قبل شروق الشمس في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، تبدأ ملامح يوم شاق بالتشكل أمام محطات تعبئة الغاز، حيث تصطف السيارات وأسطوانات الطهي في طوابير طويلة تختصر معاناة مدينة أنهكتها الأزمات.
لم تعد أسطوانة الغاز مجرد حاجة يومية، بل تحولت إلى هاجس يلاحق السكان، مع دخول الأزمة شهرها الخامس دون حلول واضحة.
منذ ساعات الفجر الأولى، يتجمع المواطنون على أمل وصول شاحنات الغاز، بينما يتزايد القلق مع مرور الوقت خشية نفاد الكميات قبل أن يحين دورهم.
بعضهم يقضي ساعات طويلة على الأرصفة، فيما يعود آخرون خاليي الوفاض بعد يوم كامل من الانتظار، في مشهد يعكس حجم الضغط الذي يثقل تفاصيل الحياة اليومية.
ويضيف أن السكان باتوا أمام خيارين قاسيين: الانتظار الطويل أو اللجوء إلى السوق السوداء بأسعار مضاعفة، مشيرا إلى أن بعض الأسر تضطر للتنقل بين مديريات المدينة بحثا عن أسطوانة، فيما لجأت أخرى إلى استخدام الحطب بديلا.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على المنازل، بل تمتد إلى قطاع النقل، أحد أهم مفاصل الحياة اليومية، إذ يقدر مراقبون أن نحو 80% من حافلات النقل العام في المدينة تعتمد على الغاز بديلا عن البنزين مرتفع التكلفة.
وفي هذا السياق، يروي سائق الحافلة عبد الله الشميري جانبا آخر من المعاناة، إذ يقضي يومه متنقلا بين المحطات بحثا عن الغاز، غالبا دون جدوى.
ويقول إن هذا الوضع انعكس بشكل مباشر على دخله، حيث تراكمت عليه ديون تتجاوز 200 ألف ريال (نحو 840 دولارا)، إلى جانب التزامات أسرية ثقيلة.
أما سائق الأجرة علي الحالمي، فيرى أن الأزمة تتجاوز نقص الإمدادات، ويصفها بأنها "مفتعلة"، مشيرا إلى أن بعض المحطات تغلق رغم توفر الغاز، ما يزيد من حدة الازدحام.
ويضيف أن السائقين باتوا محاصرين بين ارتفاع أسعار البنزين وصعوبة الحصول على الغاز، ما رفع تكاليف التشغيل وخفّض دخلهم.
وفي خلفية هذا المشهد، تتعدد الأسباب التي تجعل الأزمة أكثر تعقيدا من مجرد نقص مؤقت، إذ يعزو مختصون تفاقمها إلى اختناقات في سلاسل التوزيع، وارتفاع تكاليف النقل، وضعف الرقابة، مما أتاح المجال للمضاربة واتساع السوق السوداء.
كما ساهم التحول المتزايد نحو استخدام الغاز كبديل للبنزين في رفع الطلب بشكل كبير، خاصة مع الفارق السعري بينهما. وتشير تقديرات إلى أن نحو 75% من السيارات في المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية باتت تعمل بالغاز، مما أدى إلى زيادة الاستهلاك بنحو 20% خلال عام 2025.
ويقول سائقون إن استخدام الغاز يقلل تكاليف التشغيل بنحو 60% مقارنة بالبنزين، إذ تُباع أسطوانة الغاز (20 لترا) بنحو 9 آلاف ريال (38 دولارا)، مقابل نحو 29 ألف ريال للبنزين بالكمية نفسها.
في المقابل، تبدو الإمدادات محدودة، إذ تنتج مصفاة صافر في مأرب نحو 52 مقطورة غاز يوميا، تغطي قرابة 60% من الاحتياجات، بينما لا تتجاوز حصة عدن 9 مقطورات يوميا، يُخصص جزء كبير منها لمحطات السيارات والمولدات، ما يترك السوق المحلية في حالة شح دائم.
ويزيد من تعقيد الأزمة -بحسب مختصين- اتساع عمليات تهريب الغاز إلى مناطق أخرى مستفيدة من فروق الأسعار، وهو ما يقلص الكميات المتاحة داخل المدينة.
من جانبه، يعزو محمد الجماعي، مستشار وزير الصناعة والتجارة اليمني، الأزمة إلى اختلالات في منظومة التوزيع أكثر من كونها نقصا فعليا في الكميات.
ويقول للجزيرة نت إن تأخر تدفق الإمدادات من مناطق الإنتاج، إلى جانب تحديات النقل وارتفاع تكاليفه، يسهم في خلق فجوات في السوق.
ويشير الجماعي إلى أن الفجوة بين السعر الرسمي والسوق السوداء تؤثر على كفاءة التوزيع، وتزيد الضغط على القنوات المنظمة.
ويؤكد الجماعي أن تزايد استخدام الغاز في قطاع النقل فاقم الطلب، في ظل ضعف التنسيق بين الجهات المعنية، وغياب الشفافية في آليات التوزيع، مشددا على ضرورة تعزيز الرقابة وتحسين إدارة الإمدادات لضمان وصولها بشكل عادل.
وفي المقابل، طلبت "الجزيرة نت" تعليقا رسميا من إدارة شركة الغاز في عدن، لكن مديرها رفض الإدلاء بأي تصريح، مما ترك تساؤلات السكان دون إجابة.
وبين طوابير تمتد منذ الفجر وأسعار تتصاعد في السوق السوداء، تبدو عدن عالقة في دائرة انتظار مرهقة، حيث تحوّل الغاز من وسيلة لتخفيف أعباء الحياة إلى عبء يومي يكشف عمق الأزمة المعيشية، في ظل غياب حلول عاجلة تعيد التوازن إلى سوق يعاني اختلالا متفاقما.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة