تواصل الولايات المتحدة تشديد سياستها المتعلقة بالهجرة، فقد أعلنت الحكومة تعليق معالجة طلبات تأشيرات الهجرة المقدمة من مواطني 75 دولة في العالم، ثلثها دول أفريقية. ودخل قرار وقف التأشيرات هذا حيز التنفيذ يوم الأربعاء (21 كانون الثاني/ يناير 2026). ويشمل فقط الأشخاص الذين يرغبون في العيش والعمل بشكل دائم في الولايات المتحدة. وتهدف واشنطن من خلال هذه الخطوة إلى وضع حد لما تصفه بـ "إساءة استخدام نظام الهجرة من قبل أشخاص يسعون إلى الثراء على حساب الولايات المتحدة"، حسب البيان الحكومي.
قال فيليب أسيس، المتحدث باسم وزارة الخارجية ومدير مركز الإعلام الإقليمي لأفريقيا في جوهانسبرغ لـ DW: "أوضح الرئيس ترامب أن المهاجرين يجب أن يكونوا مستقلين ماليا وألا يشكلوا عبئًا ماليا على الأمريكيين".
ويؤكد أسيس بأن وزارة الخارجية "تقوم حاليا بمراجعة شاملة لجميع السياسات واللوائح والمبادئ التوجيهية لضمان ألا يستفيد المهاجرون من هذه البلدان عالية المخاطر من المزايا الاجتماعية في الولايات المتحدة وألا يعتمدوا على المساعدات الحكومية. لكن هذه الإجراءات لا تؤثر على تأشيرات السياحة".
مدة هذه الإجراءات غير واضحة. وحسب أسيس يمكن لمواطني البلدان المعنية الاستمرار في تقديم طلبات الحصول على التأشيرات. ولكن خلال فترة التعليق لن يتم الموافقة على أي طلبات للحصول على تأشيرات هجرة لهؤلاء المواطنين. "التأشيرات الأخرى مثل تأشيرات السياح والرياضيين وعائلاتهم وممثلي وسائل الإعلام الذين يسافرون إلى الولايات المتحدة لحضور كأس العالم لكرة القدم لن تتأثر بهذا الإجراء".
ستستضيف الولايات المتحدة كأس العالم لكرة القدم عام 2026 بالاشتراك مع المكسيك وكندا، وستقام الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس عام 2028 وتروج الولايات المتحدة لهذه الأحداث باعتبارها لحظة للوحدة. في الوقت نفسه يواصل الرئس الأمريكي دونالد ترامب سياسته التي بدأها في نوفمبر الماضي والمتمثلة في "وقف الهجرة من دول العالم الثالث بشكل دائم".
في ديسمبر/ أيلول أوقفت الحكومة الأمريكية طلبات الهجرة لمواطني 18 دولة وفرضت حظر دخول على الأشخاص من سبع دول. في يونيو/ حزيران 2025 تم توسيع قائمة حظر الدخول. بعد ذلك بوقت قصير ردت الدول المتضررة مثل مالي و بوركينا فاسو بفرض قيود مماثلة على دخول المواطنين الأمريكيين.
بالنسبة للباحث السياسي فريدسون غيلينغه، في مكتب جنوب أفريقيا التابع لمؤسسة روزا لوكسمبورغ، فإن القاعدة الجديدة تتناسب مع خطة السياسة الخارجية للحكومة الأمريكية، ويقول لـ DW "يجب ألا ننسى أن ترامب خاض حملته الانتخابية تحت شعار: اجعل أمريكا عظيمة مجددا، وإن القومية والاستقلال الاقتصادي من السمات الرئيسية لهذه الحركة".
وفي هذا السياق تؤكد خطابات هذه الحركة على الفكرة "الخاطئة" المتمثلة في حماية العمال ودافعي الضرائب الأمريكيين. "الهدف هو كسب المزيد من الدعم داخل الحركة نفسها من خلال تصوير المهاجرين على أنهم تهديد للمجتمع الأمريكي"، يضيف غيلينغه.
من بين البلدان المتضررة في أفريقيا مصر وإثيوبيا وكذلك تنزانيا وأوغندا والصومال والسودان وجنوب السودان. في غرب أفريقيا توجد العديد من البلدان على قائمة قيود التأشيرات، بما في ذلك غانا والكاميرون وكوت ديفوار وليبيريا ونيجيريا وسيراليون والسنغال.
ويرى الخبراء أن سياسة الهجرة الأمريكية تمثل انتكاسة للعلاقات الطويلة الأمد بين القارتين. "ستكون الآثار وخيمة على السنغال: ستتعطل خطط الدراسة والعمل ولم الشمل. هذا القرار يرسل إشارة خاطئة ويتطلب رداً دبلوماسيا وتدخلا حاسما" لصالح المتضررين، كما يقول بوبكار سيي، رئيس المنظمة غير الحكومية Horizon sans frontières في داكار التي تدافع عن حقوق المهاجرين .
"حجة تجاوز مدة الإقامة مبالغ فيها للغاية"، يقول سيي في معرض تعليقه على القلق الذي أعربت عنه الحكومة الأمريكية. "إنها تعاقب مجموعة سكانية بأكملها بسبب سلوك أقلية. يتم استخدام هذا التبرير بشكل أساسي لتشديد سياسة الهجرة". ومع ذلك يقول سيي إن أمريكا بلد رائع يوفر فرصا على العديد من المستويات حتى للأشخاص الذين لا يمتلكون مؤهلات.
"تقييد التأشيرات أمر خطير بالنسبة لجميع الشباب سواء من أمريكا اللاتينية أو حتى أوروبا، ولكنه خطير بشكل خاص علينا في منطقة الساحل والبلدان المعنية"، كما يقول أحمدو ولد عبد الله، وزير الخارجية الموريتاني السابق وسفير موريتانيا السابق لدى الأمم المتحدة. وهو يرأس الآن معهد أبحاث ويضيف أن القواعد الأمريكية تستهدف بشكل خاص دول تحالف الساحل، "هذه ليست أخبارا جيدة للشباب في هذه البلدان، هؤلاء الذين لا يهتمون عادة بالسياسة ولم تجر فيها انتخابات حتى الآن. لذلك لا أرى أن هذه السياسة مفيدة للبلدان الأفريقية".
لا يرى ولد عبدالله أي تقدم أو انفتاح أو زخم جديد يمكن أن ينشأ عن هذا التغيير السياسي. لا تتعلق الهجرة بالهروب من الصعوبات السياسية، "بل يتعلق الأمر بالحصول على مزيد من الحرية للعمل والنجاح والمنافسة على أساس محايد، دون أن ينسب ذلك إلى الانتماء الديني أو العرقي أو الإقليمي أو العائلي".
جمهورية الكونغو الديمقراطية أيضا متأثرة بوقف تأشيرات الدخول. ويرى فريد باوما، المدير التنفيذي لمعهد الأبحاث Centre Ebuteli في كينشاسا أن هذا الأمر متناقض: "لا نلاحظ هذه المفارقة في الكونغو وحدها. هناك دول أخرى غنية بالموارد وتسعى الولايات المتحدة إلى الاستحواذ عليها. ومع ذلك ترى هذه الدول نفسها مستبعدة من أي حركة". على سبيل المثال أنغولا التي تخضع بالفعل لقيود جزئية على التأشيرات ولكنها، حسب باوما تعد جزءًا أساسيا من استراتيجية الولايات المتحدة في منطقة جنوب إفريقيا بسبب مشروع البنية التحتية الكبير لممر لوبيتو.
في نهاية عام 2025 ظهر الرئيس ترامب كصانع سلام في النزاع بين جمهورية الكونغو الديمقراطية الغنية بالموارد الطبيعية وجارتها رواندا حيث وقّعتا اتفاق سلام. لكن ذلك لم يحقق الكثيرصورة من: Chip Somodevilla/Getty Images/AFP"هذا يعزز إلى حد ما فكرة أن السباق على الموارد أهم من التعاون العادي مع الدول، وبالطبع هذه وجهة نظر خطيرة وغير مواتية لدول الجنوب التي ترغب في تجاوز مجرد تبادل السلع"، كما يقول باوما لـ DW.
لكن سياسة الهوية الثقافية تلعب أيضا دورا، حسب غيلينغه. فهذه القيود تشير إلى الرغبة في الحفاظ على الثقافة الأمريكية من خلال تقليل عدد الأشخاص ذوي الهويات المختلفة الذين يأتون إلى أمريكا ويستقرون فيها. يمكن أن نسمي ذلك "شعبوية إقصائية".
"ونتيجة لذلك يعاني الناس من الإقصاء"، يقول غيلينغه. وهذا يؤدي إلى تناقض: فالحقيقة هي أن المهاجرين لا يشكلون عبئًا اقتصاديا، بل يخلقون اقتصادا ونموًا ويساهمون في المجتمع. "ليس صحيحا أن تعليق الطلبات سيحمي الاقتصاد الأمريكي، بل قد يؤدي إلى عكس ذلك". كما يثير مخاوف إنسانية: "ستنفصل العائلات وقد يُمنع اللاجئون من دخول الولايات المتحدة وقد يكون لذلك عواقب وخيمة على بعض الأشخاص".
أعده للعربية: م.أ.م
تحرير: عارف جابو
المصدر:
DW