرافيا إلى أمريكا وقعت اتفاقا تجاريا وُصف بأنه "تاريخي" في يناير/كانون الثاني 2026، في خطوة اعتبرتها بكين انتصارا لدبلوماسيتها التجارية، مما دفع الصين لإعفاء الكنديين والبريطانيين من تأشيرات الدخول لتسهيل حركة الأعمال.
وتسعى بريطانيا لتشديد العقوبات على روسيا وتعزيز التعاون مع الصين في آن واحد، في موازنة دقيقة بين الأمن القومي والاحتياجات الاقتصادية.
أما أستراليا فقد أكدت زيارة رئيس الوزراء الصيني لها أن العلاقة بين البلدين تمر بمرحلة استقرار ونمو تاريخي.
تكمن في صلب هذه التحركات الكبيرة معركة السيطرة على تكنولوجيا المستقبل، فبينما يهيمن الصينيون على قطاع الصناعات التحويلية والسيارات الكهربائية، تخشى أوروبا من التبعية الكاملة.
وتوجد توجهات مقلقة، تتمثل في تراجع حصة الشركات الأوروبية في السوق الصينية مقابل هيمنة صينية متنامية على سلاسل توريد المعادن النادرة الضرورية للتحول الأخضر، وفق مفوض التجارة في الاتحاد الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش.
ويدرك القادة الغربيون أن "الفكاك" من الصين اقتصاديا هو ضرب من الخيال؛ لذا تركز زياراتهم على تحسين شروط المنافسة وضمان وصول عادل للمواد الخام مقابل إبقاء الأسواق الغربية مفتوحة أمام السلع الصينية.
وقدمت الصين ضمانات غير رسمية بعدم تقييد صادرات المعادن النادرة الموردة لألمانيا، مقابل تخفيف برلين لضغوط واشنطن بشأن حظر ماكينات صناعة الرقائق المتطورة.
وتعيش القارة العجوز فترة "تيه" إستراتيجي غير مسبوقة، فهي ممزقة بين ولائها التاريخي والأمني لحلف شمال الأطلسي ( الناتو) تحت قيادة واشنطن، وبين واقعها الاقتصادي المرتبط ببكين.
ويتزايد القلق الأوروبي من الموقف الأمريكي في مفاوضات السلام (سواء في أوكرانيا أو التجارة)، مما دفع الاتحاد الأوروبي للبحث عن خطط لا مركزية لسياساته الخارجية.
ويتجلى هذا التيه في تحذيرات ترمب لشركائه، إذ توعد كندا برد قوي إذا استمرت في إبرام اتفاقيات تجارية مع بكين تتجاوز الخطوط الحمراء الأمريكية.
بالنسبة لبكين، فإن هذا التوافد الغربي هو "الجائزة الكبرى"، ويعد نجاحا للرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس وزرائه لي تشيانغ في تصوير الصين باعتبارها حامية "للتعددية والتجارة الحرة" في وجه "الفوضى" الأمريكية.
وتستخدم الصين سوقها الاستهلاكية الضخمة كـ"مغناطيس" لجذب الدول الغربية، وهي سياسة نجحت في إحداث شروخ في جبهة التحالفات الغربية، إذ بدأت دول مثل ألمانيا وكندا تفضل المصالح المباشرة على التحالف الذي يفرضه ترمب بـ"شروط مجحفة".
ويبقى السؤال الجوهري: هل ستصمد هذه التحالفات الغربية مع الصين أمام غضب البيت الأبيض؟
ترمب توعد كندا، ويمارس ضغوطا على لندن وبرلين وباريس للحد من التعاون التقني مع بكين، إلا أن إصرار ميرتس وستارمر وكارني على زيارة بكين يعكس اقتناعا غربيا بأن أمريكا لم تعد تترك لهم خيارات أخرى.
وفي المحصلة تبدو هذه الزيارات محاولة لرسم نظام عالمي متعدد الأقطاب، تلعب فيه الدول الغربية على المسارين لضمان بقائها الاقتصادي، ولو كان ثمن ذلك هو "إغضاب الحليف الأكبر" في واشنطن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة