آخر الأخبار

انسحاب الإمارات من أوبك.. هل يؤدي لتصدع التحالف النفطي أم يعيد تشكيله؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أدخل إعلان الإمارات الانسحاب من منظمة أوبك وتحالف أوبك بلس أسواق الطاقة في مرحلة جديدة من عدم اليقين، ليس فقط بسبب وزن أبوظبي الإنتاجي، بل لأن القرار يأتي في لحظة شديدة الحساسية، مع استمرار اضطرابات الشرق الأوسط ومضيق هرمز بفعل حرب إيران.

فالقرار، الذي يدخل حيز التنفيذ في الأول من مايو/أيار 2026، لا يمثل مجرد خروج دولة من منظمتين نفطيتين، بل يطرح سؤالا أوسع حول مستقبل قدرة أوبك وأوبك بلس على إدارة المعروض، وضبط الأسعار، والحفاظ على صورة التماسك التي شكلت أحد أهم عناصر قوتهما خلال العقود الماضية.

اقرأ أيضا

list of 3 items
* list 1 of 3 الإمارات خارج "أوبك" و"أوبك بلس".. هل يؤثر على أسواق الطاقة وأسعار الخام؟
* list 2 of 3 الإمارات تنسحب من "أوبك" و"أوبك بلس" والعراق يوضح موقفه
* list 3 of 3 رويترز: النفط يقلص مكاسبه عقب خروج الإمارات من أوبك وأوبك بلس end of list

ورغم تأكيد الإمارات أن الانسحاب لا يغير التزامها باستقرار الأسواق، وأنها ستواصل زيادة الإنتاج "بشكل تدريجي ومدروس"، فإن توقيت الخطوة وحجم الدولة المنسحبة يجعلانها مختلفة عن انسحابات سابقة لدول مثل أنغولا والإكوادور وإندونيسيا.

اختبار تماسك

يرى الباحث الاقتصادي المتخصص في شؤون الطاقة عامر الشوبكي، خلال حديثه للجزيرة نت، أن ما جرى لا يمكن قراءته باعتباره انسحاب دولة من منظمة نفطية فحسب، بل بوصفه انتقالا لصراع أعمق داخل النظام النفطي، يتعلق بمن يملك حق قيادة سوق النفط في المرحلة المقبلة.

وبحسب الشوبكي، فإن انسحاب الإمارات لا يعني انهيار أوبك أو أوبك بلس بشكل فوري، لكنه يضرب أحد أهم أصول المنظمة، وهو صورة التماسك والانضباط الجماعي. فخطورة القرار، من وجهة نظر الخبير الاقتصادي، أنه صادر عن دولة خليجية مركزية ذات قدرة إنتاجية عالية وطموح واضح للتوسع، وليس عن منتج صغير محدود التأثير.

ويشير إلى أن سقوف الحصص داخل أوبك بلس كانت تقيد قدرة الإمارات على تحويل استثماراتها الضخمة في الطاقة الإنتاجية إلى إنتاج فعلي وعوائد مباشرة. ومن هنا، يرى أن القرار يعكس شرخا سياسيا ونفطيا داخل البيت المنتج نفسه، وقد يتحول إلى سابقة تشجع منتجين آخرين على المطالبة بإعادة التفاوض، أو التمرد على نظام الحصص.

مصدر الصورة عدد من ناقلات النفط ترى من سواحل الفجيرة الإماراتية وهي ميناء حيوي لتصدير الخام الإماراتي (رويترز)

ونظام الحصص هو آلية تنظيمية يعتمدها منظمة أوبك وتحالف "أوبك بلس" للتحكم في حجم المعروض النفطي العالمي، إذ يتم تحديد "خط أساس" مرجعي لإنتاج كل دولة عضو، ومن ثم فرض نسبة مئوية محددة للخفض أو الزيادة تُطبق على الجميع بالتساوي، وذلك بهدف موازنة العرض مع الطلب، وضمان استقرار الأسعار في الأسواق الدولية.

إعلان

وأما خبير الطاقة نهاد إسماعيل فيرى أن انسحاب عضو مهم وفاعل، وثالث أكبر منتج داخل المنظمة، سيخلق على الأقل مؤقتا حالة من الارتباك وزعزعة الاستقرار داخل أوبك. ويشير إلى أن الإمارات عبّرت خلال السنوات الماضية عن اعتراضات على قيود أوبك بلس، وطالبت بحصص إنتاجية أكبر، بما ينسجم مع خططها لرفع الإنتاج.

لكن إسماعيل يلفت في المقابل، خلال حديثه للجزيرة نت، إلى أن أوبك تعرضت في تاريخها لهزات وانسحابات متعددة، ومع ذلك بقيت قائمة، ما يعني أن القرار لا يكفي وحده للحكم بانتهاء دور المنظمة.

ضبط السوق

تتمثل الوظيفة الأساسية لأوبك ولأوبك بلس في تنسيق الإنتاج بما يساعد على ضبط المعروض وتخفيف التقلبات السعرية. لكن خروج الإمارات يطرح سؤالا حول قدرة التحالف على الاستمرار في هذه الوظيفة، خاصة إذا اتجهت أبوظبي إلى زيادة إنتاجها تدريجيا خارج نظام الحصص.

ويرى عامر الشوبكي أن أوبك بلس كانت تعتمد على ثلاث أدوات رئيسة تتمثل في الحصص الإنتاجية، والخفض الطوعي، والطاقة الفائضة القابلة للضخ عند الحاجة. ومن وجهة نظره، فإن خروج الإمارات يضعف أداتي الحصص والطاقة الفائضة معا، نتيجة خروج جزء من الطاقة الخليجية المرنة من نظام القرار الجماعي.

ويضيف أن الأثر الكامل للقرار قد لا يظهر فورا بسبب اضطرابات مضيق هرمز والحرب في المنطقة، لكنه سيصبح أكثر وضوحا عند انفراج الأزمة. عندها ستواجه السوق سؤالا محوريا: هل ستضخ الإمارات وفق حساباتها الوطنية، أم وفق إيقاع المنتجين الآخرين؟

ويشير الشوبكي إلى أن الإنتاج الإماراتي الحر قد يضغط على الأسعار نزولا عند عودة الاستقرار لأسواق الطاقة، بينما يرفع تفكك التنسيق علاوة المخاطر في أوقات الأزمات.

في المقابل، يقدم خبير الطاقة ممدوح سلامة قراءة أقل تشاؤما، إذ يرى أن خروج الإمارات سيؤثر قليلا على مكانة أوبك، لكنه لن يقوض قدرة أوبك بلس كأكبر لاعب في سوق النفط العالمي. وبحسب سلامة فإن التحالف سيتعافى بسرعة ويستأنف دوره في توجيه سياسة النفط عالميا.

ويعتبر سلامة خلال حديثه للجزيرة نت، أن خروج الإمارات لن يؤثر جوهريا في قدرة أوبك على ضبط الأسعار، لأن أبوظبي ستنتج خارج أوبك ما كانت تنتجه داخلها، كما أن قدرتها الفعلية على تجاوز مستويات إنتاجها ليست مفتوحة بلا حدود.

وتساهم منظمة أوبك وحدها بقرابة 26% إلى 30% من المعروض النفطي العالمي، وترتفع النسبة إلى قرابة 48% بالنسبة لمساهمة تكتل أوبك بلس (يضم هذا التحالف دول أوبك الـ12، بالإضافة إلى 10 دول من خارجها بقيادة روسيا).

تعظيم العائد

ويتجاوز القرار الإماراتي البعد التنظيمي داخل أوبك إلى سؤال أوسع يتعلق بإستراتيجية الاستثمار في الطاقة داخل الخليج، فالدول المنتجة باتت تواجه معادلة دقيقة، تتمثل في كيفية تعظيم عوائد النفط منخفض التكلفة قبل أن تتغير خريطة الطلب العالمي بفعل التحول الطاقي.

في هذا السياق، يرى الشوبكي أن قرار الإمارات يعيد تعريف الاستثمار النفطي في الخليج من منطق الالتزام الجماعي إلى منطق تعظيم العائد الوطني. فأبوظبي، وفق المتحدث نفسه، لا تريد إنفاق مليارات الدولارات على رفع الطاقة الإنتاجية، ثم البقاء محكومة بحصص لا تسمح لها بتحويل هذه الطاقة إلى عوائد.

إعلان

ويعتبر أن الخليج لم يعد يتعامل مع النفط كسعر يومي فقط، بل كأصل إستراتيجي يجب تسييله سياسيا واقتصاديا، قبل أن تضيق نافذة الطلب على المدى الطويل، أو تتغير بنية سوق الطاقة.

أما نهاد إسماعيل فيرى أن الإمارات تريد الاستقلال الكامل في الإنتاج والتصدير وبناء الشراكات والمشاريع المشتركة دون إملاءات من الشركاء الكبار داخل أوبك بلس. ومن ثم فإن قرار الانسحاب يعكس رغبة في حرية الحركة أكثر مما يعكس مجرد خلاف فني على الحصص.

في المقابل، يرى ممدوح سلامة أن القرار لن يؤثر من قريب أو بعيد على سياسات الاستثمار في قطاع النفط والغاز في دول الخليج، معتبرا أن الفارق الأساسي هو أن الإمارات ستقوم بهذه الاستثمارات منفردة، بينما تواصل الدول الأخرى التعاون داخل أوبك لتأمين الاستثمارات المطلوبة.

مصدر الصورة خروج الإمارات سيؤثر قليلا على مكانة أوبك لكنه لن يقوض قدرة أوبك بلس كأكبر لاعب في سوق النفط العالمي (غيتي)

المعادلة الجديدة

يفتح خروج الإمارات أيضا الباب أمام تساؤلات حول موقع الولايات المتحدة وروسيا في سوق الطاقة، إذ إن هذا الخروج قد ينعكس إيجابا بشكل نسبي على واشنطن لما قد يسهم فيه من اتساع دور المنتجين خارج أوبك بلس، خاصة في ظل كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط في العالم.

ويرى الشوبكي أن خروج الإمارات يمنح الولايات المتحدة فرصة إضافية، لكنه لا يمنحها شيكا مفتوحا. فالنفط الصخري الأمريكي لم يعد ينمو بالوتيرة ذاتها التي شهدها بين عامي 2014 و2019، وذلك بسبب ضغوط التمويل والانضباط الرأسمالي وارتفاع تكاليف الخدمات.

ومع ذلك، فإن أي ضعف في قدرة أوبك بلس على تنسيق المعروض يمنح المنتج الأمريكي مساحة أكبر للتأثير في الأسعار العالمية.

وأما سلامة فيرفض الربط المباشر بين خروج الإمارات وتعزيز دور الولايات المتحدة، معتبرا أن القرار لن يزيد أو يقلل إنتاج النفط الأمريكي، ويرى أن الولايات المتحدة، رغم كونها أكبر منتج عالمي، لا تزال تحتاج إلى استيراد كميات كبيرة من النفط لتلبية احتياجاتها.

وبالنسبة إلى روسيا، يرى الشوبكي أنها ستكون من أكثر الأطراف حساسية للقرار. فمنذ عام 2016، منحها تكتل أوبك بلس منصة نفوذ مهمة، إذ لم تعد موسكو تبيع النفط فقط، بل باتت تشارك في هندسة السعر العالمي. وبحسبه، فإن خروج الإمارات يضعف الإطار الذي تستفيد منه موسكو سياسيا وماليا، لكنه قد يدفعها في المقابل إلى تعميق موقعها داخل التحالف وإظهار نفسها كشريك لا غنى عنه للسعودية.

أما سلامة فيرى أن القرار لن يؤثر على موقع روسيا داخل أوبك بلس، باعتبارها لاعبا أساسيا في أسواق النفط والطاقة، وقادرة على اتخاذ قرارات تخدم مصالحها، سواء منفردة أو بالتعاون مع المنتجين الآخرين.

سجل الانسحابات

ولا يُعدّ خروج الإمارات من أوبك الأول من نوعه، لكنه قد يكون من أكثرها حساسية بسبب وزنها الإنتاجي وتوقيته الجيوسياسي. فقد شهدت المنظمة انسحابات عدة منذ تأسيسها عام 1960 في بغداد من قبل السعودية والعراق والكويت وإيران وفنزويلا.

ومن بين أبرز الدول التي انسحبت من أوبك قطر، التي أعلنت في ديسمبر/كانون الأول 2018 خروجها بعد عضوية استمرت نحو 57 عاما، مبررة القرار بالتركيز على قطاع الغاز الطبيعي المسال. كما انسحبت أنغولا في نهاية 2023 بعد خلافات مرتبطة بحصص الإنتاج، معتبرة أن عضويتها لم تعد تحقق المكاسب المطلوبة لطموحاتها النفطية.

كذلك انسحبت الإكوادور أكثر من مرة، إذ غادرت المنظمة في 1992، ثم عادت في 2007 قبل أن تنسحب مجددا في 2020 لأسباب مالية وإنتاجية. أما إندونيسيا، فعلقت عضويتها بعد تحولها من دولة مصدرة إلى مستوردة، ثم عادت لفترة قصيرة قبل الانسحاب مجددا. كما غادرت أنغولا المنظمة في 1995 ثم عادت إليها في 2016 بسبب خلافات حول حصص الإنتاج.

إعلان
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار