وتُعد صور هذا المصوّر الأميركي الجماعية محطة أساسية في تاريخ استخدام اللون في التصوير الفوتوغرافي، كما تقدّم رؤية حادّة وخالية من التجميل للبُنى الاجتماعية والسياسية في بلده الأم الولايات المتحدة.
يستضيف متحف كونستبالاست في مدينة دوسلدورف الألمانية حاليا معرضا بعنوان "Photography and Belonging" ويضم قدرا كبيرا من أعماله التي أصبحت سجلا أساسيا لفهم الديناميكيات الاجتماعية في أواخر القرن العشرين.
يشهد هذا العام صدور طبعة منقحة بمناسبة الذكرى الـ50 لعمله المؤسِّس "When Two or More Are Gathered Together"، أو "عندما يجتمع اثنان أو أكثر معا"، وبمناسبة هذا الإصدار تحدّث سلافين إلى قسم الثقافة في "يورونيوز" عن الماضي والحاضر والمستقبل في عالم التصوير الفوتوغرافي.
حين نُشر كتاب "Two or More Are Gathered Together" للمرة الأولى عام 1976، سرعان ما أصبح علامة فارقة في بدايات التصوير الملوّن. ما الذي جذبك في الأصل إلى فكرة تصوير المجموعات بدلا من الأفراد؟
حسنا، فلنبدأ من هنا. هناك سوء فهم وخطأ شائع. المجموعات أفراد. وأنا أؤمن بأنه عندما يحاول الناس التقاط صورة جماعية، وحتى المصوّرون الذين يجمعون مجموعة من الناس لالتقاط صورة، ينشغلون كثيرا بتكوين الصورة وشكل المجموعة إلى حد أنهم ينسون أن كل شخص في تلك المجموعة يظل فردا قائما بذاته، مهما كان عددهم.
لا أملك حقا إجابة جاهزة عن سبب انجذابي لتصوير المجموعات، لكن يمكنني القول إنني افتُتنت بالأمر عندما رأيت صورة بانورامية لفوج من الكشّافة التُقطت قبل نحو عشر أو 11 سنة من رؤيتي لها. أُسرت تماما بما رأيت. وما رأيته أساسا كان 32 صبيا، أو أيا كان عدد الفتيان في الصورة. أول ما خطر لي كان الذاكرة. قلت لنفسي: "هذا رائع، لكن أين هؤلاء الفتيان الآن؟ لقد مرّت 11 سنة، ماذا حلّ بهم؟" وفجأة اتصل ذلك بفكرتي عن التصوير بوصفه ذاكرة.
كل الصور الفوتوغرافية، أكثر من أي وسيط آخر، سواء كان لوحة أو فيلما أو موسيقى، قادرة على استحضار الذاكرة بشكل أفضل وتكرار الزمن مرة تلو أخرى. بمعنى آخر، تعيد الصورة إحياء التجربة للمشاهد مرارا وتكرارا. هذا ما دفعني إلى تصوير المجموعات، أي تصوير الأفراد داخل مجموعة.
في مطلع سبعينيات القرن الماضي كان التصوير الملوّن لا يزال يناضل لنيل الاعتراف به في عالم الفن. إلى أي حد كنت واعيا بأنك تعمل مع هذا التيار الفوتوغرافي أو ضدّه؟
كنت واعيا تماما. أظن أن هناك نحو 15 أو 18 مصوّرا كانوا مستعدين آنذاك للقفز إلى هذا المجال والتصوير بالألوان. كان اللون يستخدم أساسا كأداة تجارية في الإعلانات، لا في ما يُسمّى "التصوير الجاد". وتعرّضنا للكثير من الانتقاد من المخضرمين الذين قالوا لنا إن هذا ليس عملا جادا.
أولا، قيل لنا إن الصور لن تعيش طويلا لأنها ليست "أرشيفية"، لكننا نحن الشباب لم نكن نعير ذلك اهتماما كبيرا. كان همّنا أن نُخرج ما لدى كل واحد منا من موقف ورؤية إلى الفضاء العام، وأن نفتح حوارا. وكان الحوار بالفعل ملوّنا بوصفه شكلا وصفيا. يمكنني أن أقول بثقة إن اللون كان بالنسبة إلى معظمنا آنذاك هو الجواب لوضع خطوة إضافية نحو جعل الصور أقرب إلى الواقع. كنا نرى أن الأبيض والأسود أيضا نوع من التجريد الجميل. لم نكن نسعى إلى تقويض التصوير بالأبيض والأسود، بل إلى توسيع معنى العالم كما نراه بالألوان، بألوانه الحقيقية.
لا أدري إن كنت أستبق الأمور، لكن مررت بتجربة مبكرة جدا أتذكر فيها أنني التقطت صورة جماعية. كانت في الواقع أول صورة ملوّنة لي، وهي صورة جماعية لسائقي سيارات إسعاف متطوعين. كانوا ينظّمون سباقات في أوقات فراغهم ويفوزون بالكؤوس، وكانت هذه الكؤوس بثلاثة ألوان، الذهبية والفضية والبرونزية. وصادف أن التقطت الصورة، عن طريق المصادفة، بالأبيض والأسود وبالألوان. وعندما ظهّرت الأفلام وأعددت شرائح التلامس ونظرت إليها بالعدسة المكبّرة، اكتشفت فجأة أمرا بالغ الأهمية. فعندما نظرت إلى شرائح التلامس بالأبيض والأسود لم أستطع التمييز بين الكأس الذهبية والفضية، أما في الصورة الملوّنة فكان الفارق واضحا وضوح النهار. عندها أدركت على الفور أن اللون معلومات، ومن دون المعلومات ماذا يبقى لديك؟
لا أعرف إن كان هذا صحيحا، لكني أظن أنني قرأت في مكان ما أن كارتِييه-بريسون، عندما سُئل لماذا لا يعمل بالألوان، أجاب بأن فيها قدرا كبيرا من المعلومات. أما أنا، فعندما اكتشفت مسألة الكؤوس الذهبية والفضية، أدركت أن لدي نقصا في المعلومات، فانطلقت بعناد لأصوّر كل ما أراه بالألوان، بينما تراجع الأبيض والأسود في عملي. ومع ذلك لم أوجّه إليه أي نقد، ولم أشعر يوما بأنه خيار سيئ. إنه وسيط جميل، لكن بالنسبة إليّ كان اللون بالغ الأهمية.
سمحتَ لأشخاصك بأن يرتّبوا أنفسهم داخل الكادر كما يشاؤون. ماذا كشف لك ذلك عن مفاهيم الهرمية والهوية والسلطة؟
عندما يلتقط معظم الناس صورة لمجموعة من الأشخاص، أو حتى صورة شخصية لفرد واحد، فإنهم يوجّهون من أمام الكاميرا إلى تشكيلات قد لا تعكس شخصية المجموعة في هذه الحالة. أدركت مبكرا جدا أنك لا تستطيع حشر الناس في قوالب جاهزة.
هذا لا ينجح، لأن كل ما ستحصل عليه هو أشخاص محشورون في قوالب. ما أفعله هو أنني أدرس المكان. عادة ما أفعل ذلك مع رئيس المجموعة أو مديرها أو الشخص المسؤول الأول فيها للتأكد من أنه مرتاح للموقع الذي أراه مناسبا، وحين نتفق على ذلك أستوضح عدد الأشخاص الذين سيكونون في المجموعة. وعندما يحين الوقت أقول لهم ببساطة: تفضّلوا إلى مكان التصوير.
ثم أقول لهم: اختاروا المكان الذي تشاؤون. لا يهمني، قفوا حيث تشعرون أنكم تنتمون. تصبح كلمة الانتماء هنا كلمة بالغة الأهمية في ظاهرة المجموعات. فالإحساس بالانتماء إلى فضاء معيّن جزء أساسي من عملية التصوير. إنها درجة مدهشة من الدقّة لا يأخذها كثير من المصوّرين في الحسبان.
وحين يشعر الجميع بالارتياح في أماكنهم، أبدأ عادة بجمع المجموعة أكثر، فإذا كان أحدهم لا يظهر في الصورة أقول مثلا: أظن أن جون بحاجة إلى أن يقترب قليلا، أو ما شابه. لكن في الوقت نفسه يكون هناك عامل آخر يعمل في الخلفية.
فهناك أشخاص لا يرغبون حقا في الظهور في الصورة، لكنهم موجودون فيها بسبب المجموعة نفسها، سواء كانت مجموعة عمل أو هواة أو أي مجموعة مهنية أخرى. هم يسايرون المجموعة لكنهم خجولون قليلا، وعليّ أن أحترم ذلك. فإذا كان رأس أحدهم مائلا إلى ناحية ما، أحاول أن أستشعر الموقف وأسأله: "هل تمانع أن تنظر إلى الأمام؟ أم تفضّل أن تبقى هكذا؟" وعندما أفعل ذلك تتحوّل عملية خلق صورة تضم 30 أو 40 أو 100 شخص، أو أي عدد كان، إلى تجربة لا تصدَّق.
على المستوى الذهني والنفسي، أغوص في قلب الحشد حتى يتعرّفوا إليّ قليلا ويثقوا بي، فنلعب معا لعبة: سأواجه الكاميرا أم لا؟ سأبتسم أم لا؟ أترك لهم حرية فعل ما يرونه مناسبا. تعلّمت عبر السنين أن ترك الناس يكونون كما هم، كأفراد، هو ما يصنع المجموعة. المجموعة لا تصنع نفسها، الأفراد هم من يصنعون المجموعة.
بعد نحو 50 عاما، لماذا شعرت أن هذه اللحظة هي الوقت المناسب لنشر طبعة منقّحة وموسّعة من الكتاب؟
بعد 50 عاما بتنا نرى العالم بعدسة مختلفة، من دون قصد التلاعب بالكلمات. لقد حان الوقت لملاحظة أن ظاهرة الاجتماع معا، وتمضية الوقت معا، قد تراجعت. نسبة الأشخاص الذين يجتمعون مثلا لتناول القهوة صباحا أصبحت أقل. الدين تراجع أيضا، والمجموعات الدينية فقدت جزءا من روّادها. لكنني أؤمن بأن الناس بحاجة إلى الناس. الإنسانية تحتاج إلى الإحساس بالآخرين، إلى اللمس، إلى العناق، إلى إخراج المشاعر في وجود آخرين. وإذا أُتيحت للناس الفرصة فسيفعلون ذلك.
الناس يحبون أن يكونوا في مجموعة، وأن تُلتقط لهم صورة. المشكلة أننا نعيش في زمن مختلف تماما عن الفترة التي بدأتُ فيها تصوير المجموعات عام 1972. في ذلك الوقت لم تكن هناك حواسيب شخصية، ولم يكن الهاتف الذكي منتشرا في كل مكان كما هو اليوم. وبين الشاشات والهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي انكفأ الناس تدريجيا إلى ما أسميه "الفِخاخ". الناس لم يعودوا يجيبون على الهاتف كما في السابق، بل يفضّلون البريد الإلكتروني أو الرسائل القصيرة. كنت واقفا في الشارع ذات يوم وسمعت طفلا يقول لصديقه الذي كان عائدا من زيارته في البيت: "أراك على الإنترنت". خطر لي حينها أن هذا بات طبيعيا: سنلتقي على الإنترنت. هذا لم يكن موجودا عام 1972، ولهذا أحد الأسباب التي دفعتني إلى إعادة نشر هذا الكتاب الأول. لقد عملت في هذا النوع من التصوير لأكثر من 50 عاما.
نشرت عددا من الكتب، كان أولها "When Two or More Are Gathered Together" عام 1972. لم يكن الأمر في الأصل فكرتي الشخصية، بل فكرة حان وقتها، تذكّرنا بأننا بشر وأفراد. ولولا وجود المجموعات، التي لا تزال موجودة وإن كانت أقل عددا، لكان لدينا، كما قلت سابقا، شاشات وهواتف ذكية ووسائل تواصل اجتماعي فقط. لكن الناس في معظمهم ما زالوا يحبون التجمّع واللقاء والتقاط الصور معا.
حلّ الهاتف الذكي محل كثير من الارتباك والضحك الخافت الذي كان يرافق التقاط الصور في السابق. ما حدث هو أن "السيلفي" أصبح صورة المجموعة الجديدة، كما كانت الصورة الجماعية قبل 50 عاما. لذلك لم أكن أنا من قرّر أن هذا الكتاب يجب أن يصدر الآن، لكن عندما اقترح أحدهم الفكرة قلت فورا: "نعم، أوافق تماما".
صحيح أن لدي كتبا أخرى من الطبيعة نفسها، حيث يظهر الناس في مجموعات ونرى ما يفعلونه، لكن المشكلة هي نفسها. بصراحة، أؤمن بشدة بأنه لولا المجموعات، التي لا تزال موجودة مهما قيل لنا، لكنا نعيش على كوكب من الأشباح. وأنا لا أريد أن أعيش على كوكب من الأشباح، ولا أحد غيري يريد ذلك. لذا حان الوقت لتذكير الناس بأنهم جزء من نوع من المجموعات، سواء أدركوا ذلك أم لم يدركوه، وسواء أحبّوه أم لم يحبّوه، فنحن جميعا جزء من بعضنا البعض. وبمجرد أن يجتمع اثنان أو ثلاثة أو أربعة أشخاص، تتشكّل مجموعة، هي مجموعتك. وأنا أراقب هذا الأمر عن كثب، لأنني مفتون، من الناحية السوسيولوجية، بطريقة استمرار الناس في حبّ الوجود معا، رغم تراجع أعداد من "يخرجون" أو "يتسكعون" معا كما يُقال. لحسن الحظ، ما زالوا يحبون ذلك، وإلا، كما قلت، لكنا نعيش على كوكب من الأشباح.
تأتي الطبعة الخاصة بالذكرى في وقت يشهد انقسامات سياسية واجتماعية عميقة في الولايات المتحدة. هل ترى أعمالك اليوم بشكل مختلف عما رأيتها في سبعينيات القرن الماضي؟
هذا سؤال صعب. هل أراها بشكل مختلف اليوم عمّا كنت أراها في السبعينيات؟ لا، لا أظن. الناس في الجوهر هم أنفسهم. لا نزال منشغلين بالقضايا نفسها التي كانت قائمة في الستينيات في أميركا: حركة الحقوق المدنية، الفصل العنصري، والقائمة تطول. يبدو أن البشر يميلون إلى المواجهة. لذلك نحن الأشخاص أنفسهم الذين كنّا آنذاك.
عند النظر عبر العدسة اليوم، مقارنة بسبعينيات القرن الماضي، نحن أمام الأشخاص أنفسهم، لكن الفروق مختلفة، والهواجس مختلفة، غير أننا ما زلنا نقاتل من أجل الحقوق نفسها وسبل العيش نفسها وطرائق رؤية بعضنا البعض نفسها. لا فرق. لدينا جميعا رأس واحد وذراعان وساقان. نحن متشابهون، وهذا لم يتغيّر. فكيف يمكن القول إننا مختلفون اليوم عما كنّا عليه آنذاك؟ القضايا تتبدّل، لكن في الجذر، في المستوى الأساسي، تظل القضايا واحدة دائما: قضية يثيرها الأفراد لتتفتّح في شكل مجموعات. لا أدري إن كان هذا واضحا، لكنني أحاول أن أنقل لك الزاوية التي أرى العالم من خلالها.
تتضمّن طبعة الذكرى مجموعات جديدة صُوِّرت حتى عام 2023. ما أكثر ما لفتك في تصوير المجموعات المعاصرة مقارنة بالصور من السلسلة الأصلية؟ لقد اخترت عشر صور مفضّلة لقسم الثقافة في يورونيوز من الكتاب. ما الذي وجّه اختياراتك؟
هذه الصور خرجت من معرض مقبل، ووافقت عليها لأنني أحببتها. لذا فالسؤال الحقيقي هو: كيف تختار الصور التي يمكنك أن تعيش معها؟ كيف تعرف إن كنت تحب الصورة ويمكنك التعايش معها؟ هذا سؤال صعب، لأن كل صورة مختلفة.
قد تبدو الصور متشابهة لأنها جميعا لمجموعات، لكنني أختار صوري على أساس مدى ما تنقله إليّ من معنى يوما بعد يوم. فإذا ابتعدت عن صورة أسبوعا وعدت إليها فوجدتها "تتحدث" إليّ، فهذا يعني أنني أحبها. أما إذا بدت ساكنة بلا حيوية، وقد فقدت قوتها لأنك رأيتها كثيرا، فإنها تتراجع خطوة إلى الخلف. هذا السؤال يطرح قضية أساسية: جمال الفن أنه لا يكتمل أبدا.
أنا رسّام ومصوّر فوتوغرافي. والكل يعرف أن اللوحة لا تكتمل أبدا؛ إنها مكتملة لليوم أو للحظة فحسب. بعد ثلاثة أيام قد تقول في نفسك: "لا أدري، أظنها تحتاج إلى قليل من الأحمر في هذه المنطقة". والتصوير الفوتوغرافي يشبه ذلك. الأمر أصعب في الصور لأن الصورة جاهزة سلفا ولا يمكنك تعديلها، فتجد نفسك تلعن حظك إن لم تعجبك وتقول: لماذا التقطت هذه الصورة بهذه الطريقة؟ لكن هذا هو منحنى التعلّم، وهذا جماله.
في المرة التالية التي تخرج فيها ومعك الكاميرا، أيا كانت وسيلتك في التصوير، تكتشف أنك أصبحت على منحنى تعلّم يقول لك: لا تلتقط الصورة بهذا الشكل، بل بطريقة أخرى. انظر إلى ما وراء الصورة، إلى داخل المجموعة، إلى داخل الشخص. تحاور مع الشخص. أحب أن أقول إنه حتى عندما أصوّر 100 شخص في مجموعة، وكما قلت سابقا إنني أغوص داخل المجموعة، فإنني أصنع ربما 50 صداقة تستمر نحو عشر دقائق، وهذا أمر رائع. أتعرّف قليلا إلى عدد كبير من الناس، وهذا أكثر مما نحصل عليه غالبا حتى مع أصدقائنا المقرّبين.
بالنسبة إليّ، تصوير المجموعات اليوم ليس مختلفا عما كان عليه في السبعينيات. المحتوى تغيّر، لكن الأشخاص بالنسبة إليّ لم يتغيّروا، وهذا ما أحبه في الأمر. لو لم تكن هذه الديناميكية موجودة لما واصلت القيام بهذا العمل. لقد قمت به لأكثر من 50 عاما، وهو بالفعل ديناميكي. أظن أن ذلك يتطلّب حبّا هائلا للناس، لكل الناس على هذا الكوكب، بيضاً وسوداً، أيا كانت أصولهم، من بينهم ذوو الأصول اللاتينية وغيرهم. أحب الاختلافات، لكن في نهاية المطاف نحن متشابهون، وهذا ما يدفعني للاستمرار.
في أعمالك كثير من الطرافة، لكن يرافقها غالبا حسّ هادئ من الدقّة السوسيولوجية. كيف توازن بين السخرية والتعاطف عندما تصوّر المجتمعات؟
أظن أنني أجبت جزءا من هذا السؤال عندما قلت، في سياق التعاطف عند تصوير المجتمعات: "أنا ببساطة أحب الناس". رؤية شخص بقميص أزرق، وآخر بقميص أحمر، قد يبدو الأمر بسيطا، لكنني أحب مراقبة الناس، وأحب مشاركتهم. لذلك فأنا لا أحاول الموازنة بين شيء وآخر، بل أترك كل شيء يتدفّق كما هو. أعتقد أن محاولة الموازنة هي الخطأ، بل هي كابوس، لأنك لا تستطيع تحقيق توازن كامل. الناس ينتمون إلى بعضهم البعض، في مجموعات تتكوّن من أفراد يرتدون القمصان الحمراء والزرقاء والسوداء والبيضاء؛ هذا جزء من حمضنا النووي. لا أستطيع إنكار ذلك، ولا أنت أيضا؛ هذه هي الإنسانية.
لا يوجد سوى شكل واحد من الانتماء: إما أن تنتمي أو لا تنتمي. لا تنس أننا، نحن البشر، بارعون جدا في إقصاء البعض والترحيب بآخرين، وهذا ما يجعل أولئك "الآخر". إذا سبق أن كنت داخل مجموعة ثم خرجت منها، فستعرف بالضبط عمّا أتحدث. الشعور بأنك ضمن مجموعة أمر حيوي، هو جوهر ما يعنيه أن تكون إنسانا. المسألة ليست مجرد التقاط صور طريفة أو جادّة لأشخاص يشكّلون مجموعة، فالإحساس بالانتماء إلى مجموعة هو أهم عنصر سوسيولوجي في الإنسانية. حتى كلمة "الإنسانية" نفسها تعبّر عن قوة جماعية.
أما عن عنصر الطرافة في أعمالي فليس موجودا دائما. بخلاف بعض المصوّرين الآخرين، أنا أحب الناس وأحب عيوبهم؛ أحب الطريقة التي نخطئ بها والطريقة التي نضحك بها على أنفسنا. وهذه اللحظات هي ما يصنع صوري. عندما ينظر الناس إلى بعض صوري ويرون فيها ما يبعث على الضحك، فذلك لأنهم يضحكون مع أنفسهم لا عليهم. وهذا هو الفارق، في رأيي، بيني وبين مصوّرين آخرين يعملون على مواضيع سوسيولوجية. لا أضحك أبدا على أحد، بل أضحك مع الناس، ونضحك جميعا معا. لا أسعى إلى السخرية أو التجريح أو انتقاد أحد. إذا كانت هناك حالة طريفة ونحن جميعا جزء من النكتة، فهذا رائع. أردت فقط توضيح ذلك.
ما الذي تأمل أن يستخلصه جمهورك الأوروبي، على وجه الخصوص، من هذه الصور للمجتمع الأميركي؟
أعتقد أن أوروبا كانت دائما مفتونة بأميركا، لأن أميركا خاضت التجربة الكبرى: أن "كل الرجال والنساء خُلقوا متساوين". لم يكن هذا المبدأ سائدا دائما في أوروبا أو في بقية أنحاء العالم. أصبحت أميركا بمثابة طبق بتري لتجربة نمط حياة لم يعرفه الناس تاريخيا. لدينا مشكلاتنا، وقد كانت لدينا دائما مشكلاتنا، ونأمل أن تتجاوز البلاد أوقاتها العصيبة، لكن لا أستطيع أن أجيب بدقة عمّا سيأخذه الجمهور الأوروبي تحديدا من هذه الصور، لأنني أعتقد أنها لا تمثّل أميركا أو الأميركيين حصرا، بل تمثّل طريقة تفاعل الناس وتحدثهم وتواصلهم مع بعضهم البعض. ونحن معروفون في أميركا بنقاشاتنا المفتوحة جدا، وأظن أن هذا ما يثير فضول الجميع.
لدي كتب أخرى أيضا عن المجموعات. لدي كتاب بعنوان "Britons"، وأعمل على مشروع ضخم عن الصلاة والتأمل في مجموعات، أي كيف نبدو حين نجتمع للصلاة. هذه الصور لن تكون من النوع الذي يثير الضحك، لكنك ستجد فيها العناصر نفسها التي وجدتها في صور عام 1974، أي الخيط الناظم بيننا جميعا. وهذا هو الأهم. وأظن أن الأوروبيين يفهمون ذلك ومفتونون بما نقوم به. لكنني أعتقد أيضا أن أوروبا قطعت شوطا طويلا، ولا أريد انتقاد أي بلد بعينه، فلا رغبة لي في ذلك؛ بلدان أوروبا تقدّمت كثيرا. لم يعد الأوروبيون ينظرون إلى أميركا بوصفها شيئا غريبا كما في الخمسينيات أو الستينيات، لأن لديهم اليوم ديمقراطيات وأشكالا اجتماعية للحكم.
أفهم السؤال جيدا، ولا يزال هناك قدر من الانبهار بهذه البلاد الممتدّة على نحو 24 ألف ميل، وبمن نكون وما نفعل، وهو كثير مما قد لا يخطر للأوروبيين أن يفعلوه. لدينا جميعا أفكارنا عن تشكيلات اجتماعية مختلفة، إن صح التعبير، ونتعلّم منها. وأشعر أن أوروبا أقل انبهارا بأميركا كدولة، لكن الأميركيين يظلون مثيرين لفضول الأوروبيين. وأنا أتكلم أكتشف أن الجملة الأدق ربما هي: الأوروبيون مفتونون بالأميركيين أكثر من افتتانهم بأميركا ذاتها. هذا هو الانطباع الذي يصلني.
تغيّر عالم التصوير جذريا منذ سبعينيات القرن الماضي، من التحميض التقليدي إلى الانتشار الرقمي وصولا إلى الصور المولَّدة بالذكاء الاصطناعي. ما الذي كسبناه في رأيك، وما الذي خسرناه؟
يمكنني الحديث يوما كاملا عن هذا الموضوع. ما الذي كسبناه؟ لا أعلم. الشيء الوحيد الواضح في نظري هو أنه إذا حدث أمر ما أمامك يمكنك إخراج الهاتف الذكي وتوثيقه فورا. لأن المصوّر، ما لم يكن مصوّر حروب دائما على استعداد، قد يفوته الحدث بينما يستعد لالتقاطه. وفي موازاة ذلك، نعود إلى ما قلته سابقا: إننا نشهد، بطريقة ما، انحدارا في مستوى الوعي. تكتب جملة، فيستكمل نصفها برنامج التصحيح الإملائي في حاسوبك. شيئا فشيئا نصبح أكثر كسلا.
نعيش حياتنا ونحن نحدّق في الشاشات. أنت وأنا نعرف أمثلة من عالم الشركات حيث يعمل الناس جنبا إلى جنب في مكاتب صغيرة، وبدل أن يدفع أحدهم كرسيّه إلى الخلف ويسأل: "يا جو، متى تذهب إلى الغداء؟"، يرسل بريدا إلكترونيا إلى جو وينتظر الرد. هذا مقلق جدا. وفي الوقت نفسه فتح العالم الرقمي إمكانات مدهشة لم نكن نتخيّلها. مثل أي شيء آخر، المسألة مسألة توازن.
كم نحتاج من الذكاء الاصطناعي لنحسّن حياتنا، وكم نحتاج منه لنُفسدها؟ هذا سؤال كبير، ولا أملك إجابته. أنا مجرّد متفرّج في هذا الميدان. على مستوى القيمة الفنية لا أرى فرقا بين التصوير الرقمي والتصوير التقليدي. نعم، العملية مختلفة؛ لم يكن لدينا كاميرات تحسب التعريض داخلها كما يفعل الهاتف الذكي اليوم، لكننا نسعى في النهاية إلى الشيء نفسه. إذا اختزلت الصورة إلى جوهرها، سنكتشف أننا ما زلنا نصوّر بعضنا البعض، وما زلنا نحاول أن نُظهر أفضل ما فينا عندما نلتقط "سيلفي". كنا نفعل ذلك عام 1927 و1937، لذا لا فرق حقيقيا من وجهة نظر إنسانية. الفرق هو في التقنية. لكن المشكلة أن التقنية هي ما يسهم في جعلنا أقل حدة ووعيا. نحن في وضع يحتاج إلى حذر شديد حتى لا نُضعف أنفسنا، وحتى لا نصبح، وها أنا أكرر، أشباحا على هذا الكوكب.
كيف ترى دور التصوير الفوتوغرافي اليوم في عصر يغمرنا بالصور؟
قال مدير التصوير الفوتوغرافي في متحف الفن الحديث في نيويورك، جون زاركوفسكي، قبل وفاته، وأظن أن هذا كان في الثمانينيات: "بات لدينا اليوم صور فوتوغرافية في العالم أكثر من الطوب". ماذا يعني ذلك؟ يعني أننا لا نتوقف عن الرغبة في أن نُرى في مرآة هذا الشيء، حتى نتمكّن من النظر إلى أنفسنا.
هناك نكتة أتذكّرها، عن جدّتين تسيران في الشارع، تدفع إحداهما عربة أطفال فيها طفلة، فتنظر الجدّة الأخرى داخل العربة وتقول: "يا لها من طفلة جميلة!" فتجيبها الجدّة التي تدفع العربة: "إذا كنت ترينها لطيفة هكذا، فعليك أن تري صورتها". أظن أن هذه النكتة تقول الكثير عن التصوير الفوتوغرافي. ما هو؟ هو ذاكرة، وتأمّل ذاتي، وطريقة للتفكير. يمكنني الاسترسال طويلا في هذا الاتجاه، لأن هذا هو جوهر التصوير. وفي أوجه كثيرة حلّ التصوير محل الرسم في أداء هذا الدور، لأنه ما كان يحاول الرسم القيام به، لكن التصوير يقوم به على نحو أفضل. هذا لا يعني أن الرسم مات كما قيل سابقا؛ فالرسم تجربة مختلفة تماما. أعرف ذلك لأني رسّام، وأحب الرسم لأسباب كثيرة، بعضُها يلتقي مع التصوير وبعضها لا.
لكننا لن نفقد حاجتنا إلى التواصل مع بعضنا، وإلى التواصل مع أنفسنا عبر النظر إلى الصورة. إذا نزعت ذلك من حياتنا، فماذا يبقى؟ كوكب من الأشباح.
ما المواد والأدوات التي تعمل بها في عام 2026؟ وكيف تغيّرت علاقتك بالصورة المادية بمرور الوقت؟
أعمل اليوم بالتصوير الرقمي، لأنه يتيح لي القيام بأشياء أكثر مما كنت أستطيع مع الفيلم. لكنني أحب الصور التقليدية على الفيلم، لأنها تحمل طابعا مختلفا؛ فهي أكثر نعومة وتتواصل بطريقة مختلفة. العمل رقميا يمنحني القدرة على تثبيت الصورة من دون تجارب كثيرة، وعلى الخروج بالصورة نفسها إذا احتجت إلى طباعة خمس نسخ متطابقة. كنا نفعل ذلك باستمرار في التصوير التقليدي. لكن، في النهاية، وهذا ليس تقليلا من شأن السؤال، فقد تجاوزت منذ زمن طويل هذه النقاشات وباتت تبدو لي غير ذات صلة. لم أعد أفكر فيها؛ أعمل رقميا ولا أذكر آخر مرة عملت فيها بالفيلم، رغم احترامي الكبير له. ببساطة، هذا ليس ما يشغلني الآن. ما يشغلني هو أن أنظر إلى الموضوع وأسأل: ما الذي يدور هنا؟ كيف أتواصل مع موضوعي وكيف يتواصل هو معي؟ هذا هو الجوهر في العلاقة الفوتوغرافية مع موضوعك، وهو لا يتغيّر. لم يتغيّر عام 1972، ولن يتغيّر عام 2026.
هل تعتقد أن الصور الجماعية ما زالت تحمل الوزن الثقافي نفسه في عصر تهيمن عليه "السيلفي" وبناء العلامات الشخصية الفردية؟
إذا كنت تجيدها، نعم، ما زالت تحمل الوزن نفسه. مع كل هذا السيل من صور السيلفي أصبح نظرنا أقل حساسية بكثير، لكن إذا رأيت صورة تقول شيئا، إذا رأيت 500 شخص في قاعة وتمكنت من تمييز كل واحد منهم، لا بالاسم بل بالصفات: "هذا الرجل ذو شعر داكن، وتلك شقراء، وتلك تجلس"… إلى آخره، تصبح هذه الصور بمثابة خرائط طريق إلى مكان لا نعرفه، لكنها تشبه النظر إلى خارطة والقول: "الآن أرى أن هذه البلدة تبعد خمسة أميال فقط عن تلك المدينة التي كنت أظنها أبعد بكثير". هذه هي الصورة الجماعية: خريطة طريق إلى الإنسانية.
كلما نظرت إليها أدركت كيف يرتبط شخص بمن يقف إلى جواره، وماذا عن الشخص الذي يبعد أربعة أشخاص عنه؟ هل ينظر إليه ويتمنى لو كان إلى جانبه؟ إنها منجم ذهب. ومن هنا تبدأ المحادثة الحقيقية.
في النهاية، ما الرسالة أو السؤال الذي تود أن تتركه أعمالك لدى مشاهديك اليوم؟
عملي جزء منه سوسيولوجي وجزء آخر جمالي. لا أستطيع أن أحدّد الرسالة التي أريد أن تخلّفها أعمالي، لأن ذلك ليس في يدي. إذا كان من شيء أتمناه فهو أن يفهم الناس أننا جميعا بشر نرتبط ببعضنا البعض، وهذا ما يجعلنا نبقى في مجموعات. وإذا سمح لي بالتنبؤ، إذا بقي هذا الكوكب، فستبقى المجموعات أيضا. بطريقة أو بأخرى لن نتخلى عن بعضنا البعض.
"When Two or More Are Gathered Together" لنيل سلافين متوافر الآن عن دار "دامياني بوكس".
Photography and Belonging يُعرض حاليا في متحف كونستبالاست في دوسلدورف بألمانيا حتى 25 أيار/مايو 2026.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة