آخر الأخبار

وسط موجة الحر وعزلة المسنين.. سعاة البريد في فرنسا يتحولون لمسعفين ومؤنسين

شارك
فارس السفاري يتحدث مع أحد السكان الذين يوصل لهم الوجبات في مدينة فينيسيو (نقلاً عن نيويورك تايمز)

وسط موجة الحر التي تضرب فرنسا ومناطق شاسعة من أوروبا، يعتمد المسنون الفرنسيون، الذين يعاني العديد منهم من عزلة كبيرة، على عمّال البريد الذين يوصلون لهم الطرود والطعام ويؤنسونهم في وحدتهم.

وفي هذا السياق، نشر موقع "نيويورك تايمز" تقريراً رافق خلاله عدداً من سعاة البريد خلال إتمامهم مهماتهم الوظيفية، بالإضافة لمهمتهم الإنسانية المستجدة والتي تتمثل بالاطمئنان على كبار السن.

عندما قرعت هارموني سيمون، وهي ساعية بريد في مدينة "إيكس ليه بان" الواقعة على ضفاف بحيرة في جنوب شرق فرنسا، جرس شقة إحدى المتقاعدات في صباح حار مؤخراً، لم تكن هناك لتسليم البريد بل كانت مهمتها التأكد من أن مارتين كومب، المتقاعدة والبالغة من العمر 68 عاماً، والتي تعاني من السكري والربو، لم تتعرض لضربة شمس.

سيمون تقوم بتوزيع البريد (نقلاً عن نيويورك تايمز)

وبعد أن سمحت لها كومب بالدخول، سارعت سيمون (41 عاماً) إلى تفقد النوافذ التي غطتها صاحبة المنزل بقطع متآكلة من رقائق الألمنيوم. كانت تلك وسيلة بدائية وهشة لصد أشعة الشمس، وكان لدى سيمون اقتراح أفضل، فقالت لها: "تعلمين؟ لقد ثبتُّ في شقتي بطانيات النجاة على النوافذ"، في إشارة إلى الأغطية اللامعة التي يلتف بها العداؤون بعد انتهاء سباقات الماراثون. وأضافت: "لقد خفضت درجة الحرارة بمقدار أربع درجات".

وكانت هذه نصيحة في محلها. فكومب، التي لا تملك جهاز تكييف في شقتها الضيقة ذات النوافذ الكبيرة المطلة على البحيرة، أوضحت أن درجة الحرارة داخل المنزل وصلت مؤخراً إلى 36 درجة مئوية. وأضافت: "البقاء محبوسة هنا طوال فترة بعد الظهر أمر صعب للغاية".

ولم يكن هذا اللقاء حالة فردية، فقد جاءت سيمون في إطار سياسة طوارئ وطنية أطلقها رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو في شهر يونيو (حزيران)، عندما اجتاحت فرنسا موجة حر قاسية حطمت عدة أرقام قياسية. وبموجب هذه السياسة، يُشجع جميع سعاة البريد على عدم الاكتفاء بتسليم الرسائل، بل أيضاً التحقق من أوضاع كبار السن.

هارموني سيمون عاملة بريد تزور مارتين كومب في مدينة إيكس ليه بان خلال شهر يوليو (نقلاً عن نيويورك تايمز)

وقال لوكورنو في رسالة إلى رؤساء البلديات تضمنت إجراءات وتوصيات لمواجهة الحر: "من خلال جولاتهم اليومية، غالباً ما يكون سعاة البريد هم الأشخاص الوحيدون الذين يحافظون على تواصل منتظم مع المسنين أو الأفراد المعزولين".

وتحتفظ المدن الفرنسية بسجلات للسكان الأكثر عرضة للخطر ممن طلبوا التواصل معهم خلال فترات الحر الشديد، لكن تحديث هذه القوائم ليس دائماً سهلاً، كما أن البلديات لا تستطيع دائماً التأكد من تسجيل جميع المحتاجين للمساعدة. وأوضح لوكورنو أن شبكة البريد، التي تضم نحو 65 ألف موظف مندمجين في مجتمعاتهم المحلية، تستطيع المساعدة في الوصول إلى أشخاص غير مسجلين لدى السلطات المحلية.

وعلى غرار بقية أوروبا، التي تعد القارة الأسرع ارتفاعاً في درجات الحرارة والأكبر سناً من حيث متوسط الأعمار، شهدت فرنسا سلسلة من موجات الحر منذ بداية الصيف. ووفقاً لتقديرات أولية صادرة عن هيئة الصحة العامة الفرنسية، توفي قرابة 6000 شخص نتيجة أشد موجة حر شهدتها البلاد في يونيو (حزيران)، وكان ثلثا الضحايا تقريباً من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 75 عاماً أو أكثر. وسُجلت زيادة حادة بشكل خاص في الوفيات داخل المنازل، مما أثار المخاوف بشأن كبار السن والمرضى الذين يعيشون بمفردهم.

وتعرف هارموني سيمون هذا الواقع جيداً. وقالت وهي ترتب البريد في المكتب قبل بدء جولتها: "بعضهم، وللأسف، لا يرون سوانا". ولسنوات، اعتادت سيمون وزملاؤها زيارة الأشخاص المسجلين لدى الخدمات الاجتماعية البلدية. أما الآن، وبموجب السياسة الجديدة، فقد أصبح مطلوباً منها أيضاً تحديد الأشخاص المعرضين للخطر الذين قد لا يكونون ضمن سجلات المدينة.

وكانت أول من زارتها ذلك اليوم إلفير بيرتانيوليو، البالغة من العمر 95 عاماً، والتي تعيش وحدها في الطابق الخامس من مبنى حديث بالقرب من محطة القطار. وأعربت بيرتانيوليو عن امتنانها لهذه الزيارة قائلةً: "من الجميل أن أرى أشخاصاً شباباً في مثل عمري".

وأضافت أنها لم تغادر شقتها منذ أشهر، ونادراً ما تستقبل زواراً باستثناء ابنها شارل الذي يعيش على بعد مئات الكيلومترات. وقالت: "أعاني من الوحدة". أما الحر فكان بدوره مرهقاً. وقالت وهي تجلس على أريكتها قرب نافذة مفتوحة ومروحة تدور بجانبها: "عندما تبلغ 95 عاماً، لا يكون شعورك كما عندما يكون عمرك 50 عاماً". وأضافت ضاحكةً أن قطتها كانت مصدر راحة ومقياساً موثوقاً للحرارة: "عندما لا تخرج من تحت السرير، أعرف أن الجو حار جداً".

إلفير بيرتانوليو البالغة من العمر 95 عاماً تعيش بمفردها في شقة تقع في الطابق الخامس (نقلاً عن نيويورك تايمز)

وكانت بيرتانيوليو قد زارت المنطقة لأول مرة قبل عشر سنوات من أجل إجراء عملية جراحية، ثم وقعت في حب طبيعتها الجبلية الخلابة. وكما يحدث مع الكثير من المتقاعدين الفرنسيين، قررت لاحقاً الانتقال إلى "إيكس ليه بان"، المدينة المشهورة ببحيرتها الهادئة وحماماتها العلاجية.

وأدى تدفق المتقاعدين إلى جعلها المنطقة الأسرع شيخوخة في المحافظة، بحسب رئيس بلديتها رينو بيريتي، الذي أوضح أن ما لا يقل عن 13 بالمئة من سكان المدينة البالغ عددهم 30 ألف نسمة تزيد أعمارهم على 75 عاماً. وقال بيريتي: "لذلك يجب أن نكون شديدي اليقظة".

وفي هذا العام، فتحت المدينة بهو مركز ثقافي مكيّف بعد الظهر ليستقبل السكان ويوفر لهم مكاناً للانتعاش مع المشروبات الباردة والألعاب والحفلات الموسيقية. ويساعد سعاة البريد في تحديد الأشخاص الذين لا يستطيعون الوصول إلى هذه المرافق.

وأضاف رئيس البلدية: "نعرف أن هناك أشخاصاً يعيشون في عزلة. وهنا تكمن ميزة البريد الفرنسي، إذ يستطيع موظفوه الدخول إلى المنازل واكتساب معرفة لا يمكننا الحصول عليها بوسائل أخرى".

ومع تراجع البريد الورقي، اضطرت مؤسسة البريد الفرنسية إلى إعادة ابتكار خدماتها، بما في ذلك توصيل المواد الغذائية مقابل رسوم. وأصبحت متابعة أحوال كبار السن امتداداً طبيعياً لهذه الخدمات، حتى إن بعض سعاة البريد باتوا يؤدون دوراً يشبه دور المسعفين.

وقال فارس سفاري (32 عاماً)، وهو ساعي بريد في ضاحية فينيسيو التابعة لمدينة ليون، إنه اضطر مؤخراً إلى الاعتناء بإحدى السكان التي بدت على وشك الإغماء.
وأضاف: "كانت في حالة سيئة جداً، وبقيت معها حتى وصل ابنها".

السفاري يضع وجبات في ثلاجة زوجين مسنين (نقلاً عن نيويورك تايمز)

وخلال فترات الحر الشديد، يحرص سفاري على التأكد من أن الأشخاص الذين يزورهم يتناولون الطعام بشكل جيد. كما يقدم لهم نصائح إضافية، منها: "احتفظوا بزجاجة ماء بجانبكم واشربوا باستمرار".

ورغم درجات الحرارة المرتفعة، تؤكد هارموني سيمون أنها لن تتوقف عن التنقل بالدراجة في شوارع المدينة. وقالت قبل آخر زيارة لها ذلك الصباح: "إنه جزء من العمل". وأضافت وهي تدخل أحد المباني السكنية باستخدام مفتاح عام يتيح لها دخول معظم الأبنية في المدينة: "إنه جميل جداً". وأشارت إلى أن هذا أحد المباني القليلة التي لم يسبق لها زيارتها.

وكانت هناك لزيارة جيلبيرت ميلانو، البالغة من العمر 88 عاماً، التي استقبلتها داخل شقتها الصغيرة ذات المصاريع المغلقة. وقالت ميلانو وهي تشير بإصبعها إلى السماء: "سأبقى هنا ما دام الله لم يشأ غير ذلك". وأوضحت أنها تدير حياتها جيداً بمفردها، إذ تقوم بجولات مشي طويلة صباحاً، وتشاهد سباق فرنسا للدراجات بعد الظهر. لكنها اعترفت أيضاً بأنها تشعر أحياناً بقلق شديد، وأنها تقدّر زيارات سعاة البريد كثيراً. وقالت إنهم "يشبهون إلى حد ما أطباءنا النفسيين".

ومع ذلك، حرصت هي أيضاً على الاطمئنان على ساعية البريد. وقالت مبتسمة لهارموني سيمون: "هل ترغبين في شرب شيء؟ لا بد أنك تشعرين بالعطش!".

العربيّة المصدر: العربيّة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار