آخر الأخبار

صيدنايا السورية أيقونة الشرق ومدينة التعايش منذ ألف وخمسمئة عام

شارك

صيدنايا.. أيقونة الشرق وثاني مدن الحج المسيحي بعد القدس. مدينة فريدة حملت تمازجاً طائفياً نادراً عبر قرون طويلة، تتناثر على تلالها أديرة وكنائس ومساجد، وتعلو قممَها أجراسٌ ومآذن، في مشهدٍ قلَّ نظيره في العالم.

تتبوأ مدينة صيدنايا مكانة فريدة في الذاكرة الروحانية للعالم، محافظة على لقبين خالدين صنعا هويتها عبر القرون: "أيقونة الشرق"، و"المدينة الثانية للحج المسيحي بعد القدس".

ويمتد تاريخها العريق لأكثر من ألف وخمسمئة عام ينسج قصة هذه البلدة الجبلية الواقعة على منحدرات جبل القلمون على ارتفاع 1350 متراً عن سطح البحر، وتبعد عن دمشق نحو 25 كيلومتراً شمال غرب العاصمة. سهولها تمتد شمالاً حتى سلسلة جبال لبنان الشرقية، وعلى بعد 40 كيلومتراً من الحدود اللبنانية السورية عند بلدتي حام ومعربون في البقاع.

اسم يحمل تاريخاً من الدلالات

تعددت تفسيرات اسم "صيدنايا" بين الباحثين. فبحسب "بطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس"، يراه التراث المحلي "مكان استراحة الغزال". فيما يرجح آخرون أن "صيد" تعني الاصطياد، و"نايا" لاحقة سريانية للمكان، ليكون المعنى "مكان الصيد"، نسبة إلى معبد الإله صيدون الفينيقي الذي كان ينتصب في الموقع قديماً.

المخطوطات والوثائق التاريخية المتعاقبة وثقت تحولات الاسم عبر العصور، فظهر في السجلات القديمة بصيغة "صادمنايا"، قبل أن يتحول في الحقبة الصليبية إلى "دير سيدة صرديناي".

وفي القرن الخامس عشر سُجل باسم "صردينايره"، إلى أن استقر نهائياً على "صيدنايا" مع مطلع القرن السابع عشر. أما التأثير المسيحي والعربي اللاحق، فجعل من صيدنايا في الوجدان الشعبي "مكان السيدة"، وهو المعنى الأكثر رسوخاً حتى اليوم.

مصدر الصورة بلدة صيدنايا بريف دمشق - الصورة ملتقطة من دير سيدة صيدنايا يورونيوز

دير سيدة صيدنايا البطريركي.. أيقونة الشاغورة وقبلة الحجاج

ويعود تاريخ تشييد دير سيدة صيدنايا البطريركي إلى العام 547 ميلادياً، في عهد الإمبراطور البيزنطي يوستينيانوس الأول. يضم الدير في قلبه أيقونة "الشاغورة" أو "العجائبية" المريمية، المصنفة كأحد أقدس المقتنيات المسيحية في العالم، والتي يؤكد تقليد متوارث أن القديس لوقا الإنجيلي رسمها بيده، ما جعلها قبلة للحجاج وطالبي المعجزات من مختلف أصقاع الأرض.

مصدر الصورة دير سيدة صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

ويصف المهندس وليم الشيخ، مختار صيدنايا، المكانة التي يحتلها الدير قائلاً لـيورونيوز: "صيدنايا أيقونة الشرق لأنها بلدة فريدة من نوعها تحوي كل أطياف سوريا من ناحية الأديان. دير صيدنايا الشهير يقصده الناس من كل دول العالم، مسيحيين وغيرهم، للحج وتقديم التبريك. مقام الشاغورة يحوي أيقونة السيدة العذراء التي رسمها القديس لوقا".

مصدر الصورة أيقونة توضح كيف بن دير سيدة صيدنايا موضوعة على مدخل الشاغورة يورونيوز

دير الشيروبيم وتمثال المسيح.. أيقونة تعلو القمم

على ارتفاع ألفي متر عن سطح البحر، فوق أعلى قمم جبل القلمون، وعلى بعد ثمانية كيلومترات من بلدة صيدنايا، ينتصب دير الشيروبيم محتلاً أحد أروع المناظر الطبيعية في سورية.

ويشرف الدير على صيدنايا وعلى منظر بانورامي يشمل مدينة دمشق بكاملها وسهل البقاع وحوران وجبالاً وتلالاً وسهولاً لا حدود لها، ويمكن رؤية قببه وأبراجه من مسافات بعيدة.

مصدر الصورة ثاني أضخم تمثال في العالم للسيد المسيح في صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

وقبل الحرب الأهلية في سوريا، كان الدير مأهولاً بالرهبان. وخلال فصل الشتاء، ونظراً للارتفاع الشاهق، تغلق جميع الطرق المؤدية إليه بالثلوج كلياً، فكانت المروحيات تنقل إليهم الطعام والخبز عند انقطاع الطرق لفترات طويلة.

في 14 تشرين الأول/ أكتوبر 2013، رُفع على قمة جبل الشيروبيم أكبر تمثال للسيد المسيح في الشرق الأوسط. بارتفاع بلغ 12.3 متراً، ليصبح التمثال ثاني أضخم تمثال ليسوع في العالم، مضيفاً إلى صيدنايا معلماً روحياً وبصرياً جديداً.

مصدر الصورة دير الشيروبيم وبجانبه ثاني أضخم تمثال للسيد المسيح في العالم ببلدة صيدنايا يورونيوز

دير القديس جاورجيوس البطريركي.. تاريخ من المغاور وإحياء متجدد

عند المدخل الجنوبي لصيدنايا، وعلى تلة مقابلة لدير السيدة العذراء، يرتفع دير القديس جاورجيوس البطريركي القديم على ارتفاع 1200 متر عن سطح البحر. من شرفته يمكن رؤية بلدة صيدنايا بأكملها.

الراهب إسحاق من الدير يستعرض تاريخ المكان العريق قائلاً لـيورونيوز: "تعود هذه المنطقة بأكملها إلى القرن الرابع الميلادي، وكانت مليئة بالمغاور والكهوف التي لجأ إليها المسيحيون الأوائل للصلاة والاختباء من الاضطهاد. وفي عام 1727، مرّ الرحالة الروسي باوسكي ووصف في مذكراته الكنيسة والمغارة الموجودة في الدير".

مدخل مغارة دير جيورجيوس في صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

ويستكمل الراهب إسحاق سرد تاريخ الدير الحديث قائلاً: "مع بداية القرن العشرين، كان الدير شبه مهجور. ثم جاء المطران جرمانوس شحادة ليجدده ويجعله مركزاً لمطرانية صلفكيا، فأصبحت المنطقة تابعة لأبرشية زحلة في لبنان، قبل أن تعود مجدداً إلى البطريركية في دمشق. ثم في العام 1995، عُين الأرشمندريت يوحنا التلّي رئيساً للدير بتكليف من البطريرك إغناطيوس الرابع، فعمل على توسيعه. ونحن نحتفل بعيد القديس جاورجيوس في السادس من أيار من كل عام. ويضم ديرنا اليوم عشرة رهبان وعشرة مبتدئين".

مغارة دير جيوجيوس في مدينة صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

كنيسة السيدة العذراء للسريان الأرثوذكس.. إرث أرامي ويوبيل فضي

بين الكنائس العريقة في صيدنايا، تتألق كنيسة السيدة العذراء للسريان الأرثوذكس. الأب فانئويل حازم النجار، راعي الكنيسة، يستعرض هذا الإرث الضارب في عمق التاريخ قائلاً لـيورونيوز: "الكنيسة السريانية كنيسة عريقة، وهي أول من تذوق الايمان المسيحي على يد الرسل. تعود أصولها إلى الآراميين، وتاريخها أصيل في سوريا، ولهذا نقول إن سوريا هي من السريان وإن السريان هم من سوريا".

ويشرح الأب فانئويل واقع الكنيسة اليوم قائلاً: "لدينا كنيستان في صيدنايا: القديمة هي كنيسة مار جيورجيوس الأثرية الواقعة في الطابق السفلي، والحديثة هي كنيسة السيدة العذراء التي شيدها وقدسها المثلث الرحمات البطريرك مار زكا الأول عواص في عام 2001. وتحلّ علينا هذا العام ذكرى اليوبيل الفضي لتأسيسها" - تكمل خمسة وعشرين عاماً من الصلاة والخدمة في مدينة صيدنايا-.

كنيسة السيدة العذراء في بلدة صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

نسيج من التعايش.. أربع طوائف وعائلة واحدة

ويصف الأب فانئويل النسيج الاجتماعي بأنه فريد في المدينة قائلاً: "تضم مدينتنا أربع طوائف: السريانية الأرثوذكسية، والروم الأرثوذكس، والروم الكاثوليك، إضافة إلى الطائفة الإسلامية المتأصلة في البلدة. علاقتنا أشبه بعائلة واحدة مكونة من أربعة أفراد، لكل منهم أفكاره ورأيه، ولكننا في الوقت نفسه عائلة واحدة متماسكة".

من جهته يؤكد إلياس يعقوب، نائب رئيس مجلس مدينة صيدنايا، على هذا التعايش اليومي قائلاً لـيورونيوز: "ما يميز صيدنايا أعيادها المرتبطة بأماكنها الدينية. لدينا عيد دير سيدنايا في أيلول، وعيد القديس جاورجيوس في أيار، وعيد آجيا صوفيا في أيلول، وعيد التجلي في آب".

ويضيف يعقوب أن "سكان البلدة من مسيحيين ومسلمين يشاركون في هذه الأعياد، ويزورنا في هذه المناسبات زوار من خارج القطر يحرصون على متابعتها".

هذه الأعياد، كما يقول يعقوب، تشكل سياحة دينية يقصدها الزوار من كل دول العالم ومن الخليج خاصة في فصل الصيف، مستمتعين بجمال الطبيعة ومنشآت صيدنايا السياحية وأماكنها الدينية.

جامع مدينة صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

كنيسة آجيا صوفيا.. تحفة معمارية لطائفة الروم الكاثوليك

في أسفل دير السيدة ببلدة صيدنايا، تقوم كنيسة آجيا صوفيا التابعة لطائفة الروم الكاثوليك. كُرست الكنيسة على اسم القديسة صوفيا وبناتها الثلاث: إيمان ورجاء ومحبة، خلافاً لما يعتقده البعض من تطابق في المعنى مع كنيسة الحكمة المقدسة في إسطنبول.

شحادة خليل، وكيل الكنيسة. يصف هذا الصرح قائلاً لـيورونيوز: "بنيت الكنيسة بالحجر، وهي البنية الوحيدة في سوريا التي لم ترمم أبداً. سميت نسبة للراهبة آجيا التي كان لها ثلاث بنات: محبة ورجاء وإيمان. صممت على نظام بطريركي، ولكنها تميزت عن سائر الكنائس باحتوائها على ثلاثة هياكل، في حين تقوم الكنائس الأخرى على هيكل واحد. صممت على هذا الأساس، لكنها بقيت كنيسة".

كنيسة آجيا صوفيا في بلدة صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

يضم مجمع الكنيسة أمطوش الكاهن وصالوناً للاحتفالات والأنشطة الرعوية ومتحفاً صغيراً وفسحة سماوية. بير جميل علام، وكيل الكنيسة، يضيف عن عراقتها قائلاً لـيورونيوز: "تعد الكنيسة من أجمل كنائس الشرق الأوسط، وهي مصنفة على لائحة اليونسكو. بنيت بحجر صيدنايا في 500 م، ولها تراث عميق. يوجد فيها كنيسة مار إلياس القديمة ومغارة تشبه الكهف كان المسيحيون يصلون فيها قديماً. وقد أعيد تجديد بعض أقسامها في العام 2012، مع الحفاظ الكامل على طرازها القديم".

أيقونات قديمة في متحف كنيسة آجيا صوفيا في صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

متحف الكنيسة يحوي مجموعة من الأيقونات البيزنطية والأرثوذكسية النادرة التي اكتشفت في محيط مدينة صيدنايا، وقد حفظت في شروط نظامية لحمايتها من التلف.

وتشمل المقتنيات المعروضة أدوات كانت تستخدم في القداس كالقناديل الزيتية والصليب، إضافة إلى مخطوطات طقسية مكتوبة بخط اليد يعود عمرها إلى ما يقارب الألف وستمئة عام، ودونت نصوصها باللغة السريانية.

متحف كنيسة آجيا صوفيا في بلدة صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

كنائس وأديرة ومقامات.. إرث يتجاوز الحصر

وتنتشر على تلال صيدنايا ومحيطها عشرات المواقع التاريخية والدينية. دير القديس توما الرسول الأثري يتجاوز عمره 2000 عام، ليحكي قصة المكان منذ أن كان مقاماً وثنياً قبل أن يتحول إلى دير مسيحي. وإلى جانبه، دير التجلي.

دير قديس توما الرسول الأثري يعود لأكثر من 2000 عام في صيدنايا بريف دمشق يورونيوز

ومن الكنائس، كنيسة القديسين بطرس وبولس المعروفة بـ "كنيسة اللولبة" في الجهة الشرقية من البلدة القديمة، وكنيسة القديس موسى الحبشي بجوارها، وكنيسة القديس بطرس، وكنيسة القديس يوحنا، وكنيسة القديسة بربارة.

تنتشر هذه المواقع كلها، ويتوسطها جوامع للطائفة المسلمة، لتشكل معاً لوحة فسيفسائية فريدة لا مثيل لها في الشرق.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
يورو نيوز المصدر: يورو نيوز
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار