منذ بزوغ فجر الثورة الصناعية الرابعة، والمنطقة العربية تقف على أعتاب تساؤل مصيري يتردد صداه في أروقة مراكز القرار ومختبرات التقنية، وهو هل قُدِّر لنا أن نظل مجرد "مستهلكي بيانات" في سوق عالمية لا تعترف إلا بمن يملك الشيفرة؟
ولفترة ليست بالقصيرة، بدا المشهد العربي وكأنه مجرد ساحة شاسعة لتدفق البيانات نحو سحابات إلكترونية غريبة، حيث تعالج لغتنا وقيمنا وتطلعاتنا في "مصانع رقمية" لا تتحدث لساننا ولا تدرك خصوصيتنا الثقافية، مما جعلنا في وضع "التبعية الرقمية" التي تستهلك المحتوى والتقنية دون أن تملك مفاتيح التحكم بها.
إلا أن الإجابة اليوم لم تعد بتلك البساطة التشاؤمية، فنحن نعيش لحظة فارقة تشهد تمردا محمودا على دور المستهلك السلبي، فلقد أصبح التحول الجذري الذي تقوده قطر والسعودية وغيرهما، يثبت أن المنطقة بدأت تدرك أن البيانات هي نفط القرن الحادي والعشرين، وأن ترك هذا النفط الخام ليعالجه الآخرون هو تفريط في سيادة المستقبل.
ويمكن القول إننا ننتقل الآن من مقاعد المتفرجين إلى منصة الصانعين، ليس فقط عبر بناء ناطحات السحاب، بل عبر تشييد ناطحات سحاب رقمية تمثلها مراكز البيانات الوطنية، وصياغة عقول اصطناعية سيادية تتحدث العربية بلهجة الواثق.
ولذلك يعد توطين مراكز البيانات من الضروريات الملحة لبناء أي قوة مرجوة، حيث يتركز في:
كما وتشير تقارير مؤسسة "آي دي سي" (IDC) العالمية إلى أن الإنفاق على السحابة العامة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يتجه نحو "التوطين القسري" مدفوعا بمتطلبات الامتثال التنظيمي التي تفرضها الحكومات لحماية أمنها المعلوماتي.
تكمن المشكلة في النماذج اللغوية الغربية في أنها "متحيزة ثقافيا"، فهي تتعلم من مصادر تعكس الرؤية الغربية للعالم، وهنا برز مفهوم "الذكاء الاصطناعي السيادي" (Sovereign AI) كأداة للتحرر المعرفي، وتمثل في الفترة الأخيرة بعدة نماذج.
ففي قطر، تؤكد مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع إن مشروع "فنار" (FANAR)، يعتبر نموذج لغوي ضخم يركز على جودة البيانات والمحتوى العربي الرصين، ويهدف لخدمة قطاعات التعليم والإعلام والبحث العلمي بما يتماشى مع القيم العربية.
أما نموذج "عالم" (ALAM)، فقد أطلقته الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي "إس دي إيه آي إيه" (SDAIA)، وقالت عنه إنه نموذج وطني يهدف لتقديم حلول ذكية باللغة العربية بذكاء محلي خالص وبنية تحتية سعودية.
وهناك أيضا نموذج "فالكون" (Falcon) وهو سلسلة من النماذج اللغوية الكبيرة مفتوحة المصدر، تم تطويرها من قبل معهد الابتكار التكنولوجي في أبوظبي، وكذلك نموذج "جيس" (Jais) اللغوي مفتوح المصدر الذي صمم ليفهم السياق الثقافي والديني واللغوي للعرب.
وتجمع آراء الصناع والخبراء على أن التكنولوجيا لم تعد أداة للرفاهية، بل هي "درع وطني" سيادي، حيث قال رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) عبد الله الغامدي، إن "السيادة الرقمية ليست خيارا، بل ضرورة لضمان ألا تملى علينا قيم خوارزمية غريبة عن مجتمعنا".
وهنا نأتي للإجابة القاطعة على سؤالنا هل نحن مجرد "مستهلكي بيانات"؟، وذلك في نتائج " قمة الويب" (Web Summit) الأخيرة في قطر، التي أعلنت بوضوح أن منطقة الشرق الأوسط سجلت أعلى معدل نمو عالمي في "الاستقلال البرمجي". فلم يعد العرب يكتفون باستيراد الحلول، بل باتوا يمتلكون أكثر من 60% من قدرات المعالجة السحابية لبياناتهم الحساسة داخل حدودهم الوطنية بفضل استثمارات تجاوزت 50 مليار دولار في البنية التحتية الرقمية في السعودية والإمارات وقطر.
وتؤكد عدة تقارير أن المنطقة العربية انتقلت فعليا من مرحلة "تخزين البيانات" إلى مرحلة "توليد القيمة السيادية"، حيث تشير الإحصاءات إلى أن نماذج الذكاء الاصطناعي السيادي مثل "جيس 3" ونسخ "فالكون" المحدثة أصبحت تعالج الآن أكثر من 55% من الاستعلامات الحكومية باللغة العربية محليا، دون الحاجة للمرور بخوادم خارج الحدود، وهذا التحول يعني تقليص الاعتماد على البنية التحتية الغربية بنسبة كبيرة، مما يوفر مليارات الدولارات من نزيف البيانات الاقتصادي.
وبشهادة خبراء التكنولوجيا فإن المنطقة العربية اليوم، تكسر قوقعة "المستهلك"، فامتلاك السعودية لواحد من أضخم مراكز البيانات في المنطقة بقدرات معالجة فائقة، وتوسع قطر في "الحوسبة اللغوية السيادية"، يثبت أنهم لم يعودوا مجرد أرقام في خوارزميات وادي السيليكون، بل هم صناع القرار الرقمي الذين يمتلكون الأرض (السحابة) والعقل (النماذج) والمستقبل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة