في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في بيلبارا بغرب أستراليا، وداخل منطقة تعرف باسم "نورث بول دوم"، تحمل الصخور علامات اصطدام قديم؛ حيث عثر على ما يعرف باسم "مخاريط التهشم"، وهي تراكيب صخرية مخروطية لا تتكون عادة إلا تحت ضغط هائل، مثل الضغط الناتج عن ارتطام نيزك أو كويكب بسطح الأرض.
في دراسة جديدة نشرت يوم 23 يونيو/حزيران في دورية "جيولوجي" (Geology) توصل باحثون إلى أن اصطدام "نورث بول دوم" وقع قبل نحو 3.024 مليار سنة، بهامش خطأ لا يتجاوز 7 ملايين سنة. وإذا صح هذا التقدير، فإن الموقع يمثل أقدم بنية اصطدام معروفة على الأرض، والوحيدة المؤكدة حتى الآن من العصر الأركي، وهو فصل شديد القدم من تاريخ الكوكب.
تكمن أهمية الاكتشاف في أن سجل اصطدامات الأرض القديمة يكاد يكون مفقودا؛ فالقمر، على سبيل المثال، ما زال يحتفظ بآثار قصف نيزكي عنيف حدث في بدايات النظام الشمسي، لأن سطحه لا يتغير كثيرا.
أما الأرض، فقد أعادت الصفائح التكتونية والبراكين والتعرية والبحار تدوير معظم قشرتها القديمة، فمسحت كثيرا من آثار تلك الكوارث، حسب المؤلف الرئيسي للدراسة، كريس كيركلاند، الأستاذ في كلية علوم الأرض والكواكب بجامعة كورتين.
لذلك كان على الباحثين أن يبحثوا عما يمكن وصفه بأنه "ساعة" دقيقة داخل الصخور نفسها. استخدم الفريق عدة معادن يمكن أن تحتفظ بعمر الأحداث الجيولوجية، منها الزركون والأباتيت والكالسيت والمسكوفايت.
واللافت أن معدن الزركون، وهو معدن شديد الصلابة يستطيع حفظ الزمن لمليارات السنين، ظهر في الصخور على أكثر من هيئة: حبيبات قديمة تعود إلى أكثر من 3.4 مليار سنة، وأشكال هيكلية أصغر عمرا.
يوضح كريس في تصريحات للجزيرة نت أن هذه الأشكال الهيكلية من الزركون أعطت عمرا يقارب 3024 مليون سنة. ويفسر الباحث ذلك بأنها لم تتكون في صخر جديد عادي، بل أعيد تبلورها في أثناء نشاط حراري مائي مرتبط بالاصطدام.
ويضيف: "وبعبارة أبسط، لم يكن الزركون هو بداية القصة، لكنه سجل لحظة عنيفة أعادت تشكيل بعض المعادن داخل الصخور بعد الاصطدام".
ولم يأت الدليل من الزركون وحده، إذ أعطى الأباتيت، وهو معدن آخر نما بفعل سوائل حارة داخل الصخور المتأثرة، عمرا قريبا يبلغ نحو 3019 مليون سنة. وهذا التقارب بين عمر الزركون وعمر الأباتيت جعل الباحثين يرون أن الحدث نفسه، أي الاصطدام وما تبعه من حرارة وسوائل داخل الصخور، هو التفسير الأبسط لهذه الإشارات الزمنية.
درس الفريق البحثي أيضا وريدا من الكوارتز والكربونات يقطع نسيج مخاريط التهشم. وداخل هذا الكوارتز، عثر الباحثون على ملامح صدم دقيقة تعرف باسم "خصائص التشوه المستوية"، وهي خطوط مجهرية تظهر عندما يتعرض الكوارتز لضغط عال جدا.
وهذه الخصائص – بحسب المؤلف الرئيسي للدراسة – تعد من العلامات المهمة التي تساعد العلماء على التمييز بين الصخور التي تعرضت لاصطدام نيزكي وتلك التي تشكلت بعمليات جيولوجية عادية.
لكن القصة لا تخلو من تعقيد، إذ أعطى معدن المسكوفايت غير المشوه داخل الوريد عمرا أحدث بكثير، يقارب 1.655 مليار سنة. وهذا يعني أن بعض السوائل والأحداث الجيولوجية اللاحقة أثرت في الصخور بعد الاصطدام بزمن طويل، لكنها لا تمثل عمر الاصطدام نفسه.
وبذلك تكشف الصخور عن أكثر من طبقة زمنية: لحظة الاصطدام القديمة جدا، ثم أحداث لاحقة أعادت تعديل بعض المعادن دون أن تمحو الدليل الأصلي.
وتحمل هذه النتائج أهمية تتجاوز تحديد عمر فوهة واحدة؛ فهي تمنح العلماء نافذة نادرة على تاريخ الأرض المبكر، وتساعد في فهم كيف أثرت الاصطدامات النيزكية في القشرة القديمة، وربما في البيئات التي سبقت تطور الحياة المعقدة بمليارات السنين. فالاصطدامات الكبرى لا تترك حفرا فقط، بل يمكن أن تغير الحرارة والسوائل والصخور، وتخلق بيئات جيولوجية جديدة على سطح الكوكب.
مع ذلك، يضع الباحثون حدودا واضحة للدراسة؛ فالأشكال الهيكلية للزركون لا تعد وحدها دليلا قاطعا على الاصطدام، لأنها قد تتكون أيضا في بعض البيئات البركانية أو الصهارية سريعة التبريد.
لذلك لا يعتمد الاستنتاج على معدن واحد أو إشارة واحدة، بل على اجتماع عدة أدلة معا: مخاريط التهشم، والكوارتز المصدم، وعمر الزركون، وعمر الأباتيت، وغياب حدث تكتوني إقليمي معروف عند 3.02 مليار سنة يمكن أن يفسر إعادة تبلور المعادن بالطريقة نفسها.
كما أن بعض حبيبات الزركون تعرضت لفقدان الرصاص في عصور أحدث، "وهي مشكلة معروفة في التأريخ الجيولوجي، لأن حساب العمر يعتمد على قياس تحلل اليورانيوم إلى رصاص داخل المعدن" يقول كريس. فإذا فقد المعدن جزءا من الرصاص لاحقا، يصبح فصل الإشارات القديمة عن اللاحقة مهمة أكثر تعقيدا.
لذلك تعامل الفريق مع النتائج بوصفها جزءا من حزمة أدلة متكاملة، لا رقما منفصلا قائما بذاته.
أما من حيث التمويل، فلم تذكر الدراسة منحة بحثية مباشرة للمشروع، لكنها أشارت إلى أن منشأة "جون ديل لايتر"، التي استخدمت في التحليلات الجيولوجية، مدعومة من "أوسكوب"، والإستراتيجية الوطنية الأسترالية للبنية التحتية البحثية التعاونية، وبرنامج البنية التحتية والمعدات والمرافق التابع لمجلس البحوث الأسترالي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة