في ليلة 13 يناير 2012، بينما كان البحر التيراني ساكنا، غرقت سفينة الركاب الفاخرة "كوستا كونكورديا" على مقربة من شواطئ جزيرة جيجليو الإيطالية، من دون أن تعصف بها رياح أو أمواج.
تعثر القبطان وسقط بالصدفة في زورق النجاة!
في ليلة 13 يناير 2012، بينما كان البحر التيراني ساكنا، غرقت سفينة الركاب الفاخرة "كوستا كونكورديا" على مقربة من شواطئ جزيرة جيجليو الإيطالية، من دون أن تعصف بها رياح أو أمواج.حملت السفينة على متنها 4229 شخصا بين راكب وطاقم، في رحلة اعتقد أنها ستكون عادية، لكنها تحولت إلى واحدة من أكثر الكوارث البحرية غرابة في العصر الحديث.
اصطدم الجانب الأيسر للسفينة، التي يبلغ طولها 209 أمتار وكانت تعد من أحدث ما أنتجته الصناعة البحرية حينها، بجرف صخري مغمور تحت الماء. كان الاصطدام عنيفا لدرجة أن الصخور شقت هيكل السفينة كما يشق سكين قطعة زبدة، مخلفة شرخا طوله ثلاثة وخمسون مترا. تدفقت المياه بغزارة إلى داخل الحجرات، ما تسبب في أضرار جسيمة بالمعدات وانقطاع التيار الكهربائي وتوقف المحركات، لتبدأ السفينة في الانحناء تدريجيا إلى أن استقرت على جانبها الأيمن في صورة مخيفة علقت في الأذهان.
قصة الكارثة بدأت قبل ذلك التاريخ بسنوات، بل وربما منذ اليوم الأول لإطلاق السفينة. عند تدشين "كوستا كونكورديا" وإنزالها إلى الماء، لم تنكسر زجاجة الشمبانيا التقليدية على هيكلها، وهو ما اعتبره العديد من العاملين في المجال البحري نذير شؤم، وهمس البعض في الحضور: "هذا ما حدث بالتحديد مع تايتانيك". لم تتوقف الإشارات الغريبة عند هذا الحد، فخلال الأشهر الأولى من خدمتها، انفصل جزء من مقدمة السفينة في حادث غامض، خرج منه الجميع بسلام، لكنه لم يكن مجرد حادث عابر.
يبدو أن قدر السفينة السيئ تجسد بشكل أكبر في شخص قبطانها، فرانشيسكو شيتينو، الذي تولى قيادتها في ظروف أثارت التساؤلات. على الرغم من انحداره من عائلة ذات تاريخ بحري، فإن طريقه إلى كابنية القيادة لم يكن تقليديا. في تلك الليلة المصيرية، قرر شيتينو، وفقا لتحقيقات لاحقة وروايات شهود، أن يغير مسار الرحلة مقتربا بشكل خطير من جزيرة جيجليو، ربما لتحية صديق له على الجزيرة أو لإبهار صديقة كانت ترافقه على جسر القيادة، وهو تصرف يخالف أبسط قواعد السلامة البحرية.
الأمر الأكثر إثارة للاستغراب في هذه المأساة كان سلوك القبطان نفسه في لحظات الخطر. مع بداية دخول المياه وميل السفينة، وقبل أن يدرك معظم الركاب حجم الكارثة، كان شيتينو من أوائل من غادروا السفينة، تاركا وراءه آلاف الركاب في حالة من الذعر والفوضى، من دون أن يكلف نفسه حتى بإرسال نداء استغاثة رسمي.
حاول هذا القبطان لاحقا تبرير مغادرته المبكرة بادعاء غريب، قائلا إنه تعثر وسقط بالصدفة في أحد قوارب النجاة وهو يشرف على عملية الإخلاء. لاحقا أكد التحقيق أن الإهمال البشري كان السبب الجذري للكارثة، حيث انحرفت السفينة عن مسارها الآمن بسبب قرار القبطان غير المسؤول، ما أدى إلى الاصطدام المدمر.
لحسن حظ الركاب، لم تكن النتائج كارثية بالحد الذي توقعه الجميع نظرا لحجم السفينة وضخامة الأضرار. تسببت الرياح والتيارات البحرية في دفع السفينة المنكوبة، التي كانت قد جنحت، نحو مياه أقل عمقا قرب شواطئ الجزيرة، ما سهل عمليات الإنقاذ التي نفذها خفر السواحل الإيطالي والسفن القريبة بعد استقبال نداءات الاستغاثة التي أرسلها أفراد الطاقم والركاب.
وصف الكثيرون نجاة الغالبية العظمى من الأشخاص بأنه معجزة حقيقية، حيث لم تتجاوز نسبة الضحايا واحدا بالمئة، بإجمالي اثنين وثلاثين شخصا لقوا مصرعهم، وهو رقم ضئيل مقارنة بالعدد الهائل للركاب على متن السفينة والظروف المرعبة التي رافقت الغرق. تم نقل مئات الركاب بواسطة المروحيات إلى المستشفيات لتلقي العلاج، معظمهم كان يعاني من انخفاض حرارة الجسم أو إصابات طفيفة، بينما تم إنقاذ الآخرين بواسطة قوارب النجاة والسفن المساعدة.
لعل من أكثر اللحظات إثارة للدهشة في هذه القصة تلك المصادفات الغريبة التي ربطتها بأسطورة بحرية أخرى. وقع الحادث بالتزامن تقريبا مع الذكرى المئوية لغرق سفينة التايتانيك الأشهر في التاريخ، وليس ذلك فحسب، بل تشير بعض التقارير إلى أن الفرقة الموسيقية على متن "كوستا كونكورديا" كانت تعزف مقطوعات من فيلم "تايتانيك" السينمائي الشهير في لحظة الاصطدام بالصخور. كما أن عملية انتشال السفينة نفسها كانت حدثا استثنائيا، حيث استغرقت عاما ونصف العام، وتم فيها استخدام تقنيات هندسية معقدة لرفع الجسم العملاق من قاع البحر، في عملية هي الأولى من نوعها في التاريخ من حيث الحجم والتعقيد.
أما النهاية القانونية لهذه الدراما الإنسانية، فكانت الحكم على القبطان فرانشيسكو شيتينو بالسجن ستة عشر عاما بتهمة القتل غير العمد وإهمال الواجب والتسبب في كارثة بحرية وهجر السفينة. لم يضيع الرجل وقته داخل السجن وشرع في كتابة مذكراته لرواية الأحداث من وجهة نظره. لم تنتهِ التكهنات عند هذا الحد، فقد ترددت شكوك حول إمكانية تورطه في أنشطة غير قانونية كتهريب المخدرات، بينما ظل هو متمسكا بروايته بأنه أراد فقط إسعاد طاقمه الذي ينتمي كثير منهم إلى سكان الجزيرة القريبة.
في المحصلة، صدمت حادثة "كوستا كونكورديا" الرأي العام العالمي، ليس فقط بسبب فداحة الخطأ البشري الذي سببها، ولكن أيضا بسبب الظروف الغريبة التي أحاطت بها، منذ تدشينها وحتى غرقها. دخلت السفينة التاريخ، ليس كواحدة من أحدث سفن الركاب فحسب، بل أيضا كأكبر سفينة ركاب تغرق في زمن السلم، حيث فاق حجمها ضعف حجم التايتانيك الأسطورية، لتذكرنا بأن التكنولوجيا الحديثة، برغم كل قوتها، تبقى هشة أمام سوء التقدير والغرور.
المصدر: RT
المصدر:
روسيا اليوم
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة