آخر الأخبار

هدنة الأيام الخمسة.. هل نزع ترمب فتيل انفجار أسواق الطاقة؟

شارك

أحدث إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تأجيل استهداف البنية التحتية للطاقة في إيران خمسة أيام، عقب حديثه عن "محادثات مثمرة" مع طهران، تحولا حادا في اتجاهات أسواق الطاقة. إذ لم يعد المتعاملون يسعرون فقط احتمالات التصعيد، بل بدأوا في تقليص جزء من علاوة المخاطر التي تراكمت في الأسابيع الماضية.

وانعكس ذلك سريعا على الأسعار، إذ تراجع خام برنت إلى ما دون 100 دولار للبرميل بعد أن كان قد لامس مستويات تفوق 113 دولارا، كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط بشكل ملحوظ، في حين هبط عقد الغاز الأوروبي المرجعي (TTF) للشهر الأمامي (العقود الآجلة الأقرب استحقاقا) إلى نحو 54 يورو لكل ميغاواط/ساعة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 النفط يرتفع بفعل مخاوف الإمدادات والذهب يواصل التراجع
* list 2 of 2 ارتفاع أسعار الأسمدة جراء حرب إيران.. 4 دول مستفيدة وأخرى متضررة end of list

غير أن هذا التراجع السريع في الأسعار لا يكفي للقول إن أزمة الطاقة قد انحسرت فعليا. فقد سارعت طهران إلى نفي وجود أي حوار مباشر مع واشنطن، فيما ظل جوهر الأزمة، المتمثل في اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز، دون تسوية واضحة.

وفي هذا السياق، حذر المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، من أن الحرب ألحقت أضرارا "شديدة أو شديدة جدا" بما لا يقل عن 40 أصلا للطاقة في تسع دول، مؤكدا أن الاقتصاد العالمي يواجه تهديدا كبيرا، وأن إعادة هذه الأصول إلى الخدمة قد تستغرق وقتا طويلا.

صدمة تهدئة

لم يكن التراجع السريع في أسعار النفط والغاز نتيجة تحسن فوري في أساسيات السوق، بقدر ما جاء انعكاسا لتحول مفاجئ في الخطاب السياسي الأمريكي. فقد كانت الأسواق تسعر قبل ذلك سيناريو تصعيد مباشر يستهدف منشآت الطاقة الإيرانية، بما يحمله من مخاطر واسعة على الإمدادات الإقليمية.

ومع إعلان ترمب تأجيل الضربات خمسة أيام، وحديثه عن أفق لـ"حل كامل"، سارع المتعاملون إلى تقليص مراكزهم المبنية على توقعات التصعيد، مما أدى إلى هبوط سريع في الأسعار. ويعكس هذا التحرك في جوهره تراجعا جزئيا في علاوة المخاطر الجيوسياسية، أكثر مما يشير إلى تحسن فعلي في توازنات العرض والطلب.

إعلان

وفي هذا السياق، يرى خبير شؤون النفط والطاقة ممدوح سلامة أن التراجع الأخير في الأسعار "جاء نتيجة إعلان ترمب أنه يجري مفاوضات مع إيران وأنها كانت إيجابية"، معتبرا أن ما حدث لا يعكس تحولا حقيقيا في مسار الأزمة بقدر ما يعبر عن محاولة أمريكية للبحث عن مخرج.

ويضيف سلامة في حديثه للجزيرة نت، أن تراجع ترمب عن تهديده السابق بضرب منشآت الطاقة الإيرانية في غضون 48 ساعة يشير، من وجهة نظره، إلى تراجع إستراتيجي أكثر منه نجاحا في فرض وقائع جديدة على الأرض.

وتقود هذه القراءة إلى استنتاج أولي مفاده أن الأسواق لم تتعامل مع تصريحات ترمب بوصفها تسوية مكتملة، بل باعتبارها مؤشرا على تجميد مؤقت للسيناريو الأسوأ. لذلك جاء رد الفعل حادا، لكنه ظل هشا وقابلا للارتداد السريع، خاصة مع ظهور معطيات مناقضة عقب نفي وسائل إعلام إيرانية رسمية وشبه رسمية وجود أي حوار مع واشنطن.

إزالة علاوة المخاطر أم تسعير لانفراج؟

المؤشرات لا تدعم، حتى الآن، استنتاجا حاسما بأن الأسواق بدأت تسعر احتواء الأزمة وعودة التدفقات الطبيعية عبر مضيق هرمز. فرغم التراجع الملحوظ في أسعار خام برنت عقب التصريحات الأمريكية، فإن هذا الانخفاض جاء بعد موجة صعود حادة دفعت الأسعار إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل، في سياق تسعير مسبق لمخاطر تعطل الإمدادات.

وفي هذا الإطار، يعكس التراجع الأخير بالأساس تقليصا جزئيا لعلاوة المخاطر التي كانت قد أدرجت في الأسعار في فترة التصعيد، دون أن يشير ذلك بالضرورة إلى انحسار كامل لهذه المخاطر أو عودة التوازن إلى السوق.

يجد هذا التفسير صداه أيضا في قراءات عدد من المتخصصين في أسواق الطاقة. فقد أشار مدير الاستثمار الكندي المتخصص في قطاع الطاقة إريك نوتال، في تدوينة على منصة "إكس"، إلى أن أسوأ مراحل أزمة الطاقة لم تنته بعد، موضحا أن إعادة فتح مضيق هرمز، حتى في حال حدوثها، لا تعني عودة فورية إلى مستويات ما قبل التصعيد، في ظل تراجع المخزونات العائمة والحاجة إلى وقت لاستعادة الإنتاج المتضرر.

كما رجّح نوتال أن تحتفظ السوق بعلاوة مخاطر سياسية قد لا تقل عن 10 دولارات للبرميل، مع عودة التركيز على مسألة "أمن الإمدادات".

وتتسق هذه القراءة مع ما نقله خافيير بلاس عن الرئيس التنفيذي لشركة "شيفرون"، مايك ويرث، الذي أشار إلى أن السوق المادية للنفط تبدو أكثر شحا مما تعكسه تحركات السوق المالية، لا سيما في المنتجات المكررة وفي الأسواق الآسيوية.

وبذلك، فإن الهبوط الحالي يبدو أقرب إلى خصم جزئي للمخاطر من كونه تسعيرا لعودة كاملة ووشيكة إلى تدفق طبيعي ومستقر عبر هرمز.

وتشير المعطيات إلى استمرار فجوة بين ما تعكسه العقود المالية وبين أوضاع الإمدادات الفعلية، وهي فجوة تُبقي السوق عرضة لتقلبات سريعة في حال تجدد التصعيد أو استمرار تعطل بعض الأصول والمنشآت.

ارتدادات لحظية

تعكس حركة الأسعار ذاتها طبيعة ما جرى بوصفه استجابة سريعة للعناوين السياسية. فقد تراجع خام برنت أثناء الجلسة إلى نحو 97.47 دولارا للبرميل قبل أن يرتد مجددا إلى حدود 104 دولارات ليعود إلى ما دون الـ100 دولار، في سلوك يعكس غياب اتجاه مستقر في السوق، وتذبذبها بين رهانات التهدئة ومخاوف أن تكون مجرد هدنة مؤقتة.

إعلان

ويتزامن ذلك مع تحذيرات أطلقتها وكالة الطاقة الدولية في اليوم نفسه، أشارت فيها إلى أن الأضرار التي طالت عشرات الأصول الطاقية في المنطقة قد تجعل استعادة الإمدادات عملية أكثر بطئا وتعقيدا، حتى في حال توقف التصعيد العسكري.

ويقول الخبير في شؤون الطاقة أحمد طرطار إن التراجع في أسعار الطاقة "يعود بالأساس إلى ردة فعل على التصريحات المتناقضة للرئيس الأمريكي دونالد ترمب"، مشيرا إلى أن السوق سبق أن شهدت نمطا مماثلا، إذ هبطت الأسعار عقب تصريحات مشابهة قبل أن تعاود الارتفاع مع اتضاح أنها لا تغيّر المعطيات الميدانية.

ويضيف طرطار في حديثه للجزيرة نت أن انتهاء الحرب، حتى في حال تحققه، لن يعني عودة فورية للأسعار إلى مستويات ما قبل الأزمة، نظرا لأن استعادة الإمدادات وإصلاح الأضرار، وإعادة تنظيم سلاسل النقل والشحن، قد تستغرق أشهرا لا أياما.

وتتسق هذه الرؤية مع تصريحات فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، التي أشار فيها إلى أن الأضرار الواسعة التي طالت الأصول الطاقية في المنطقة ستتطلب وقتا قبل استعادة مستويات التشغيل الكاملة. كما تتقاطع مع تحذيرات صادرة عن مؤسسات مالية من أن استمرار أسعار النفط عند مستويات مرتفعة، مثل 120 دولارا للبرميل، قد يضغط على وتيرة النمو في آسيا، ويقلص هامش المناورة المتاح أمام السياسات النقدية والمالية لدى البنوك المركزية والحكومات.

هل نزع ترمب فتيل الأزمة؟

يصعب، في ضوء المعطيات المتاحة حتى الآن، الجزم بأن ترمب نجح فعلا في نزع فتيل أزمة الطاقة. والأقرب إلى توصيف ما جرى أنه أسهم في تهدئة فورية للأسواق، ومنع انتقالها في تلك اللحظة إلى سيناريو أكثر قتامة.

فقرار تأجيل الضربات خفض احتمالات استهداف مباشر لمنشآت الطاقة الإيرانية، وهو ما كان قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى ويفتح الباب أمام ردود متبادلة تطال بنية تحتية إقليمية أوسع.

غير أن هذا التأثير ظل في إطاره التكتيكي والمحدود، إذ لم تتغير العوامل الجوهرية التي تقف خلف الأزمة: لا اتفاق معلن، ولا مؤشرات مؤكدة على مفاوضات مباشرة، ولا ضمانات لإعادة فتح مستقر لمضيق هرمز، ولا تعافي سريع للأصول الطاقية المتضررة.

وفي هذا الإطار، يرى محمد رمضان، المستشار السابق لوزير المالية الكويتي، أن ما جرى يعكس في جوهره صعوبة استمرار الأزمة بهذا المستوى المرتفع من الكلفة على مختلف الأطراف.

ويشير إلى أن الحرب التي كان يفترض أن تحسم في أيام امتدت أسابيع من دون تحقيق أهدافها المعلنة، في وقت اتسعت فيه التداعيات لتطال الاقتصاد العالمي بأسره، خاصة مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز وتعطل الشحنات الأخيرة قبل إغلاقه.

ويضيف للجزيرة نت أن انتقال ترمب من التلويح بضربات في غضون 48 ساعة إلى منح مهلة جديدة مدتها خمسة أيام يتماشى مع نمط معروف في قراراته، لكنه يعكس في الوقت ذاته إدراكا متزايدا بأن كلفة الاستمرار في التصعيد قد تتجاوز المكاسب المحتملة.

ويرى خبراء في أسواق الطاقة أن ما تحقق حتى الآن يمكن توصيفه على أنه تهدئة مؤقتة في المزاج الاستثماري، وليس تسوية نهائية في ملف الطاقة، مشيرين إلى أن الفارق بين الحالتين جوهري، إذ إن التهدئة المؤقتة قد تدفع الأسعار إلى التراجع السريع، لكنها لا تكفي لإعادة بناء الثقة في استدامة الإمدادات، التي تظل مرهونة بتسوية فعلية ومستقرة.

مصدر الصورة صعد اليورو بأكثر من 1% إلى نحو 1.158 دولار عقب مكاسب سابقة للعملة الخضراء (رويترز)

إشارات الأسواق المالية

لم يقتصر رد الفعل على أسواق النفط والغاز، بل امتد إلى مختلف الأصول المالية. فقد سجلت الأسهم الأوروبية والأمريكية ارتفاعا عقب تصريحات ترمب، في انعكاس لتراجع مؤقت في المخاوف من صدمة طاقة أشد. غير أن هذا الصعود لم يكن مستقرا أو متسقا؛ إذ عوضت المؤشرات الأوروبية خسائرها الصباحية لتنهي التداولات على مكاسب محدودة، فيما قلصت العقود الأمريكية الآجلة جزءا من ارتفاعها بعد النفي الإيراني.

إعلان

وفي سوق العملات، تراجع الدولار بعد مكاسب سابقة، بينما صعد اليورو بأكثر من 1% إلى نحو 1.158 دولار، في إشارة إلى انخفاض الطلب على العملة الأمريكية باعتبارها ملاذا آمنا.

وبالتوازي، تراجعت عوائد السندات الحكومية التي كانت قد ارتفعت بفعل مخاوف التضخم، ما يعكس إعادة تسعير جزئية للمخاطر في الأسواق المالية.

غير أن الأهم هو أن هذه التحركات ذاتها تكشف هشاشة هذا الانفراج، فقد كان العائد على السندات البريطانية لأجل عشر سنوات قد بلغ نحو 5.1%، وهو أعلى مستوى منذ 2008، قبل أن يتراجع عقب تصريحات ترمب.

ولا يعكس هذا الانخفاض اختفاء القلق، بقدر ما يعبر عن إعادة تسعير سريعة لاحتمال أن تكون صدمة الطاقة أقل حدة مما كانت تتوقعه الأسواق قبل ساعات فقط.

وبالمثل، فإن تراجع الدولار وارتفاع الأسهم لا يشيران إلى اقتناع الأسواق بانتهاء الأزمة، بل يعكسان انتقالا مؤقتا من وضع التحوط من السيناريو الأسوأ إلى حالة ترقب لما ستسفر عنه الأيام الخمسة المقبلة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار