آخر الأخبار

تمرد الإلكترونات.. حالة كمومية للمادة "عابرة للأبعاد" تفاجئ علماء الفيزياء

شارك

عادة ما يصنف الفيزيائيون حالات المادة استنادا إلى الطريقة التي تتحرك بها الإلكترونات داخلها، وهي حركة تتأثر بعوامل متعددة، من بينها البنية الذرية وترتيب الذرات في المادة.

وعندما تُوضع مادة رقيقة في مجال مغناطيسي، تميل الإلكترونات إلى التحرك في مسارات دائرية صغيرة، فيما ينحرف التيار الكهربائي جانبيا نحو حواف المادة نتيجة خصائصها المغناطيسية الداخلية، وهي الظاهرة المعروفة باسم "تأثير هول ".

ويظهر هذا التأثير عادة سلوكا يمكن التنبؤ به نسبيا، خاصة عند الأخذ في الاعتبار ما إذا كانت المادة تنتمي فعليا إلى نظام ثنائي الأبعاد أو ثلاثي الأبعاد.

أما في المواد ذات الخصائص المغناطيسية، فتصبح حركة الإلكترونات أكثر تعقيدا، ما يؤدي إلى ظهور أشكال مختلفة من هذا التأثير الذي ترجع جذوره التاريخية إلى الفيزيائي إدوين هول عام 1879.

وخلال تجربة أُجريت على نوع مميز من الغرافين الطبقي وُضع داخل مجال مغناطيسي، رصد فريق من الفيزيائيين قاده أستاذ الفيزياء لي وانغ من كلية الفيزياء في جامعة نانجينغ بالصين، فئة غير معروفة سابقا من سلوكيات المواد، لا تظهر إلا في طبقات الغرافين ذات سُمك محدد لا يتجاوز بضعة نانومترات.

ووفقا للباحثين، الذين نشروا نتائجهم في مجلة " نيتشر "، فإن المادة تدخل في حالة جديدة من حالات المادة الكمومية وصفوها بأنها "عابرة للأبعاد "، أي ليست ثنائية الأبعاد بالكامل ولا ثلاثية الأبعاد، بل تقع في حالة وسطية. وقد أظهرت هذه الحالة غير المألوفة نمطا جديدا كليا لحركة الإلكترونات.

مصدر الصورة تتصرف الحالة الجديدة بطريقة لا تنتمي بالكامل إلى عالم ثنائي الأبعاد ولا إلى عالم ثلاثي الأبعاد (دورية نيتشر)

كسر الحواجز الفيزيائية

كان هذا الاكتشاف مفاجئا بالكامل، إذ لم يُرصد سابقا في أي مادة معروفة أخرى، ولم تُشر إليه أي نظرية فيزيائية سابقة، ولم يُلاحظ في أي مادة أخرى من قبل، وقد استغرق الفريق نحو عام كامل لفهم البيانات التجريبية الأولية. وكان الهدف الأصلي للدراسة هو فحص سلوك الإلكترونات داخل مادة الغرافين الرومبوهدري متعدد الطبقات، وهي شكل من الغرافيت الرقيق يتميز بتراص طبقي خاص، على أمل تحقيق تيارات كهربائية عالية الكفاءة داخل هذه البنية الفريدة.

إعلان

ويوضح وانغ أن الغرافين الرومبوهدري يعد نظاما فيزيائيا رائدا حظي باهتمام كبير من الباحثين خلال السنوات الأخيرة، لا سيما بعد رصد العديد من الظواهر الفيزيائية الجديدة في طبقاته الخماسية والسداسية.

ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن فريقه قرر، قبل 3 سنوات، استكشاف هذا النظام ضمن نطاق سُمك مختلف لم يسبق لمجموعات بحثية أخرى دراسته، لذا ركزنا على عينات مكونة من 9 طبقات بل وأكثر سمكا.

ويشير الباحث إلى أن هذا القرار أثبت صوابه، لأن نطاق السُمك هذا يقع ضمن نطاق الأبعاد المتعددة، وهي حالة لا يعود فيها الغرافين نظاما ثنائي الأبعاد، كما أنه لم يصل بعد إلى السلوك ثلاثي الأبعاد الكامل، وهو أمر بالغ الأهمية لهذا الاكتشاف.

وفي هذا النطاق الفيزيائي الفريد، لاحظ الباحثون أنه عند تعريض هذه المادة لمجال مغناطيسي، بدأت الإلكترونات تظهر سلوكا غير اعتيادي يسمح للإلكترونات بالحركة بطريقة منسقة داخل الطبقات وكذلك بينها، مما يؤدي إلى أنماط أكثر تعقيدا في السلوكين المغناطيسي والكهربائي مقارنة بما كان معروفا سابقا.

وما حير الباحثين تحديدا هو أن المادة أظهرت نوعا من تأثير هول عند تعريضها لمجالين مغناطيسيين متعامدين. وهذا يعني أن الإلكترونات تمكنت من تنفيذ حركات دائرية أفقية وعمودية في الوقت نفسه، رغم أن سمك المادة كان يُفترض نظريا أن يكون غير كاف لدعم مثل هذه الحركة المزدوجة المعقدة.

مصدر الصورة تم تحقيق تقدم في اعتماد الجرافين ومركبات الكربون النانوية الأخرى كركائز في صنع المحفزات (غيتي إيميجز)

نطاق جديد عابر للأبعاد

في البداية، رجح الباحثون أن الخطأ قد يكون ناتجا عن خلل تجريبي، لكن تكرار التجارب باستخدام عينات متعددة أكد صحة النتائج. وأظهرت القياسات في مواد يتراوح سمكها بين 2 و5 نانومترات فقط، أن الإلكترونات تظهر نمط حركة غير مسبوق، يختلف بوضوح عن السلوكيات المعروفة في الأنظمة ثنائية أو ثلاثية الأبعاد المدروسة سابقا.

ونظرا لأن هذا السمك لا يجعل المادة ثنائية الأبعاد بالكامل ولا ثلاثية الأبعاد، اختار الباحثون وصف هذه الحالة غير المألوفة بأنها "عابرة للأبعاد "، لكن وانغ يوضح أن هذا المصطلح لا يعني الجمع بين خصائص البعدين أو المزج بينهما، بل يشير إلى نظام جديد كليا لا يندرج ضمن الأطر التقليدية المعروفة في فيزياء الأبعاد.

ويشير إلى أن التأثير العابر للأبعاد يختلف عن الحالات التقليدية (ثنائية وثلاثية الأبعاد) في أنه لا يكتفي بالمغناطيسية الرأسية فقط، بل يرتبط بالمغناطيسية المدارية داخل مستوى المادة وخارجه في آن واحد.

ويضيف "أثبتنا ذلك تجريبيا من خلال ظهور استجابة مغناطيسية قوية وواضحة عند تعريض المادة لمجالات مغناطيسية موازية لسطحها (داخل المستوى) وعمودية عليه (خارج المستوى).

تطبيقات عملية محتملة

يعزز الاكتشاف الحالي فكرة أن هناك فئات غير مكتشفة من السلوكيات الفيزيائية قد تظهر عند حدود الأبعاد التقليدية. ويأمل العلماء أن يساعد في فهم أعمق لفيزياء المواد الكمية، التي قد تمهد الطريق لتطبيقات جديدة في دراسة الظواهر الكمومية المعقدة، وربما تسهم أيضا في تطوير تقنيات إلكترونية جديدة تعتمد على التحكم الدقيق في حركة الإلكترونات.

إعلان

ويقول وانغ "ما نراه اليوم ليس سوى البداية الأولى لاستكشاف النظام العابر للأبعاد. عندما نبدأ في دراسة الأبعاد تم تجاهلها لفترة طويلة، فقد يكون لها تأثير كبير ليس فقط على فهمنا الأساسي للفيزياء، بل قد تولد أيضا تقنيات جديدة لا تزال حتى الآن مجرد خيال، ولكنها قد تصبح حقيقة واقعة، حيث تتصرف الأجسام وفقا لقواعد مختلفة تماما في عالم عابر للأبعاد ".

ويتطلع وانغ وفريقه في المرحلة المقبلة إلى البحث عن ظواهر مشابهة لما يسمونه "الفيزياء العابرة للأبعاد " في مواد أخرى، إضافة إلى استخدام أدوات قياس متقدمة مثل مستشعرات المجالات المغناطيسية المعتمدة على الألماس، بهدف تعميق الفهم لهذه الحالة الجديدة من المادة، التي قد تفتح آفاقا واسعة في علم المواد والفيزياء الكمومية.

ويختم الباحث بقوله "نعمل حاليا بصورة مكثفة على توسيع أبحاثنا المتعلقة بالتأثيرات العابرة للأبعاد على العديد من الظواهر الفيزيائية الأساسية. كما نعيد فحص عدد من القواعد الفيزيائية الراسخة للتحقق مما إذا كانت لا تزال صحيحة ضمن النظام العابر للأبعاد، وذلك في الغرافين وكذلك في مواد أخرى ".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار