بينما روضت شهرزاد الوحش بالحكايات كي تؤجل سكينه، فإن الكاتبة البريطانية أنجيلا كارتر لم تكتفِ بتسكينه، بل اقتربت منه، لتفككه، نازعة عنه جلده الأسطوري إلى الأبد.
هكذا، استعارت كارتر سر الحكي من شرقنا، لتعيد تصديره إلينا كفعل تمرد راديكالي، بينما لا نزال محجمين عن معرفة ما آلت إليه الحكاية، مخافة أن تستيقظ الوحوش التي ظننا أن شهرزاد نومتها للأبد.
وليس ذلك مجرد نقص في الترجمة أو سقطة بيبليوغرافية، بل خللا بنيويا في جسور التبادل الثقافي. فنصوصها، بشرقيتها المتخيلة وجرأتها العارية، لا تطمئن سوق النشر الذي يتوجس من كل أدب يلامس المناطق الحساسة.
للحقيقة، لم يكن الغرب أكثر إنصافا، وإن اختلفت الدوافع؛ إذ أسهم انغماسها في عوالم الحكايات الخرافية في تنميطها في صورة "الساحرة البيضاء"، تلك الكائنة الغامضة التي تقرأ الطالع في أوراق التاروت.
وجاءت هيئتها الغريبة؛ شعر متطاير ومنفوش، فساتين فضفاضة وطويلة، دفعت الشاعر البريطاني أندرو موشن إلى القول إنها تبدو "كشخص ترك وحيدا في مهب إعصار".
نشأت أنجيلا مشبعة بالدلال المفرط، تسهر لوقت متأخر في انتظار والدها، ثم تجلس تكتب حكاياتها وتلونها على لفائف الورق الطويلة بينما ينساب حديث والديها في الخلفية.
غير أن هذا التدليل تحول فجأة إلى قيد سجنها داخل جسد مترهل، وتأتأة، وخجل حاولت مواربته ببرود متعال أمام أصحابها القلائل.
مع ذلك، عرفت باجتهادها في الدراسة حتى أن معلميها شجعوها على التقدم لجامعة أكسفورد. وعندما عرضت الأم أن يستأجروا شقة هناك ليكونا بالقرب منها، صرفت أنجيلا النظر تماما عن فكرة الذهاب إلى الجامعة.
سرعان ما انغمست كارتر في صخب لندن باشتغالها بالصحافة، هناك التقت ببول كارتر، الكيميائي الذي صارحها بحبه. لكن هذا اللقاء انتهى بالخطوبة والزواج وهي في العشرين، لتبدأ فصلا جديدا من حياتها في عش الزوجية.
وصفت كارتر زواجها بأنه كان "هروبا من غرفة مغلقة إلى غرفة مغلقة أخرى"، لم يحدث شيء سوى أنها انتقلت من هيمنة والدتها إلى صمت زوجها القاتل، الذي كان يعاني من نوبات اكتئاب حادة وانعزال قد يمتد لأيام أو أسابيع، خاصة بعد أن بدأت أنجيلا تحقق نجاحاً أدبياً.
خلال تلك الفترة، كتبت كارتر قصيدتها "وحيد القرن" (1966)، لتهدم الأسطورة التي تزعم أن الوحش لا يستسلم إلا في حجر العذراء. في عالم كارتر، لا توجد عذارى طاهرات، بل أدوات داخل "اقتصاد الرغبة".
وهكذا عُدّت روايتها الأولى "رقصة الظلال" (Shadow Dance) "كابوساً حضرياً"، حيث تحولت شوارع لندن إلى مسرح أسطوري، البشر فيها مجرد دمى محطمة.
وفي "متجر الألعاب السحري" (The Magic Toyshop) (1967)، تذهب كارتر أبعد من ذلك؛ فالبطلة "ميلاني" التي تجرأت على استكشاف أنوثتها بارتداء فستان زفاف والدتها، تُعاقب فوراً بنفيها من دفء الأهل إلى جحيم العم فيليب السادي. هناك، تصبح الأجساد المهانة مجرد عروض مسرحية تخدم سلطة ذكورية مطلقة. ورغم هذه القوة التخيلية، يظل القارئ يلمح صوتاً يكتب بدافع الاستفزاز؛ كأن أنجيلا لم تتوقف قط عن مواصلة شجارها القديم مع أمها.
على الرغم من أن والدها فتح لها أبواب الصحافة عبر علاقاته، لم يأت التحول الحاسم في حياة كارتر سوى مع إدراكها أن الحرية تبدأ من موردٍ مالي لا يمر عبر يد زوج. حين فازت عام 1969 بـ"جائزة سومرست موم" عن روايتها "تصورات شتى" (Several Perceptions)، مولت فرارها الكبير إلى طوكيو.
هناك، بين 1969 و1971، عاشت عامين وصفتهما لاحقًا بأنها الفترة التي تعلّمت فيها ماذا يعني أن تكون امرأة؛ ومن هناك أرسلت تطلب الطلاق كما رحلت أمها في العام نفسه.
في اليابان، لم تكتفِ كارتر بتفكيك الأساطير، بل فككت هويتها القديمة بالكامل؛ فانغمست في صخب طوكيو وعاشت تجارب غريبة، علاوة على عملها العابر في حانات كمضيفة لتعرف صورة السلعة في عيني الآخر.
بعد تلك التجربة، كتبت مجموعتها الأيقونية "الغرفة الدموية" (The Bloody Chamber) (1979)، التي أعادت تصور حكايات "تشارلز بيرو" والأخوين "غريم" لتنتزع منها أحشاءها الأبوية. وقد انصهرت قوتها التخيلية وعنفها الرمزي مع نضجها في اليابان، لتتحول الصدمة من مجرد استفزاز إلى معالجة أدبية راقية ترفض أن تظل النساء فيها فرائس في الغابة البطريركية.
في النسخة الكلاسيكية لقصة "الرجل ذو اللحية الزرقاء"، تقف الزوجة عاجزة، تصرخ بنفاذ صبر: "يا أختي آن، هل ترين أحدا قادما؟"، بانتظار الخلاص على يد الإخوة الذكور.
كارتر تهمش الرجل، فبدلاً من الفارس المنقذ، تدفع بالأم كقوة إعصارية ممتطيةً صهوة الغضب، لتهدم احتكار الذكورة لفعل البطولة. في اللحظة التي يرفع فيها الماركيز سيفه ليقطع رأس زوجته، تخترق جبهته رصاصة من مسدس الأم، مفجرةً معها الهيمنة الأبوية.
يبدو هذا المشهد بمثابة تصالح مع "الأم" التي طالما تمردت عليها؛ فالأم التي كانت تمارس سلطة القمع في الضواحي اللندنية، جاءت أخيرا لتنقذها من براثن الوحش. تنتهي القصة بانسحاب الأم والابنة -ومعهما العازف الأعمى- إلى حياة متواضعة، بعيداً عن أبهة القصور الزائفة.
غير أن النجاة لا تعني استعادة البراءة أو العودة إلى "ما قبل الخطيئة"؛ فالابنة تظل تحمل على جبينها ندبة المفتاح المدمى. إنها العلامة التي لا تزول، البصمة التي تذكرها بما دفعته ثمنا للحرية، وكيف تطلّب الطريق إليها أن تحتضن "الوحش" بداخلها بدلاً من انتظار بطلٍ لن يأتي، أو سيأتي ليضعها في سجنٍ جديد يُسمى "النهاية السعيدة".
يبدو أن كارتر وجدت مرساها أخيراً حين تعرفت على مارك غولدبلات؛ الرجل الذي منحها الاستقرار والأمومة بعد سن الأربعين بإنجاب طفلها "ألكسندر".
في عام 1984، نُقلت قصة "رفقة الذئاب" (The Company of Wolves) إلى الشاشة الكبيرة. الفيلم الذي كتبت له كارتر السيناريو بنفسها ليكون بمثابة "انتقام أدبي من ديزني" ومن براءتها الزائفة.
في الحكاية الشعبية التقليدية، تُمثّل "ذات الرداء الأحمر" الضحية التي تُقاد لمصيرها بسبب غواية الطريق، لكن بطلة كارتر "روزالين" لا تخشى الذئب بل تنجذب لبريته.
في المشهد الأيقوني، تهمس للذئب ببرود: "يا لك من أسنان كبيرة!". كما استخدمت كارتر السينما لتثبت أن "الأسطورة هي سياسة متنكرة"؛ فمن يملك الحكاية يملك عقول النساء، وقررت روزالين هنا أن تسرق الحكاية من "الجدة" التي تمثل التقاليد الخانقة، ومن "الذئب" الذي يمثل التهديد، لتكتب مصيرها بنفسها.
اعتمدت كارتر بنية "ألف ليلة وليلة" بصرياً؛ حلمٌ داخل حلم، وحكاية تولد من رحم أخرى، في "ولادة سريالية للأنوثة". هذا التوالد القصصي هو جوهر مدرسة كارتر؛ فهي "حكواتية شرقية" الهوى، ترفض المنطق الخطي الصارم وتستبدله بمتاهة السرد.
يظهر هذا "التحول" في أقصى صوره في قصتها "عروس النمر" (The Tiger’s Bride)، التي تضم واحدًا من أكثر المشاهد إثارة للجدل في أدب القرن العشرين. هنا، لا ينتظر الوحش معجزةً ليعود بشريا، بل تختار "الجميلة" طواعية أن تصبح وحشا. تصف كارتر اللحظة التي يلعق فيها النمر جلد بطلتها كانعتاق: "ومع كل ضربة من لسانه، كانت تُنتزع طبقةٌ من الجلد تلو الأخرى، كل جلود حياةٍ عشتها في العالم، لتحل مكانها طبقة وليدة من شعرٍ لامع.. هززتُ القطرات عن فروي الجميل".
لم تكتفِ كارتر بجلد الحيوان، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك في روايتها "آلام إيفا الجديدة" (The Passion of New Eve)، التي تناولت الهوية والنوع الاجتماعي (الجندر) كشيء "سائل" وقابل للتغيير. اعتبرت أن الأنوثة والذكورة ليستا قدراً بيولوجياً بل أدواراً مسرحية يفرضها المجتمع؛ وهي رؤية كانت سابقة لعصرها، جعلت من نصوصها مادة متفجرة لا تزال تثير الجدل الأكاديمي حتى اليوم.
في 16 فبراير/شباط 1992، وبعد صراع مع سرطان الرئة، رحلت أنجيلا كارتر تاركةً وراءها حكاياتٍ عصيّة على التأويل الواحد، ورافضةً لنهاياتٍ مطمئنة.
وإذا بدا صوتها كأنه تكملة لمشروع شهرزادٍ، على نحو أكثر قتامةً وتمرّدًا، فلأن نصوصها تترك تلك "الندبة" التي لا تمحى، إنها ندبة الناجيات من "الغرفة الدموية" وهن يستنكرن وعودا جديدة تيمنا بحكمة الحية: "كيف أعاودك وهذا أثر فأسك!".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة