في بطولة تتجه فيها الأنظار عادة إلى الهدافين والنجوم أصحاب الأسماء اللامعة، فرض المدافع الإنجليزي دان بيرن نفسه بطلاً من نوع مختلف. فلم يحتج اللاعب البالغ من العمر 34 عاماً إلى أهداف أو مهارات استثنائية ليخطف الأضواء، بل فعل ذلك بسلسلة من التدخلات الدفاعية الحاسمة التي أسهمت في قيادة إنجلترا إلى الدور نصف النهائي لكأس العالم عام 2026.
وبينما يتابع المشجعون ما يقدمه اليوم في أكبر محفل كروي، تستعيد مسيرته قصة لاعب استغنى عنه نادي طفولته وهو في سن مبكرة، قبل أن يعود بعد سنوات طويلة ليكتب واحدة من أكثر الحكايات إلهاماً في البطولة، بعدما أعاد بناء مسيرته خطوة بخطوة حتى وصل إلى المنتخب الإنجليزي في عمر لم يكن يتوقع فيه كثيرون أن يحقق هذا الحلم.
بدأت قصة بيرن في المونديال بلحظتين دفاعيتين اختزلتا قيمته داخل المنتخب الإنجليزي. ففي مباراة دور الـ16 أمام المكسيك، كادت ركلة مقصية أن تستقر في زاوية المرمى الإنجليزي خلال المحاولة الأخيرة لأصحاب الأرض لإدراك التعادل، وسط تشجيع صاخب من نحو 90 ألف متفرج احتشدوا في ملعب أزتيكا. لكن بيرن ارتقى فوق الجميع وأبعد الكرة برأسه، ليحافظ على تقدم منتخب بلاده.
وبعد ستة أيام، تكرر المشهد في مواجهة النرويج ضمن الدور ربع النهائي. ففي الوقت الذي كانت فيه إنجلترا تدافع عن تقدمها 2-1 في الشوط الإضافي الثاني، اندفع بيرن نحو المدافع النرويجي ليو أوستيغارد لمواجهة كرة هوائية جديدة، ونجح في إبعادها بضربة رأس قوية قبل أن يتجاوز منافسه ويصرخ باتجاه الجماهير، في لقطة جسدت حضوره الحاسم في البطولة. في هاتين اللقطتين، أعلن بيرن عن وجوده في كأس العالم.
لم يكن بيرن قد أمضى سوى دقائق معدودة على أرض الملعب عندما دفع به المدرب توماس توخيل بشكل مفاجئ في مباراة دور الـ16 أمام المكسيك، بعد أن تراجع عدد لاعبي إنجلترا إلى عشرة إثر طرد جاريل كوانساه.
وكانت إنجلترا متقدمة 3-2، لكنها وجدت نفسها تحت ضغط هائل في الدقائق الأخيرة، مع اعتماد المكسيك على الكرات العرضية العالية بحثاً عن هدف التعادل.
لكن دخول بيرن غير شكل المواجهة. فقد فاز بالصراعات الهوائية، وأبعد الخطر بشكل متكرر، وساعد منتخب بلاده على الصمود أمام موجة الضغط المكسيكية، ليصبح أحد أبرز أسباب الحفاظ على الانتصار والتأهل.
وفي مباراة النرويج، واصل المدافع الإنجليزي الدور نفسه، إذ ساعد المنتخب على تجاوز معركة بدنية متوترة في الوقت الإضافي وحجز مكانه في الدور نصف النهائي.
وبحسب إحصاءات "أوبتا" أبعد بيرن الكرة 9 مرات واعترضها مرتين خلال مباراتيه في البطولة، في أرقام تعكس تأثيره الدفاعي خلال ظهوره الأول في كأس العالم.
على عكس العديد من نجوم كأس العالم الذين تبدأ حكاياتهم من أكاديميات الأندية الكبرى والموهبة المبكرة، بدأت قصة بيرن بالرفض. فبعد أن استغنى عنه نادي نيوكاسل يونايتد وهو لاعب صغير، اضطر إلى شق طريقه بعيداً عن الأضواء، حيث أعاد بناء مسيرته عبر الدرجات الأدنى في كرة القدم الإنجليزية.
لعب بيرن مع دارلينغتون في دوري المؤتمر ودوري الدرجة الرابعة، قبل أن يحصل على فرص للظهور مع فولهام، وويغان، وبرايتون آند هوف ألبيون.
وعندما عاد إلى نيوكاسل، نادي طفولته، عام 2022، لم يكن كثيرون يتوقعون أن تكون هناك محطة أخرى تنتظره على المستوى الدولي. ولم يكن أحد تقريباً يتوقع أن يخوض أول مباراة له في كأس العالم وهو في هذا العمر، وقد أصبح رابع أكبر لاعب في تاريخ منتخب إنجلترا يشارك لأول مرة في كأس العالم وفي عمر 34 عاماً و58 يوماً.
وقال بيرن بعد وصوله إلى أمريكا الشمالية ضمن قائمة توخيل: "لو سألتموني عندما كنت ألعب مع دارلينغتون إذا كنت سأصل إلى هنا، لربما أجبت بالنفي، خاصة في هذا العمر".
في كرة القدم الحديثة، حيث تتركز الأضواء على اللاعبين الشباب وأصحاب القيم السوقية الضخمة، يمثل بيرن نموذجاً مختلفاً. فمسيرته لا تقوم على الانطلاقة المبكرة أو الصعود السريع، بل على القدرة على تجاوز العقبات والاستمرار رغم اللحظات الصعبة. وخلال الأسابيع الأولى من البطولة، عاش بيرن تجربة كان يتابعها في السابق من بعيد فقط. فقد استعاد ذكريات كأس العالم عام 2002 باعتبارها إحدى أولى ذكرياته الكروية، وقال في حديث نقلته "رويترز" إن وجوده ضمن قائمة منتخب إنجلترا في المونديال لا يزال يبدو أمراً غير واقعي.
وتحدث عن تفاصيل عاشها للمرة الأولى، من الاحتفال مع الجماهير بعد الانتصارات، إلى غناء أغنية "وندر وول" الشهيرة لفرقة أواسيس عقب الفوز على كرواتيا في المباراة الأولى، مؤكداً أنه حاول الاستمتاع بكل لحظة في أول بطولة كبرى يشارك فيها.
كانت مباراة المكسيك نقطة التحول الحقيقية في مسيرة بيرن داخل البطولة. فبعد طرد كوانساه، احتاجت إنجلترا إلى لاعب قادر على التعامل مع الكرات العالية والحفاظ على التقدم في ملعب صعب أمام جمهور مكسيكي تجاوز عدده 90 ألف مشجع.
ورغم أن قرار توخيل بإشراك بيرن أثار استغراب بعض المتابعين، فإن المدرب الألماني وثق في قدرات المدافع المخضرم. ولم يخيب بيرن هذه الثقة، إذ قدم أداء دفاعياً قوياً، وفاز بالكرات المشتركة، وأبعد الخطورة، وساعد إنجلترا على تجاوز واحدة من أصعب فترات المباراة.
هذا الأداء جعله بطلاً غير متوقع لدى الجماهير، كما تحول إلى حديث مواقع التواصل الاجتماعي. واقترح أحد المشجعين عبر منصة "إكس" أن يحصل بيرن على موسيقى دخول خاصة به مصحوبة بعرض ضوئي عند مشاركته، في إشارة إلى الشعبية التي اكتسبها خلال أيام قليلة.
قبل مواجهة النرويج، سارع بيرن إلى التقليل من قيمة الإشادة التي حصل عليها بعد مباراة المكسيك، مؤكداً أن الأداء الفردي لن يعني شيئاً إذا لم يواصل المنتخب الإنجليزي طريقه في البطولة.
كما رحب بمواجهة المهاجم النرويجي إرلينغ هالاند، مؤكداً استعداده لخوض معركة بدنية جديدة بنفس الثقة الهادئة التي ميزت مسيرته.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل قصة بيرن تتجاوز حدود كرة القدم نفسها.
ففي بطولة يسيطر عليها النجوم العالميون واللاعبون الذين تقدر قيمتهم بملايين الدولارات، يظهر لاعب قيل له في سن الحادية عشرة إنه ليس جيداً بما يكفي، وقضى سنوات طويلة يحاول إثبات نفسه في مختلف درجات الكرة الإنجليزية، قبل أن يصل إلى أكبر ساحة كروية في العالم في الوقت الذي تكون فيه مسيرة معظم اللاعبين الدوليين قد بلغت ذروتها.
وقال بيرن: "هذا أمر جميل، لأنه لا يوجد مسار مستقيم للعب كرة القدم والنجاح فيها. آمل أن يمنح ذلك الأطفال القليل من الإلهام".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة