في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
توّجت لجنة التحكيم الكاتب رامي طعامنة بجائزة "الإبداع للكاتب" عن روايته الفلسفية "ولادة على حافة العبور"، متجاوزاً منافسة ضمّت أكثر من 150 متقدماً.
الرواية، الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في 144 صفحة، ليست حكاية بالمعنى التقليدي، بل ما يصفه صاحبها بأنه "تجربة وعي كاملة"، تمضي عبر رحلة بطلها "شمس" في مواجهة القمع والموروث وأوهام الحداثة، بأسلوب يزاوج بين السرد الكلاسيكي والتأمل الفلسفي.
ما خطف أنظار اللجنة، قبل أي شيء، هو البناء السردي المعكوس الذي تقوم عليه الرواية، كنص يبدأ من لحظة موت رمزية وينتهي بالولادة، فيجعل من النهاية مدخلاً للسؤال الأعمق، متى يبدأ الإنسان حياته حقاً؟ وهو قلبٌ مقلوب للزمن لم يكن، بحسب الكاتب، خياراً مسبقاً بقدر ما كان ضرورة فرضها النص.
يقول طعامنة إن "الطريق الوحيد للأمام كان هو العودة إلى الخلف"، حين يستيقظ "شمس" في الحجر الصحي ليواجه ملامحه المسنّة وتبدأ محاكمته لذاته، مضيفاً أن "الإنسان لا يمكنه أن يولد ولادة روحية حقيقية إلا إذا تتبع خيوط زيفه وتفككها وصولاً إلى الجذر الأول".
ولأن السؤال المركزي في الرواية يصعب أن يُجاب عنه نثراً مباشراً، يرى الكاتب أن الرواية تتيح ما يعجز عنه المقال الفلسفي. فبينما يخاطب الكتاب الفكري العقل بإجابات صريحة، "تزرع الرواية الفكرة كبذرة تنمو مع مشاهدها ببطء"، حتى إذا نجحت في غرسها "لا تُنتزع بسهولة، بل تبقى في وجدان القارئ وقد تغيّر مسار حياته بالكليّة".
ويلخّص طعامنة هذه الرؤية بعبارة لافتة، فيقول أن الرواية تتيح "للفلسفة أن تمشي على قدمين، أن تحب وتخطئ وتُصفع وتغترب"، فتضع القارئ أمام مرآته ليتساءل: "هل أعيش حياتي، أم أنني مجرد ظل في كيان معتم؟".
أما بطله "شمس"، فقد وُلد فكرةً قبل أن يصير جسداً، "ومضة ضوء تبحث عن منفذ وسط غيوم الموروث الثقيل والسلطة الأبوية والمجتمعية القاسية"، لكنه سرعان ما تلبّس جسداً بملامح بعينها ليحمل "جراح جيل كامل؛ جيل يتمرد بصمت، يسعى للنجاح ليرضي غيره، يهرب إلى الغرب ليجد حريته، ثم يصطدم ببرودة هذه الحرية".
وفي هذا الاصطدام تحديداً يتجلى أثر تجربة الكاتب العابرة للثقافات، بين بريطانيا وأستراليا وجذوره العربية، إذ يقول إن العيش بين ثقافات متناقضة منحه "المسافة الكافية ليتأمل مجتمعه الأم دون أن يكون غارقاً فيه، ويتأمل المجتمعات المقابلة دون أن ينبهر بها انبهاراً أعمى"، ليخلص إلى أن "كلا العالَمين يمتلك أوهامه الخاصة، وأن الوطن الحقيقي والحرية الحقيقية لا يكمنان في جغرافيا معينة، بل في العودة إلى الذات المنسية".
ولعل أكثر ما يثير الفضول في تجربة طعامنة هو خلفيته الهندسية، فهو حامل بكالوريوس في الهندسة المدنية ودراسات عليا في إدارة الأعمال والتمويل، وهي خلفية قد تبدو على طرفي نقيض مع التفكيك الروائي لليقين. لكنه يرى التناقض ظاهرياً فقط: "المهندس في داخلي هو الذي وضع المخطط الهيكلي للرواية وأسّس بنيتها السردية المعكوسة، ثم جاء الروائي ليفعل العكس تماماً، ليفكك الجدران النفسية والاجتماعية التي بُنيت حول البطل زيفاً". وبهذا المعنى، كما يقول، "المهندس ضبط الإيقاع، والروائي أطلق صرخة التمرد".
وقد جاء إيجاز الرواية في 144 صفحة خياراً جمالياً وانضباطاً في آن، إذ تعمّد الكاتب ألا يتمدد في "مشاهد الحكمة" تجنباً لمدلولات الوعظ، فلحظات تصدّع اليقين "لا تحتمل الثرثرة؛ إنها تشبه لحظة تهشيم المرآة.. سريعة، حادة، ودامية".
وهو المنهج نفسه الذي يعتمده في مشروعه القادم، رواية سياسية فلسفية تخيّلية بعنوان "خاصرة الضوء البارد"، تستشرف عالماً ما بعد السقوط وتعيد مساءلة الإنسان في ظل سطوة التقنية والأنظمة الذكية.
وفي ما يلي نص الحوار كاملًا.
تقنية الزمن المعكوس جاءت كضرورة فرضتها لحظة العزلة ذاتها لبطل الرواية. كان الطريق الوحيد للأمام هو العودة إلى الخلف حين استيقظ "شمس" في الحجر الصحي، ليواجه ملامحه المسنة، والتي دفعته إلى محاكمة ذاته.
أدركتُ ككاتب أن النص فرض منطقه؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يولد ولادة روحية حقيقية إلا إذا تتبع خيوط زيفه وتفككها وصولاً إلى الجذر الأول. كان لا بد من الموت الرمزي للأقنعة (الموظف المطيع، المواطن النموذجي، الابن الخاضع) لتبدأ عملية الحفر العكسي في الذاكرة، وصولاً إلى تلك "المضغة" الأولى، حيث يبدأ الوعي النقي قبل أن تلوثه اشتراطات المجتمع.
وربما، طابت لي هذه التقنية أيضاً لفرادتها من ناحية، ولكونها تخدم الحبكة الروائية من ناحية أخرى، ولتبقى في ذاكرة القارئ بعد أن يصل إلى كلمة "تمت".
أدركتُ ككاتب أن النص فرض منطقه؛ لأن الإنسان لا يمكنه أن يولد ولادة روحية حقيقية إلا إذا تتبع خيوط زيفه وتفككها وصولاً إلى الجذر الأول. كان لا بد من الموت الرمزي للأقنعة (الموظف المطيع، المواطن النموذجي، الابن الخاضع) لتبدأ عملية الحفر العكسي في الذاكرة، وصولاً إلى تلك "المضغة" الأولى، حيث يبدأ الوعي النقي قبل أن تلوثه اشتراطات المجتمع.
بشكل عام، الكتاب المباشر أو المقال الفلسفي يخاطب العقل، ويطرح الأسئلة ويجيبها بشكل واضح وصريح، أما الرواية فتزرع الفكرة كبذرة تنمو مع مشاهدها ببطء، والتاريخ الروائي يخبرنا بشيء مدهش؛ عندما تنجح الرواية بزرع فكرة معينة في وعي القارئ فإنها لا تنتزع بسهولة، إنما تبقى هناك في مكان ما في وجدان القارئ لفترة طويلة، وقد تغيّر مسار حياته بالكلية.
كانت افتتاحية رواية ولادة على حافة العبور تلمح لذلك بأنّ "الأدب لا يغير العالم، لكنّه يصنع أبطالاً يجرؤون على تغيير". وعليه، الرواية إذاً تزرع الأسئلة في لحم إنسان ينزف ويتألم ويُخذل. عندما نتساءل فلسفياً عن "القمع"، تظل الفكرة نظرية، لكن عندما نقرأ عن "شمس" الطفل الذي يُسحق "مصرفه الوهمي" تحت أقدام والده الغاضب وتُحرق أوراقه، يتحول القمع إلى ألم محسوس ودموع حقيقية.
الرواية تتيح للفلسفة أن تمشي على قدمين، أن تحب وتخطئ وتُصفع وتغترب. إنها تضع القارئ أمام مرآته الخاصة، وتجعله يتساءل: هل أعيش حياتي، أم أنني مجرد ظل في كيان معتم؟ الرواية لا تقدم إجابات جاهزة، بل تُورّط القارئ في "لعنة الوعي" وكان ذلك تجسيداً حياً عبر أحد شخصيات الرواية.
كانت افتتاحية رواية ولادة على حافة العبور تلمح لذلك بأنّ "الأدب لا يغير العالم، لكنّه يصنع أبطالاً يجرؤون على تغيير". وعليه، الرواية إذاً تزرع الأسئلة في لحم إنسان ينزف ويتألم ويُخذل. عندما نتساءل فلسفياً عن "القمع"، تظل الفكرة نظرية، لكن عندما نقرأ عن "شمس" الطفل الذي يُسحق "مصرفه الوهمي" تحت أقدام والده الغاضب وتُحرق أوراقه، يتحول القمع إلى ألم محسوس ودموع حقيقية.
"شمس" ولدت كشخصية حاملة للفكرة، شخصية قدمتها الرواية كومضة ضوء تبحث عن منفذ وسط غيوم الموروث الثقيل والسلطة الأبوية والمجتمعية القاسية.
لكن الأفكار المجردة لا تصنع أدباً، لذا سرعان ما تلبست هذه الفكرة جسداً قمحياً بشامات تشبه شامات جدته "عزم". لقد تجسد "شمس" ليحمل جراح جيل كامل؛ جيل يتمرد بصمت، يسعى للنجاح ليرضي غيره، يهرب إلى الغرب ليجد حريته، ثم يصطدم ببرودة هذه الحرية هناك، متمثلة في شخصية "إيفا".
"شمس" ليس شخصاً بعينه، بل هو تجميع لكل التشظيات التي يعاني منها الإنسان المعاصر الباحث عن أصل فطرته وسط ضجيج زائف.
الأفكار المجردة لا تصنع أدباً، لذا سرعان ما تلبست هذه الفكرة جسداً قمحياً بشامات تشبه شامات جدته "عزم". لقد تجسد "شمس" ليحمل جراح جيل كامل؛ جيل يتمرد بصمت، يسعى للنجاح ليرضي غيره، يهرب إلى الغرب ليجد حريته، ثم يصطدم ببرودة هذه الحرية هناك
كان خياراً جمالياً، ولكن كان أيضاً اختياراً من أجل أن تمضي الرواية ويلهث معها القارئ إلى النهاية. لا أخفي أنه وردتني الكثير من الملاحظات المعاتبة؛ ربما لم أرتضِ التمدد في مشاهد الحكمة كثيراً لأتجنب مدلولات الوعظ، فكانت ضرورة اقتضتها طبيعة لحظات الوعي الخاطفة وتصدع اليقين لأنها لا تحتمل الثرثرة؛ إنها تشبه لحظة تهشيم المرآة التي قام بها "شمس".. سريعة، حادة، ودامية. لم أرد أن أثقل النص بالوصف الزائد أو الاستطرادات المجانية التي قد تشتت القارئ عن السؤال الجوهري.
الـ 144 صفحة هي بمثابة جرعة مكثفة من الوعي، مقسمة على مراحل دقيقة (من اللاوعي والبراءة، إلى الامتثال، ثم لعنة التساؤل، وأخيراً حكمة التصالح). أردت للنص أن يكون مشدوداً كوتر، يترك صدى عميقاً بمجرد الانتهاء منه، تماماً كالفكرة التي تتطلب الانضباط لتصل كالرصاصة إلى قلب القارئ.
وهو أسلوبي الروائي الذي أرتضيه لرواياتي السابقة والقادمة، ومنها المخطوطة التي ستصدر قريباً بعنوان "خاصرة الضوء البارد"، وهي رواية سياسية فلسفية تخيّلية، ألّفتها بالمنهجية ذاتها مع العلم أنها كانت تحتمل أن تكون ضعف حجمها النهائي.
التناقض ظاهري فقط، لكنهما في العمق يكملان بعضهما. المهندس في داخلي هو الذي وضع "المخطط الهيكلي" للرواية؛ هو الذي بنى الأقسام الأربعة لتشكل الوعي، وأسس البنية السردية المعكوسة التي تمنع النص من الانهيار تحت وطأة أسئلته الفلسفية.
لكن بمجرد أن اكتملت الأعمدة والأساسات، جاء الروائي في داخلي ليفعل العكس تماماً: ليقوم بتفكيك الجدران النفسية والاجتماعية التي بُنيت حول بطل الرواية زيفاً.
الهندسة تبني الجسور في الواقع، بينما الأدب في هذا العمل كان يختبر "جسوراً عارية" معلقة على الوهم (كما حذر نديم صديقه شمس). إذاً، المهندس ضَبط الإيقاع، والروائي أطلق صرخة التمرد. وترجم حواسها على ملامح شخصياتها بعفوية.
المهندس في داخلي هو الذي وضع "المخطط الهيكلي" للرواية؛ هو الذي بنى الأقسام الأربعة لتشكل الوعي، وأسس البنية السردية المعكوسة التي تمنع النص من الانهيار تحت وطأة أسئلته الفلسفية
التعددية تركت أثرها الأعمق في زاوية النظر إلى المسلمات، كنت أعتقد أن الجميع مختلف وأنا الثابت، وبعد السفر أدركت أن الكل مختلف. العيش بين ثقافات متناقضة يمنحك المسافة الكافية لتتأمل مجتمعك الأم دون أن يكون غارقاً فيه، وتتأمل المجتمعات على الضفاف المقابلة دون أن تنبهر بها انبهاراً أعمى.
في الرواية، يتجلى هذا بوضوح حين يهاجر "شمس" إلى الغرب؛ لقد هرب من دفء الشرق الخانق وسلطويته، ليصطدم بحرية الغرب الباردة والمؤطرة، والتي تجسدت في علاقة "الارتباط كقيد أنيق" مع إيفا، والتفاحة التي لم تُقضم.
التعددية جعلتني أرى أن كلا العالَمين يمتلك أوهامه الخاصة، وأن الوطن الحقيقي والحرية الحقيقية لا يكمنان في جغرافيا معينة، بل في العودة إلى الذات المنسية، وفي قدرة الإنسان على تفكيك قوالبه أينما كان.
التعددية جعلتني أرى أن كلا العالَمين يمتلك أوهامه الخاصة، وأن الوطن الحقيقي والحرية الحقيقية لا يكمنان في جغرافيا معينة، بل في العودة إلى الذات المنسية، وفي قدرة الإنسان على تفكيك قوالبه أينما كان.
في نهاية هذا البوح، أود القول إن الكتابة لم تكن يوماً ترفاً أو مجرد سرد للحكايات، بل هي محاولة حثيثة للقبض على اللحظة الفاصلة بين اليقين والشك، بين الموت الرمزي والولادة الحقيقية.
"ولادة على حافة العبور" رواية تحمل معها دعوة مفتوحة لكل إنسان ليقف على حافته الخاصة، متجرداً من الأقنعة التي صاغتها له الأيام، ليتساءل بشجاعة عن حقيقته الكامنة تحت ركام العادات والموروثات والانتصارات الزائفة.
الكتابة لم تكن يوماً ترفاً أو مجرد سرد للحكايات، بل هي محاولة حثيثة للقبض على اللحظة الفاصلة بين اليقين والشك، بين الموت الرمزي والولادة الحقيقية
فالأدب لا يمنحنا خرائط جاهزة للنجاة، بل يورطنا في ذلك "القلق النبيل" الذي يُعد أولى خطوات النور.
أشكركم من أعماق القلب، على هذه الحوارية الوارفة؛ لقد كانت أسئلتكم بمثابة نوافذ أطللتُ منها مجدداً على جوهر النص، ولامست خاصرة المعنى برقي وعمق. لعلنا نجد جميعاً، ذات يوم، شجاعتنا الخاصة لعبور تلك الضفاف المنسية في ذواتنا.
المصدر:
الجزيرة