آخر الأخبار

التاج السبكي.. الفقيه الذي تحدى جباية المماليك ودفع ثمن ذلك

شارك

في القرن الثامن الهجري، لم يكن من السهل على فقيه يعيش في ظل دولة عسكرية كدولة المماليك أن يقول للأمراء إن أموال الناس ليست ملكا لهم، وإن الحاكم وكيل عن الأمة وليس سيدا عليها، وإن وظيفة العالم هي الوقوف في وجه الحاكم حين يظلم. ومع ذلك، فعل تاج الدين عبد الوهاب بن علي السبكي ذلك، ودفع ثمن موقفه عزلا وسجنا وملاحقة، قبل أن يترك واحدا من أكثر النصوص التراثية إثارة للاهتمام في مساءلة السلطة وأخلاق الحكم.

لا يحضر اسم التاج السبكي كثيرا في النقاشات العربية المعاصرة حول السياسة والعدل والمال العام، رغم أنه كان واحدا من كبار فقهاء الشافعية في عصره، وقاضيا للقضاة، ومؤرخا للفقهاء، وصاحب مؤلفات غزيرة كتبها خلال حياة قصيرة لم تتجاوز 44 عاما. وقد بلغ من المكانة العلمية أن آلت إليه رئاسة المذهب الشافعي، وعده الفقهاء من بعده مجتهدا مطلقا، أي قادرا على الاجتهاد المستقل عن مذاهب الأئمة المتبعين، فلا يكتفي بتكرار ما قاله السابقون، بل ينظر في النصوص والوقائع ويصدر أحكامه وفق ما يراه حقا.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 "دماغك الذي يتعفن".. لغز أكبر كذبة علمية طاردت مستخدمي الشاشات
* list 2 of 2 من أوكرانيا إلى إيران.. لماذا لم يعد أحد ينتصر في الحروب؟ end of list

نشأ التاج السبكي، واسمه عبد الوهاب بن علي، في بيت علم وفضل، فأبوه الفقيه الشافعي الكبير وقاضي القضاة التقي السبكي، الذي يقول السيوطي إنه هو أيضا بلغ رتبة الاجتهاد المطلق. انتقل التاج السبكي مع أبيه إلى الشام، وهو في عمر 12 عاما، وذلك بعد أن تولى أبوه رئاسة القضاء فيه، ومكث التاج السبكي بعد ذلك في دمشق فاتخذها وطنا.

"بلغ التاج السبكي من المكانة العلمية أن آلت إليه رئاسة المذهب الشافعي، وعده الفقهاء من بعده مجتهدا مطلقا"

شاهد التاج أباه وهو يمارس القضاء بالعدل والحق والنصفة وينازع المماليك في إنصاف الرعية وبسط العدل، وتمنى في ترجمة أبيه أنه لم يقبل القضاء. لكن اللافت أن السبكي الذي تندّم على قبول أبيه لمنصب القضاء، قد قبله هو، مما يدل على أنه كتب كلامه هذا وهو نادم أيضا على قبوله منصب القضاء، وهو ما سيظهر واضحا في فكره السياسي.

إعلان

ومع أنه كان مقربا من نائب الشام أمير علي المارديني الذي تولى نيابة مصر فيما بعد، إلا أن التاج السبكي لم يرضخ له، مما تسبب في عزله وتعيين الشيخ السراج البلقيني خلفا له. وبسبب شخصية التاج السبكي التي لا تلين، ثم بسبب كثرة حسّاده، تعرض لمحن كثيرة، حتى تحزبوا عليه وأتوا به مغلولا إلى مصر وجاء معه خلائق من الشام يشهدون عليه. كانت التهمة الأبرز التي اتهم بها التاج السبكي متعلقة بفساد مالي عندما كان في منصب قاضي القضاة، لكن ثبتت براءته، وأعيد إلى منصبه بعد عزله منه.

وعندما نكتب عن الجانب السياسي في فكر التاج السبكي، فإننا لا نستدعيه استدعاء متعسفا، ولا نحمل نصوصه ما لا تحتمل من تأويلات معاصرة. صحيح أن كتاباته قابلة للقراءة في ضوء الفقه الدستوري الحديث، غير أننا نفضل إبقاءها داخل سياقها المملوكي، لفهم الجانب التدبيري في التراث كما تشكل في زمانه ومكانه.

"تكشف نصوص السبكي عن انشغال واضح بحدود السلطة، وحقوق الرعية، وإدارة المال العام"

تكشف نصوص السبكي عن انشغال واضح بحدود السلطة، وحقوق الرعية، وإدارة المال العام، فضلا عن إدراكه طبيعة العلاقة بين الفقيه والأمير، والمسافة التي ينبغي أن تفصل بين شرعية المعرفة وشرعية القوة. ولا تزال بعض ملامح الثقافة السياسية المملوكية حاضرة حتى اليوم، ولا سيما في علاقة السلطة بالفقهاء والصوفية والجماعة العلمية. فقيام الدولة الحديثة لم يمحُ ما سبقه دفعة واحدة، بل ظلت تقاليد الحكم المملوكي ممتدة في العصر العثماني، ثم تسرب بعضها إلى الزمن المعاصر.

ويظهر الإرث السياسي للسبكي بوضوح في كتابه "معيد النعم ومبيد النقم"، حيث لا تبدو السياسة مجرد تدبير للقوة أو فن لحفظ السلطان، بل امتحانا أخلاقيا وفقهيا لشرعية الحكم. فالسلطان لا يستحق سلطانه بمجرد الغلبة، ولا تستقيم الدولة بالأمن والبطش، وإنما بالعدل وصيانة الدماء والأموال والبيوت والكرامات، وباعتبار الحاكم وكيلا عن الأمة لا مالكا لها. من هنا كانت معارضة السبكي معارضة الفقيه الرقابية، لا خروجا مسلحا ولا منازعة على الحكم؛ إذ رأى أن وظيفة العالم هي كبح الأمراء عن الظلم، وحماية الرعية من عسف السلطة وسفك الدماء.

مصدر الصورة الإرث السياسي للسبكي يظهر بوضوح في كتابه "معيد النعم ومبيد النقم" (الجزيرة)

السياسة العادلة والسياسة الظالمة

قسم السبكي السياسة إلى سياسة "شرعية" عادلة وسياسة ظالمة، والسياسة العادلة عنده هي السياسة التي لا تتجاوز حدود الشرع ولا تبطش بالناس باسم "مصالح الدولة" أو "ضروريات السياسة"، والسياسة الجائرة هي التي تتوسع في التعزيرات وانتهاك كرامة الناس بزعم أن قانون الشريعة غير كاف لضبط المجتمع وعقاب المذنبين.

ويستدل السبكي بقوله تعالى: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما". وهو هنا لا يستدل بالآية الكريمة ليقول إن السلاطين متساهلون في أحكام الشرع ينتقصون منها، بل ليقول إنهم يزيدون عليها فأصبحوا أكثر عنفا وأشد قسوة مما رسمه القرآن.

"يهاجم السبكي المصالح المتوهمة التي استندت إليها سياسة الأمراء المماليك في تدبير الشأن العام"

يهاجم السبكي كذلك المصالح المتوهمة التي استندت إليها سياسة الأمراء المماليك في تدبير الشأن العام، فقد ظلموا الناس باسم المصالح، وازدادوا في التعزير والعقوبات لـ"مصلحة الدولة"، فيقول السبكي: "ومصلحة الخلق فيما شرعه الخالق الذي هو أعلم بمصالحهم ومفاسدهم، وشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم متكفلة بجميع مصالح الخلق في معاشهم ومعادهم، ولا يأتي الفساد إلا من الخروج عنها". هذا الهاجس هو نفسه الذي توجس منه إمام الحرمين الجويني من قبل، حين رفض التوسع في التعزيرات والعقوبات باسم المصالح، وشن غارة على بعض الفقهاء ممن زينوا للسلطة السياسية حقها في ذلك.

مصدر الصورة السبكي هاجم المصالح المتوهمة التي استندت إليها سياسة الأمراء المماليك في تدبير الشأن العام (مواقع التواصل)

مركزية الشريعة

لم ينشأ سؤال "الحاكمية" مع سيد قطب في العصر الحديث، بل نرى جذوره من قديم، فقد انتقد فقهاء المسلمين أو نفر منهم تغييب الشريعة عن الشأن العام، واعتبروا ظلم الأمراء المماليك ومن قبلهم ظلم السلاطين والخلفاء في عصر الأمويين والعباسيين، وجورهم، وأكلهم أموال الناس بالباطل، اعتبروا ذلك كله تغييبا للشريعة، حتى ولو كانت الحدود قائمة تنفذ في الفقراء ومن لا جاه له.

إعلان

وبينما اختزل بعض الإسلاميين المعاصرين الشريعة في الحدود والتعزيرات، فإن الفقيه القديم فهم الشريعة بصورة أوسع لتشمل العدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، والحكم الرشيد. يقول التاج السبكي في واجبات "نواب السلطنة": "ومن حقهم (أي: من الواجب عليهم) إلقاء مقاليد الأحكام إلى الشرع لأنه لا حاكم إلا الله". ثم يسهب السبكي في بيان قول الله تعالى: "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون"، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"، "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون"، في فصلين من كتابه.

واللافت في كلام السبكي أن السلاطين في عصره اتهموا الشريعة ضمنيا باللين والرخاوة، ومن ثم رأوا أنها لا تصلح للحكم السياسي الذي يحتاج إلى الشدة والعسف، وهنا يرد التاج السبكي مدافعا عن أحكام الشريعة، محذرا السلاطين من تجاوزها لصالح عسفهم وجورهم، ثم يبين التاج السبكي الجانب الذي اعتبره سلاطين المماليك من "اللين" في الشريعة التي لا تصلح للحكم السياسي، فيحرّم عليهم كبس البيوت، فليس للسلطة السياسية أن تقتحم بيوت المستورين حتى ولو كانوا مذنبين، ما دامت تلك المعاصي في الستر لا يُجهر بها ولا تضر المجتمع.

"حذر السبكي من ترويع الناس حتى لو كانوا مذنبين"

بل إن السبكي يرى رأيا فقهيا ربما لم يقل به غيره، وهو أن الوالي (الحكومة)، إذا تيقن أن جماعة في بيوتهم يعصون الله ويرتكبون منكرا، فعليه أن "يبعث إليهم رسولا صالحا ينهى عن المنكر بقدر ما نهى الله عنه، ولا يزيد على ذلك". لقد استعمل السبكي مصطلح "ترويع الآمنين" الذي يستخدم اليوم في وصف أفعال الأجهزة الأمنية والقمعية، فحذّر مما سماه إرعاب الناس وإزعاجهم، حتى ولو كانوا مذنبين، قائلا: "وما تفعله الولاة من إخراج القوم من بيوتهم، وإرعابهم وإزعاجهم وهتيكتهم، كل ذلك من تعدي حدود الله تعالى، ومن الظلم القبيح".

ويحصر السبكي وظيفة الوالي في إنفاذ القانون على المذنبين فقط وليس له أن يزيدهم في العقوبة ولا أن ينال من كرامتهم بتعذيب أو إهانة. وإذا كان الولاة وكثير من الناس يظنون أن العاصي مهدر الكرامة يُهان كيفما تشاء السلطة السياسية، فإن التاج السبكي يأبى هذا ويدافع عن حق العصاة والمذنبين في الرفق بهم والستر عليهم، فهم بشر لهم حقوق وعليهم واجبات، فإذا قصروا في الواجبات فلا يلزم منه حرمانهم من حقوقهم إلا بقدر ما ينصّ القانون فقط، وليس للوالي ولا لغيره أن يزيد أو ينقص لأن الكل محكوم بهذا القانون (الشريعة).

ربما قيل إن التاج السبكي يتكلم كلاما نظريا ويؤصل في الفقه والأصول دون إدراك للتدبير العملي، والواقع السياسي المعقد، لكن السبكي نفسه لا يرمي إلى تطبيق الشريعة بدرجة الكمال، فبعدما أبان عن واجبات "نواب السلطنة" من تفقد للرعية، والنظر في القرى والغلَّات، وإيصال الحقوق إلى مستحقيها، وتولية المناصب لأهليها عقّب قائلا: "فإن اعتذر نائب السلطنة بأن الزمان لا يكفيه، قلنا له ولغيره: أنتم مطالبون من كل ما نأمركم به بما تصل إليه قدرتكم؛ فعليكم الجد والاجتهاد والله يعين".

مصدر الصورة السبكي يحصر وظيفة الوالي في إنفاذ القانون فقط وليس له أن يزيد المذنبين في العقوبة ولا أن ينال من كرامتهم بتعذيب أو إهانة (الجزيرة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

الحق السياسي للأمة

عبر السبكي عن الحق السياسي للأمة بعبارة "نظر المسلمين"، وكان للتاج السبكي ووالده التقي السبكي منهج فريد في مسائل السياسة والشأن العام، ففقهاء الشافعية أجازوا الاستخلاف، وقالوا بأن الإمامة تثبت بأحد أشياء ثلاثة: بالبيعة، أو باستخلاف من قبل الإمام، أو بالقهر والغلبة.

مشى التاج السبكي على نفس النهج، غير أنه رأى أن الأصل هو ما ذهب إليه والده من أن "الإمامة حق لجميع المسلمين؛ والخليفة واحد منهم، وولايته على سائرهم باختيارهم، وهي تنقطع بموته". ورأى هو ووالده أن الاستخلاف لا يكون إلا إذا اقترن بالبيعة أمارة على رضا المسلمين واختيارهم وحقهم: "واعلم أن الشيخ الوالد توقف في الاستخلاف إذا لم تقترن به البيعة… فالظاهر أنه لا بد من نظر المسلمين في ذلك". فهنا يمركز السبكي الأمة في عملية اختيار الخليفة، فولاية الخليفة لا تتم إلا باختيار المسلمين ورضاهم، وهذه الولاية التي تتم باختيارهم تنقطع بموته ويرجع الأمر إلى المسلمين مرة أخرى، لتكون ولاية الوالي الجديد باختيارهم.

إعلان

ويرد التقي السبكي ويوافقه ابنه التاج في كتاب التوشيح، على المستشهدين باستخلاف أبي بكر لعمر وعمر للستة من الصحابة، فيقرر أن هذا لا نظير له ولا يقاس عليه: "على أني أقول إن عهد أبي بكر إلى عمر رضي الله عنه، وعهد عمر إلى أهل الشورى رضي الله عنهم، وعهد سليمان بن عبد الملك إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنهما، ثلاثة أمور لا نظير لها، فلا نطمع في مثلها، ولا نقيس عليها".

وثمة مسألة مهمة هنا متعلقة بالفقه السياسي والتدبير أشار إليها التاج السبكي، ويبدو أنها كانت تشغله كثيرا، وهي موقع الفقيه في الدولة. هنا ينصح التاج السبكي نواب السلطنة بالاستعانة بالفقهاء في شؤون الدولة والحكم، فيقول: "ومن حقهم (أي من واجبهم) إقامة فقيه في كل قرية لا فقيه فيها، يعلّم أهلها أمر دينهم. ومن العجيب أن أولياء الأمور يستخدمون في كل حصن طبيبا ويستصحبونه في أسفارهم بمعلوم من بيت المال، ولا يتخذون فقيها يعلمهم الدين".

كان السبكي يريد من السلطة أن تحترم الفقهاء وتقيمهم في كل حصن وكل قرية يعلمون الناس أمر دينهم، ومن ثم يستغنى الفقهاء ويتكسبون بالحلال من المال بعيدا عن المداهنة والتملق أو المزاحمة على الوظائف واستغلالهم من قبل السلطة السياسية. لكنه لم يطلق سلطة الفقيه في إدارة المجتمع والشأن العام، ولم يمنحه الولاية المطلقة في شأن الحكم بل يبدو أنه انشغل باستقلالية الفقيه وتوفير مساحة بينه وبين السلطة السياسية أكثر من انشغاله بالتنظير لولاية سياسية للفقيه.

مصدر الصورة التاج السبكي ينصح نواب السلطنة بالاستعانة بالفقهاء في شؤون الدولة والحكم (الجزيرة- مولدة بالذكاء الاصطناعي)

الإقطاع وحقوق الفلاحين

لم ينس السبكي حقوق الفلاحين، وردع المماليك والعسكر عن ظلمهم وتسخيرهم بغير وجه حق، فيقول في واجبات الأجناد: "فمن حق الله عليهم وشكر نعمته، اللطف بالفلاحين، فلو شاء الله لقلب الفلاح جنديا والجندي فلاحا، فإذا كان لا يشكر نعمة الله تعالى على أن رفعه على درجة الفلاح فلا أقل من أن يكفي الفلاح شره وظلمه". وهنا يشير السبكي من طرف خفي إلى طغيان الجند المملوكي في ظلم الفلاحين، فينصحهم باللين مع الفلاح واللطف معه.

ولم ينس التاج السبكي أن يطلب من السلطان أن ينظر في أمر المال وتوزيع الثروة، بل يعد ذلك من أنفس وظائف السلطان أو الأمير، فيقول: "ومن وظائفه أن ينظر في الإقطاعات، ويضعها مواضعها، ويستخدم عليها من ينفع المسلمين". ثم كعادته يعرّض بالأمراء الظُلّام في عصره بقوله: "فإن فرق الإقطاعات على مماليك اصطفاها وزينها بأنواع الملابس، والزراكش المحرمة، وافتخر بركوبها بين يديه، وترك الذين ينفعون الإسلام جياعا في بيوتهم ثم سلبه الله النعمة، فيقال له: يا أحمق، أما علمت السبب! أو لست الجاني على نفسك".

فمسألة توزيع الثروة شغلت باله، لأنه يعتقد أن الوالي أو الأمير أو السلطان إنما هو واحد من المسلمين، وسلطته في بيت المال أنه وكيل عن المسلمين في ذلك، فالمال ليس ماله، وتوزيعه يجب أن يكون بالعدل والشريعة. وفي موضع آخر يوجب التاج السبكي على الإمام كفاية الناس، فيقول نقلا عن والده التقي السبكي ويقره: "وأما الإمام فيجب عليه كفاية المحتاجين". ثم يلتفت السبكي إلى الفقراء فيهاجم السلطان إن تركهم: "فإن ترك العلماء والفقراء جياعا في بيوتهم، يبيتون ومنهم من يطوي الليلة والليلتين هو وعياله، وأخذ يمنّ بعظيم ملكه ومحاسن زينته ولباس حاشيته، فذلك أحمق جهول".

وينظر إلى فلسفة الزكاة والصدقات بشكل مغاير، فيقول: "إن الأصح إعطاء الفقير والمسكين كفاية العمر في الغالب، لا سنة". فالفقير عنده يكون فقيرا مرة واحدة، فإذا أعطاه السلطان من بيت المال أعطاه ما يكفيه عمره كله، لا مجرد أن يقيم صلبه أو قوت عيشه.

"الفقير عند السبكي يكون فقيرا مرة واحدة، فإذا أعطاه السلطان من بيت المال أعطاه ما يكفيه عمره كله، لا مجرد أن يقيم صلبه"

لكنه طرح سؤالا مهما، هل يُزاد أحدٌ من الفقراء على كفاية العمر الغالب قطعا؟ هنا اختلف السبكي مع شيخي المذهب الرافعي والنووي اللذين قررا أن الفقير لا يُزاد على كفاية العمر، فقرر السبكي في كتاب "توشيح التصحيح"، نقلا عن والده، أنه لو زادت الأموال بحيث تكفي لزيادة على العمر الغالب لكثرتها وقلة المستحقين: "وجب على الإمام قسمتها عليهم، وإيصالها جميعها إليهم؛ لأنهم مستحقوها على الكمال، ولا يجوز حبسها عنهم". فلا ينبغي عندئذ أن يبقى المال في حيز السلطان ينفقه كيف يشاء على حاشيته ومتملقيه، بل يجب أن ينفقه على الفقراء والمحتاجين حتى ولو زاد عن ضروريات معاشهم.

إعلان

لكنه نفث نفثة مصدور بقوله: "وذلك يتصور في آخر الزمان إذا فاض المال، بل وفي هذه الأزمنة إذا أخرج أرباب الأموال الزكاة ولم يغلّوا". وهو هنا يعرض بأغنياء عصره وذوي الجاه والسلطان ممن لا يخرجون زكوات أموالهم.

مصدر الصورة التاج السبكي طلب من السلطان أن ينظر في أمر المال وتوزيع الثروة، بل عد ذلك من أنفس وظائفه (الجزيرة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

لكن من هو الفقير عند التاج السبكي؟ استقامة مع نهجه في الدفاع عن الفقراء، نجده يتوسع في مفهومه ليجعل الناس في رفاهية من عيشها، فيجعل الفقير هو "من لا يملك ما يفضل عن كفايته على الدوام، وليس من لا يملك شيئا أصلا". أي أن الفقير ليس هو المعدم الذي لا يملك شيئا، فذلك تحت خط الفقر، لكن الفقير عنده هو من لا يملك كفايته على الدوام، أي هو الذي لا يملك ضروريات عيشه بشكل مستمر ودائم، فتارة يملك الضروريات وتارة لا، والضروريات تختلف من زمان ومكان، فتشمل المأكل والمشرب والملبس والتطبيب والتعليم ونحو ذلك. لكن اللمحة التي تستحق التأمل هنا أن الفقير عند السبكي أدق من الفقير في مصطلح العصر الحديث.

ويؤكد السبكي على وظيفة السلطان بشأن المال قائلا إن عليه توزيعه على "العلماء والفقراء والمستحقين وتنزيلهم منازلهم، وكفايتهم من بيت المال، الذي هو في يده أمانة عنده، ليس هو فيه إلا كواحد منهم". وهذا النص نفيس ومهم، فالتاج السبكي يوجب على السلطان أن يعتني بالفقراء والعلماء والمستحقين، ويعمم الحديث عن العلماء وليس الفقهاء وحدهم ولا العلوم الشرعية وحدها، بل كل العلماء. ثم هو يجعل السلطان أو الخليفة أو الأمير مجرد مستأمن على بيت المال، وليس له من بيت المال إلا كواحد من رعيته.

ثم يلتفت إلى مسألة استقلالية الفقيه عن السلطة من الناحية المادية حتى تخرج الفتوى نقية من كل شوب، خالية من كل كدر، فيقول: "وإن استكثر على الفقهاء ما بأيديهم وتعرض لأوقاف وقفها أهل الخير ممن تقدمه عليهم، فهو بلاء على بلاء. فإن من حقه (أي: من واجبه) أن ينظر في مصالحهم وأوقافهم وألا يكلهم إليها، بل يرزقهم من بيت المال ما تتم به الكفاية". وهذا النص في غاية الأهمية، لأنه يبين لنا معنى غائبا عن الفقهاء والمؤرخين المعاصرين، ولم يفرد بالتصنيف قديما، وهو كيفية ارتزاق وكسب العلماء قديما. هل كانت الأوقاف وحدها؟ أم كانت الزكوات؟ أم العمل والتكسب المستقل؟ أم العطايا والجرايات وهدايا السلاطين؟! ودور المال في استقلالية الجماعة العلمية أو تبعيتها.

"التفت السبكي إلى أهمية استقلالية الفقيه عن السلطة من الناحية المادية حتى تخرج الفتوى نقية من كل شوب"

ثم إن السبكي لا يجعل للسلطان حرية الإنفاق من بيت المال أو التصرف فيه، بل يجعله وكيلا فقط عن المسلمين يتصرف بالعدل وينفق بالقسط، فيقول: "وقد قدّر الشارع المصارف في بيت المال، وجعل لكل مال، أقواما وقدرا. فإن تعدى هذا كله وصرفه في شهواته ولذّاته، وحسب أن الملك عبارة عن ذلك فلا يلوم إلا نفسه. فإن أخذ يصرف الأموال على خواصّه ومن يريد استمالة القلوب إليه لبقاء ملكه، لا لإعزاز الدين، وأعجبه مدائح الشعراء لكرمه، فذلك خرق".

والشاهد في هذا النص إدراك السبكي لطبيعة الحكم الرشيد، والحُكم المستبد، ويعرف تمام المعرفة أن المستبدّ يصرف الأموال لتعزيز شرعيته، وتمتين دولته، وذلك على حاشيته والمتملقين له، وليس على جمهرة المسلمين من الفقراء والعلماء والمحتاجين.

السبكي يرى أن السلطان لا يملك حرية مطلقة في التصرف في بيت المال، فهو مقيد بمقاصد الشريعة وتحقيق مصالح الرعية (الجزيرة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

الفساد المالي والتبذير في بيت المال

ثم يلتفت السبكي إلى "جريمة" ارتكبها بعض سلاطين عصره والعصر الذي قبل عصره، متعلقة بالمال والتبذير فيه، وهي منح المال الغزير للشعراء والمتملقين، مع ترك جمهور المسلمين في عوز وحاجة وفاقة، قائلا: "وقد امتلأت التواريخ ممن كان يهب الألوف للشعراء والألوف للمماليك، والألوف للمغاني، وكل ذلك وبال على صاحبه".

ثم قارن ذلك بحال بيت المال في عهد عمر الذي مات بقميص لم يجد غيره، وقد رفض إعطاء بعض من قال الشعر له، من بيت المال. ثم ينتقد سلاطين عصره بلغة صريحة لا كناية فيها، فيقول: "فهذه سيرة أهل الحق والدين، ولسنا نطالب أهل زماننا بها، فإنهم لا يصلون إلى هذا المقام، ولكنّا نذكرهم لعلهم يرجعون أو يقصرون عما هم فيه".

"يرفض السبكي فرض المكوس على الناس، ويعتبرها أذى للرعية وجرأة على أموالهم المصونة"

يرفض التاج السبكي كسائر فقهاء عصره فرض المكوس على الناس، ويعتبرها أذى للرعية وجرأة على أموالهم المصونة، ويوجب على الوزير أن "يكفّ أذاه عن أموال الرعية وتخفيف الوطأة عنهم ما أمكنه ذلك، وقد علم أن المكوس حرام فإن ضم الوزير إلى أخذها الإجحاف في ذلك وتشديد الأمر فيه والعقوبة عليه فقد ضم حراما إلى حرام".

وفلسفة المكوس والضرائب يمكن فهمها في العصر الحديث كجزء من موارد الدولة، وتنمية ماليتها، لتقدر على صيانة البنى التحتية والمؤسسات، لكن السؤال التأسيسي: إلى أي مدى يمكن للدولة أن تتغول على أموال المواطنين؟ وكم النسبة التي يمكن القول إنها كافية وما سواها إجحاف وأذية وانتهاك لحرمة أموال الناس؟

هنا يأتي دور النظام الدستوري ليقرر الممثلون عن الشعب أنفسهم ما ينبغي أن يكون، وذلك قابل للتغيير المستمر بناء على المصلحة، لكن الإشكال الحقيقي عندما تستبد سلطة بالحكم المطلق فتفرض وتغرم دون النظر لمصالح الناس وآرائهم، وكأن بيت المال "ملكية خاصة" كما نقلنا عن السبكي آنفا، أو عندما يأتي ممثلون عن الشعب مزيفون لا يمثلون سوى السلطة التي جاءت بهم، وأرباب المال الذين دفعوهم إلى الواجهة لتعزيز شرعية الحكم، أو للدفاع عن مصالح ذوي الجاه والسلطة والمال.

يبدو أن مسألة أخذ أموال الناس، شغلت بال السبكي كثيرا، حتى أصل لحرمتها من كل جانب، واستدل بواقعة سيف الدين قطز مع العز بن عبد السلام بحضرة الظاهر بيبرس، عندما دهم التتار البلاد ووصلوا إلى عين جالوت، فقال العز بن عبد السلام لقطز: "اخرج وأنا أضمن لك على الله النصر. فرد قائلا: إن المال في خزائني قليل، وأريد الاقتراض من التجار، فقال له العز: إذا أحضرت أنت وجميع العسكر كل ما في بيوتكم وعلى نسائكم من الحلي الحرام، وضربته على السكة، وأنفقته في الجيش، وقصر عن القيام بكلفة الجند، فأنا أسأل الله لكم في إظهار كنز من كنوز الأرض يكفيكم ويفضل عنكم، وأما أنكم تأخذون أموال المسلمين وتخرجون إلى لقاء العدو عليكم المحرمات من الأطرزة المزركشة، والمناطق المحرمة، وتطلبون من الله النصر فهذا لا سبيل إليه. فوافقوه وأخرجوا ما عندهم، ففرقه وكفى، وخرجوا وانتصروا".

وهذا الاستشهاد مهم ودال، إذ إن السبكي يدرك أن العساكر قد يستغلون زمن الحرب، واللحظة الحرجة في هجوم العدو، لسلب أموال الناس وانتهاك حرماتهم المصونة، فرفض هذا واستدل بواقعة العز بن عبد السلام، أنفقوا ما تحت أيديكم أولا ثم اتجهوا إلى أموال الناس بالمعروف، أما أن تبقوا ما تحت أيديكم وتبدؤوا بأموال الناس فذلك ظلم وفساد.

السبكي يرفض فرض المكوس على الناس ويوجب على الوزير أن يكف أذاه عن أموال الرعية (الجزيرة مولدة بالذكاء الاصطناعي)

تضخم ثروة الأمراء

اشتبك السبكي مع مسائل لم يشتبك معها غيره، فقد انتقد تضخم ثروات الأمراء بالظلم والجور والعسف، وكان ينصح الأمراء بالاستقامة والسير على طريقة السلف في مسألة المال. يقول: "قال لي مرة بعض الأمراء وقد حكيت له كثرة ما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقطعه للأجناد، وكذلك من بعده من خلفاء الصحابة… فقال: فمن أين كانوا يجدون المال الذي يكفيهم؟. فقلت: من هذه الأطرزة والحلي المحرم والخيول المسومة. قال: كيف؟ قلت: ما كانوا يعملون هذا الحلي، ولا يشترون الفرس بمئة ألف درهم، والمملوك بخمسين ألفا، ولا ينتهون في الخيلاء إلى معشار ما انتهيتم إليه". فالسبكي هنا ينصح الأمير وجها لوجه، دون خوف أو خشية أو مواربة، ويضع يده على موطن الداء الذي يراه وهو الفساد المالي العريض الذي انتشر في عهد المماليك وبطش عساكرهم.

وكأن السبكي كان يبحث في زمنه عن الكوابح الخارجية (المؤسسات الرقابية)، التي تضبط عمل المماليك وتكبحهم عن التغول، لكن المؤسسات الدستورية لم تكن قد تشكلت حينئذ، ولم يكن بالإمكان دمج الناس في أحزاب سياسية وبرلمانات شعبية تراقب وتمنح وتمنع.

إن قراءة التاج السبكي من خلال نصوصه السياسية والاجتماعية تكشف لنا عن فقيهٍ لم يقف عند حدود الدرس التقليدي المدرسي والحوزوي للمذهب، بل تجاوز ذلك إلى بناء رؤية عميقة في الحكم الرشيد والعدل والمال والسلطة ووظيفة العالم. أدرك السبكي أن فساد الدولة لا يبدأ من تعطيل الحدود الظاهرة، بل قد يبدأ من توسيع سلطة السلطان وبسط يده لتكون فوق الشرع نفسه، ومن ثم تحويل السياسة إلى ذريعة للعسف، وجعل المصلحة ستارا للجباية والبطش، وإضعاف العلماء باستدراجهم إلى أبواب الأمراء.

"أراد السبكي أن يعيد السياسة إلى ميزانها الأخلاقي والشرعي"

أراد السبكي أن يعيد السياسة إلى ميزانها الأخلاقي والشرعي؛ فالدولة عنده لا تُقاس بقوة شوكتها وحدها، بل بقدرتها على العدل، والستر، والرفق، وحفظ الأموال، وكفاية المحتاجين من الفقهاء والفقراء والمستضعفين، وصيانة البيوت، ومنع الولاة من إرعاب الناس وإذلالهم.

كما أن حديث السبكي عن بيت المال، وعن كفاية الفقراء والعلماء، وعن الإقطاعات والمكوس وتبذير المال على الشعراء والحاشية، يكشف عن عقل سياسي واع؛ فالمال العام ليس غنيمة سلطانية، ولا وسيلة لاستمالة القلوب وبناء الولاءات، بل هو أمانة المسلمين ومورد حقوقهم.

ولعل أعمق وأهم ما ينتهي إليه هذا المقال أن السبكي قدم صورة للفقيه لا تنفصل عن الشأن العام: فالفقيه ليس موظفا في بلاط السلطان، ولا صاحب علم يستثمره في إنماء الجاه والأموال، وإنما هو شاهد على العدل، وناصر للمظلومين، ومانع للسلطة من أن تتجاوز حدودها، أي أنه بمثابة الكابح الذي يكبح السلطة عن التوغل ويراقب فعلها وصنيعها تجاه الرعية، لا أن يكون مجرد زينة في المجالس السلطانية يعزز شرعيتها ويبرر سياستها، أو بعبارة أخرى: كأن الفقيه الحق عند السبكي هو المؤسسة الدستورية في ظل غيابها قديما.

لا يعد استذكار الفقه السياسي للتاج السبكي إذن محض استعادة تراثية صرفة، بل هي استعادة لسؤال مركزي لا يمكن غفله: كيف يمكن للفقه أن يكون حارسا للعدل، وأن يقف في صف الناس والرعية، لا أن يكون تابعا للقوة والسلطة؟ وكيف يمكن للعالم أن يبقى عالما ورعا حين يقترب من السلطان؟ وكيف يمكن للشريعة أن تُفهم باعتبارها نظاما لصيانة الإنسان والمال والكرامة، وليست منظومة عقوبات وقوانين جنائية؟ تلك هي الخصيصة المركزية في الفقه السياسي للتاج السبكي؛ أنه يرد السياسة إلى العدل، ويردّ الفقيه إلى رسالته الأولى، أن يقول للسلطة إن حدودها تنتهي عند حرمة الإنسان.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار