آخر الأخبار

النيكوتين "الخفي" يستقطب الشباب ويثير قلق خبراء الصحة العامة

شارك

بعد تحذير منظمة الصحة العالمية من خطر إدمان أكياس النيكوتين وتأثيرها على نمو الدماغ، تزداد شعبية هذه المنتجات في البرتغال في ظل غياب تنظيم واضح، بينما تبحث السلطات والخبراء سبل ضبط هذا السوق سريع التوسع.

صغيرة، غير لافتة للانتباه وبدون دخان. تفرض أكياس النيكوتين نفسها تدريجيا في البرتغال، حتى قبل وجود إطار قانوني متكامل لتنظيم تسويقها والإعلان عنها.

توضع هذه الأكياس بين اللثة والشفة، فتُطلِق النيكوتين من دون احتراق، وهي سمة تميزها عن السيجارة التقليدية وتقف في قلب نقاش متصاعد بين الصناعة والسلطات وخبراء الصحة العامة.

على مدى أشهر، بيعت هذه المنتجات في متاجر التبغ والأكشاك في ظل فراغ قانوني. وبدأ الوضع يتغير هذا العام، منذ أن أُدرِجت ضمن قائمة منتجات التبغ والنيكوتين الخاضعة لضريبة خاصة على الاستهلاك (المصدر باللغة البرتغالية) . وفي هذا السياق أقدمت شركة "تاباكيرا"، وهي شركة تابعة لـ"فيليب موريس إنترناشونال"، على إطلاق التسويق الرسمي لأكياس النيكوتين في البلاد.

يشرح المدير العام لشركة "تاباكيرا"، الأرجنتيني الأصل مارسيلو نيكو، في حديث إلى "يورونيوز": "كانت هذه المنتجات موجودة في السوق البرتغالية من دون تنظيم. ومنذ بداية هذا العام في البرتغال فُرِض عليها نظام ضريبي، إذ تخضع لضريبة خاصة على الاستهلاك. قبل بداية هذا العام، كان أي منتج موجود في السوق في وضع قانوني رمادي. لذلك لم ندخل السوق إلا مع مطلع هذا العام".

ويضع نيكو هذا الإطلاق في إطار إستراتيجية أوسع لاستبدال التبغ التقليدي قائلا: "رؤيتنا هي خلق عالم بلا دخان، حيث تحل بدائل أقل ضررا ومن دون احتراق محل السيجارة التقليدية". وبحسب نيكو، فإن هذه الأكياس "موجهة إلى المدخنين البالغين الذين يبحثون عن بديل".

ومع إقراره بأن النيكوتين مادة تسبب الإدمان، يشدد مارسيلو نيكو على ضرورة تنظيمها: "يجب تنظيم جميع منتجات النيكوتين، لأن النيكوتين يسبب الإدمان. والجوهر هو وجود تشريعات تسمح بتسويق هذه المنتجات للمدخنين البالغين، لكنها في الوقت نفسه تضمن عدم وصول القُصَّر إليها وألا تكون جذابة لهذه الفئة التي ليست الجمهور المستهدف لهذه المنتجات".

التسويق، النكهات والقلق بشأن الشباب

بنكهات مثل النعناع والتوت والمانغو، تثير أكياس النيكوتين قلق الخبراء، ولا سيما بسبب قدرتها على أن تصبح أكثر جاذبية للفئات الشابة وغير المدخنين.

وفي تصريحات لـ**"يورونيوز"**، تحذر صوفيا بيلو رافارا، طبيبة الأمراض الصدرية في الوحدة المحلية للصحة في منطقة "كوفا دا بايرا" وأستاذة الطب الوقائي في كلية علوم الصحة بجامعة "بييرا إنتيريور"، من دور التسويق وغياب التنظيم في المراحل الأولى.

وتقول: "طُرِحت هذه المنتجات في السوق مع حملات تسويقية شديدة العدوانية، وعبوات جذابة، وحضور قوي على شبكات التواصل الاجتماعي. كل ذلك أسهم في زيادة الاستهلاك، خصوصا بين الشباب".

وتشدد الخبيرة على أن النكهات تؤدي دورا محوريا في نشوء الاعتماد، وترى أن حظرها وحده يمكن أن يضع حدا لتنامي استهلاك هذه المنتجات.

وتوضح طبيبة الأمراض الصدرية: "تجعل النكهات التجربة أكثر متعة، وتزيد من امتصاص النيكوتين وتُضاعف احتمالات الإدمان، وهو أحد الأسباب التي تدفع الشباب إلى الإقبال على هذه المنتجات".

وتضيف أن هذه الطريقة في الاستهلاك لا تلغي المخاطر: "يُمتص النيكوتين بسرعة عبر الغشاء المخاطي للفم، كما يُمتص بشكل مستمر عبر اللعاب، ما يؤدي إلى مستويات ثابتة منه في الجسم ويزيد من قدرته على إحداث الإدمان".

مخاطر صحية وتأثيرات في الدماغ

حاليا في البرتغال، يمكن أن يحتوي كل كيس على ما يصل إلى 12 ملليغراما من النيكوتين (المصدر باللغة البرتغالية) ، في حين تحتوي السيجارة الواحدة على نحو ثمانية ملليغرامات من النيكوتين، لكن لا يُمتص عند التدخين سوى نحو ملليغرام واحد.

وعلى الرغم من أنها لا تحتوي على التبغ، فإن إمكان التسبب في الاعتماد يبقى قائما، وكذلك المخاطر الصحية، ولا سيما ما يتعلق بتأثيراتها في الجهاز العصبي المركزي.

مصدر الصورة تحتوي السيجارة الواحدة على نحو ثمانية ملليغرامات من النيكوتين، لكن لا يُمتص عند التدخين سوى نحو ملليغرام واحد AP Photo

وتحذر صوفيا بيلو رافارا قائلة: "ربما تكون التأثيرات في الدماغ هي الأكثر إثارة للقلق، خصوصا أن من سيستخدم هذه المنتجات هم بالأساس الأطفال والمراهقون، وكذلك الشباب البالغون. فالنيكوتين يضر بتطور الدماغ، ويتداخل مع القدرات المعرفية ويتسبب في تغيرات سلوكية. إنه يؤثر في الذاكرة والانتباه وضبط الاندفاعات، كما يزيد أيضا من خطر القلق والاكتئاب".

وتضيف الطبيبة أن النقاش لا يجب أن يقتصر على المقارنة مع السيجارة التقليدية: "السؤال ليس ما إذا كانت أقل خطرا من التبغ، بل ما إذا كانت آمنة، وهي ليست كذلك. إنها منتجات سامة وعالية الإدمان".

تجربة الدنمارك: نمو سريع واستجابة متأخرة

وتظهر التجربة في دول أخرى أيضا أن نمو هذا السوق يمكن أن يكون سريعا ويصعب كبحه. وتوضح الطبيبة الدنماركية شارلوتا بيسينغير هذا التحدي، من خلال رسم قياس على الحالة الدنماركية.

وتشرح في تصريحات لـ**"يورونيوز"**: "في الدنمارك، بدأت أكياس النيكوتين تُروَّج حوالي عامي 2018 و2019، في وقت لم تكن هناك تشريعات محددة. كانت موجودة في كل مكان، وخصوصا على شبكات التواصل الاجتماعي والمهرجانات، وغالبا ما كانت تُوزَّع مجانا".

وكانت النتيجة زيادة حادة في الاستهلاك بين الشباب: "في غضون سنوات قليلة، أصبحت هذه الأكياس شائعة جدا. وفي عام 2025، كان نحو 14 بالمئة من الشباب في الدنمارك، ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و29 عاما، يستخدمون أكياس النيكوتين".

وبحسب شارلوتا بيسينغير، جاءت الاستجابة التنظيمية أيضا متأخرة. وتضيف: "عندما نجحنا في تطبيق قواعد أكثر صرامة كانت هذه المنتجات قد انتشرت بالفعل. ومن الأصعب بكثير السيطرة عليها بعد ترسخ الإدمان".

وقد اعتمدت الدنمارك تدابير مثل الحد من النكهات، وفرض عبوات محايدة، وقيود على الإعلانات، ووضع سقف لمحتوى النيكوتين بحيث لا يحتوي كل كيس على أكثر من تسعة ملليغرامات، وألا تضم كل علبة أكثر من 20 كيسا. ومع ذلك لا تزال التحديات قائمة، خصوصا في ما يتعلق بـمراقبة المبيعات عبر الإنترنت، حيث لا يجري التحقق من سن المستهلك من خلال طلب وثيقة هوية.

وتوجّه الخبيرة في قضايا الصحة المرتبطة بالتبغ تحذيرا آخر إلى السلطات البرتغالية: "من الضروري التحرك بسرعة. فكلما طال الانتظار، أصبح من الأصعب السيطرة على الظاهرة. تقول الصناعة إن هذه المنتجات موجهة للمدخنين، لكنها في الواقع تجند مستهلكين جددا من بين الشباب".

وقد صدر التحذير نفسه عن منظمة الصحة العالمية (المصدر باللغة البرتغالية) هذا الشهر، التي ذكّرت بأن أكياس النيكوتين "لا ينبغي اعتبارها خالية من المخاطر"، وأن النيكوتين "شديد الإدمان ومضر، خصوصا للأطفال والمراهقين" الذين "قد يتأثر تطور أدمغتهم".

وبحسب منظمة الصحة العالمية، يمكن أن يؤثر التعرض المبكر للنيكوتين في الانتباه والتعلم، وأن يزيد على المدى الطويل من احتمالات الاعتماد المستقبلي واستخدام منتجات التبغ، فضلا عن زيادة مخاطر الإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية.

مصدر الصورة منظمة الصحة العالمية وخبراء الصحة العامة يتهمون صناعة التبغ باستخدام أساليب عدوانية لاستقطاب مستهلكين جدد AP Photo

وفي تقرير حلّل أساليب التسويق التي تستخدمها الشركات المنتِجة لهذه الأكياس، وصدر بمناسبة اليوم العالمي من دون تبغ الذي يُصادف 31 أيار/مايو، تشير منظمة الصحة العالمية أيضا إلى أن هذه المنتجات تُسوَّق "بشكل عدواني للمراهقين والشباب"، وأن الأساليب التي تستخدمها الصناعة لاستمالة الفئات الشابة "مصمَّمة من أجل تطبيع استخدام النيكوتين وتقويض إدراك المخاطر".

ويضرب هذا الجهاز التابع للأمم المتحدة أمثلة على ذلك بعبوات تحاكي أغلفة الحلوى، ونكهات بطعم العلكة، والترويج للاستهلاك عبر شبكات التواصل الاجتماعي، ورعاية الحفلات والمهرجانات والفعاليات الرياضية، ولا سيما سباقات "الفورمولا 1".

هل التنظيم في الطريق؟

واستجابة لطلبات دول كانت تسعى إلى إرشاد متخصص بشأن أكياس النيكوتين، حضّت منظمة الصحة العالمية الحكومات على تبني حزمة من الإجراءات لكبح استخدامها.

وتشمل التدابير الموصى بها حظر أو تشديد القيود على المنكهات؛ وحظر الإعلانات والترويج والرعاية، بما في ذلك على شبكات التواصل الاجتماعي واستخدام المؤثِّرين؛ والرقابة الصارمة على التحقق من السن؛ وتحذيرات صحية واضحة وعبوات موحَّدة؛ ووضع حدود قصوى لكمية النيكوتين المسموح بها؛ وفرض ضرائب تقلل القدرة على الشراء وتثني الشباب عن الاستخدام؛ إضافة إلى رصد أنماط الاستهلاك وأساليب الصناعة.

وفي البرتغال، وافقت الحكومة مطلع هذا الشهر، في مجلس الوزراء، على مشروع قانون يضع إطارا قانونيا لأكياس النيكوتين (المصدر باللغة البرتغالية) وتعمل الآن على إعداد قواعد جديدة لمواكبة توسع السوق. ومن بين التدابير قيد الدرس القيود على الإعلانات، وتحديد نقاط البيع، وإمكانية حظر النكهات والعبوات الجذابة.

ويرى مارسيلو نيكو أن التنظيم ضروري، لكن ينبغي أن يكون متوازنا. ويقول: "من المهم وجود إطار واضح يتيح للمدخن البالغ الوصول إلى بدائل، وفي الوقت نفسه يحمي القُصَّر".

أما صوفيا بيلو رافارا فتؤيد مقاربة أكثر تشددا: "علينا تطبيق مبدأ الحيطة والحذر. نحن نعرف أن النيكوتين مضر وأن هذه المنتجات تصل إلى الفئات الشابة، وهذا وحده يجب أن يكون كافيا للتحرك"، مؤكدة أن "الطريق من التجربة الأولى إلى الاستهلاك المنتظم سريع للغاية".

يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار