في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ربيع عام 1975، لم تكن أنغولا مجرد بقعة جغرافية تشهد صراعاً محلياً، أو مستعمرة تتحرر من قيودها؛ بل كانت المسرح الأخير لانهيار إمبراطورية برتغالية صمدت لخمسة قرون. ومع اقتراب موعد الاستقلال المقرر في 11 نوفمبر/تشرين الثاني من ذلك العام، لم يرحل المستعمرون بهدوء، بل غادروا في حالة من الذعر والعدائية، مخلفين وراءهم فراغاً سلطوياً مشحوناً بالبارانويا، لتتحول البلاد قبل أن يجف حبر وثائق استقلالها إلى واحدة من أكثر ساحات الحرب الباردة دموية واشتعالاً في القارة الأفريقية.
وسط هذا المشهد المروع، برز الصحفي البولندي ريزارد كابوشينسكي ليكتب شهادته في كتاب "يوم آخر من الحياة"، موثقاً لحظة انهيار تاريخي فقدت فيها الحياة معناها التقليدي.
حين دخل كابوشينسكي العاصمة لواندا، لم يجد مدينة تُدار بقوانين أو مؤسسات، بل وجد حالة نفسية جماعية سريالية أطلق عليها السكان اسم "الكونفوزاو" (Confusão). لم يكن هذا المصطلح يعبر عن مجرد فوضى أو انعدام للأمن، بل كان "توهاناً مطلقاً" ومرضاً نفسياً معدياً يجتاح الحشود.
في ظل الكونفوزاو، تختلط الحقائق بالأكاذيب، وينهار التمييز بين الصديق والعدو، ويتسلل الشك إلى القلوب في دوامة من التيه.
تجسد هذا الانهيار مادياً على أرصفة ميناء لواندا، حيث نشأت ما أسماها كابوشينسكي بـ"المدينة الخشبية". كانت أشبه بمقبرة لأحلام المستعمرين؛ متاهة من آلاف الصناديق الضخمة المصنوعة من خشب الصنوبر والأرز. هناك، حزم البرتغاليون المغادرون حيواتهم الكاملة وأثاثهم وذكرياتهم في مزيج من اليأس والغضب، محاولين انتزاع كل شيء معهم.
تلاشت لواندا واحتضرت ببطء؛ أولاً اختفت الشرطة، ثم تبعها رجال الإطفاء، فجامعو القمامة، وأخيراً المستعمرون الذين أغلقوا الأبواب وودعوا بيوتهم الأفريقية، تاركين العاصمة تغرق في نفاياتها وخوفها الوجودي.
لم يكن الصراع الذي مزق أنغولا داخلياً خالصاً، بل كان انعكاساً لانقسام العالم، حيث تحولت البلاد إلى رقعة شطرنج دامية تُصفى عليها حسابات القوى العظمى وصراعها على الموارد والأيديولوجيا. في لواندا، تمركزت "الحركة الشعبية لتحرير أنغولا" (MPLA) ذات التوجه الاشتراكي الماركسي، والمدعومة بقوة من الاتحاد السوفيتي وكوبا، ساعية للسيطرة على النفط وتأسيس دولة مساواتية.
وفي المقابل، وقفت "الجبهة الوطنية" (FNLA) و"الاتحاد الوطني" (UNITA)، وهما فصيلان مدعومان من الولايات المتحدة الأمريكية وجنوب أفريقيا، بهدف فرض سيطرة رأسمالية، والاستحواذ على مناجم الماس، ومنع التمدد الشيوعي في القارة. هكذا، أصبحت المعارك المحلية تُحسم بقوة الدعم الخارجي لا الإرادة الداخلية.
تحول الكتاب إلى فيلم سينمائي صدر عام 2018 يحمل نفس الاسم "يوم آخر من الحياة" (Another Day of Life). وتميز الفيلم بأنه عمل "هجين" يمزج بين الرسوم المتحركة (الأنيميشن) والمقاطع الوثائقية الحية.
لم يكتفِ كابوشينسكي بمراقبة العاصمة المحتضرة، بل اندفع نحو الجبهة الجنوبية في مغامرة شبه انتحارية، مخترقاً ما عُرف بـ"طريق الموت". لم تكن تلك الرحلة مجرد عبور جغرافي، بل مواجهة مع العدمية العارية. على امتداد 40 إلى 50 كيلومتراً، وثّق كابوشينسكي "جحيماً أرضياً" من الجثث المتناثرة كأنها علامات بشرية على الطريق.
هناك، التقطت عيناه أبشع فظائع الحرب في تفاصيلها الدقيقة: أطفال قُتلوا مع أمهاتهم برصاصة واحدة نفذت من أجسادهم معاً، وجثث لجنود انتفخت وتورمت تحت شمس أفريقيا الحارقة. اعترف كابوشينسكي أن هذا المشهد سلب منه سلامه النفسي للأبد، وكتب قائلاً:
"لقد تغير وجهي، ولم يعد للحياة القيمة نفسها حين تعيش على حافة الهاوية".
من قلب هذا الجحيم، حلل كابوشينسكي الحرب كظاهرة نفسية تتجاوز التحركات العسكرية، متبلورة في نمط مرعب أسماه "الجندي الأخضر". إنه ذلك المقاتل الذي يطلق النار بجنون وعشوائية على كل شيء يتحرك، ليس بدافع الكراهية للعدو، بل بدافع الرعب المحض؛ ليقتل "خوفه الشخصي"، حيث لاحظ مفارقة سيكولوجية عجيبة؛ فالخوف يسيطر وينهش الأرواح في فترات الصمت والقلق، لكنه يختفي تماماً بمجرد بدء إطلاق النار، حيث تحل غريزة البقاء العمياء محل التفكير.
وسط دوامة الرصاص والتشوش، التقط كابوشينسكي شخصيات تحولت في ذاكرته إلى أيقونات تجسد التناقض البشري:
الأولى كانت كارلوتا، مقاتلة شابة أوشكت أن تكمل عامها العشرين. كانت تحمل كاريزما طاغية ومشروعاً حالماً لبناء أمة وتعليم الأطفال. المفارقة الصادمة في شخصيتها أنها كانت تخاف الدم لدرجة الإغماء، ومع ذلك وقفت في الصفوف الأمامية بشجاعة نادرة.
في مشهد يقطر قسوة، شاركت كارلوتا كابوشينسكي في سكب البنزين على جثث الجنود المتورمة لحرقها، منعاً لانتشار الطاعون وحماية للأطفال القريبين. وبعد أقل من 24 ساعة من لقائهما، قُتلت كارلوتا، ليتحول موتها في ذهن كابوشينسكي إلى جرح وجودي وشعور بالذنب؛ وكأن شهادتها على قيد الحياة كانت قصيرة لدرجة جعلته يشعر أن وجوده كان نذيراً بالفقد.
أما الوجه الثاني فكان القائد فاروسكو، وهو جندي من مفرزة قوات خاصة برتغالية (مظلي سابق) انقلب على جيشه الاستعماري. لم يكن انشقاق فاروسكو مبنياً على أيديولوجيا سياسية، بل على صحوة إنسانية.
حدث التحول الوجداني حين رأى طفلاً أنغولياً حافياً بملابس رثة يطلب منه "الخبز" (pão). في تلك اللحظة، استعاد فاروسكو صورة طفولته البائسة والفقيرة في البرتغال، وأدرك أن الظلم لا دين له ولا لون، وأنه "يقمع نفسه" بمحاربة هؤلاء الناس. قاد فاروسكو 50 رجلاً فقط بصمود أسطوري بجانب من كانوا يُعتبرون أعداءه، معتبراً أن معركته الحقيقية هي دفاع عن "الحياة والخبز".
في خضم هذا المعترك، واجه كابوشينسكي المعضلة الأخلاقية الكبرى لأي صحفي: متى يتوقف عن كونه مراقباً ليصبح مشاركاً؟
كان التهديد المتمثل في غزو جنوب أفريقيا لأنغولا يمثل محاولة صريحة لتصدير نظام الفصل العنصري (الأبارتايد)، وهو ما رآه كابوشينسكي تهديداً للقارة بأكملها. وفي تلك الأثناء، امتلك "سبقاً صحفياً" يهز العالم: قرار فيدل كاسترو بإرسال القوات الكوبية في عملية تعبئة كبرى لدعم الحركة الشعبية بقرار ذاتي، ودون انتظار الضوء الأخضر من الكرملين.
كان كابوشينسكي يعلم أن وكالة المخابرات المركزية (CIA) تعترض مراسلاته الصحفية. وأدرك يقيناً أن إرسال برقية تفيد بتدخل كوبا سيعني دفع الولايات المتحدة للتدخل العسكري المباشر، وتوسيع الحرب، وتدمير أنغولا بالكامل.
وفي لحظة استثنائية، اتخذ قراراً أخلاقياً بكسر حياده المهني؛ واختار الصمت التام. تخلى عن "السبق الصحفي" لينحاز لمن رآهم أصحاب حق في البقاء، متحولاً من "مراسل محايد" إلى "مقاتل بالكلمة". بل إنه اعترف صراحة باضطراره لاستخدام السلاح في اشتباكات مباشرة دفاعاً عن حياته وحياة من معه، قائلاً بتصميم مرير: "كنت في آن واحد صحفياً ومقاتلاً… ولست نادماً". في أنغولا، كان الحياد ترفاً لا يملكه من يريد البقاء، وكانت "شهادة الحق" لنقل مأساة الضحايا هي بوصلته الوحيدة.
في 11 نوفمبر/تشرين الثاني 1975، أُعلن استقلال أنغولا وسط احتفالات رسمية عارمة، لكن الصورة لم تكن مكتملة، والانتصار كان مريراً. خرج كابوشينسكي من التجربة بوجه لم يعد يعرفه؛ وجه شخص شهد فناء الأيديولوجيات الطوباوية وبقاء الجوع. أما الجنرال فاروسكو، فرغم كسبه لمعركة الاستقلال، اكتشف حقيقة قاسية مفادها أن الانتصار العسكري لم يجلب حلمه بالمجتمع المتساوي، ولم يبقَ إلا الفقر والندم.
تختتم هذه التجربة المروعة برسالة فلسفية قاتمة: الحرب لا تنتهي حين يصمت السلاح، بل تستمر وتعيش في ندوب وذاكرة من خاضوها.
يُطلق كابوشينسكي صرخته الأخيرة ضد النسيان، متوسلاً الاعتراف بالبشر خلف الأرقام الميتة:
"هذا هو وجهي عندما كنت على قيد الحياة.. انظر إليّ للحظة قبل أن تنتقل إلى شيء آخر. يجب ألا يُنسوا.. يجب أن يتركوا أثراً".
لقد علمتنا أنغولا أن الدول تسقط في الوعي قبل الميدان، وأن الحرب تسرق الحرية حتى من المنتصرين، وفي النهاية، لا يبقى من كل هذا الدمار سوى قيد واحد يربطنا بالحياة: من الذي سيعيش ليحكي القصة؟
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة