آخر الأخبار

حشرات تطير بأرجلها بدلا من أجنحتها.. كيف يفسر العلم ذلك؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

إذا سئلت عن حشرتك المفضلة، فغالبا ما تتصدر الفراشات واليعاسيب واليراعات قائمة التفضيلات، إلى جانب فرس النبي أو السرعوف والحشرات العصوية، بينما تحظى بعض الخنافس ونحل العسل بإعجاب واسع، ويجد محبو الليل متعتهم في أصوات الكاتيديد وصراصير الأشجار.

لكن لو كانت ذبابة الرافعة الوهمية أو الشبحية أكثر شهرة، لكانت منافسا قويا بلا شك، فهذه الحشرة الصغيرة أذهلت الباحثين وعشاق الطبيعة على حد سواء، ليس بحجمها الصغير أو جمالها الطفيف، بل بأسلوب طيرانها غير المألوف، الذي يبدو وكأنه ينتزع صفقة خاصة مع قوانين الفيزياء، ويتحدى الصورة التقليدية للطيران في عالم الحشرات، ما يفتح آفاقا جديدة لتطوير مركبات جوية صغيرة عالية الكفاءة.

مصدر الصورة مثل زغب الهندباء، تستفيد أرجل الحشرات من التيارات الهوائية الصاعدة للطيران عاليا (فيكتور أورتيغا خيمينيز – جامعة كاليفورنيا بيركلي)

ذبابة ليست كغيرها

تنتمي ذبابات الرافعة إلى فصيلة صغيرة من رتبة ثنائيات الأجنحة، التي تضم البعوض والذباب، وربما أكثر المجموعات الحشرية انتشارا على الأرض. لكن، وعلى عكس أقاربها مثل البعوض وذباب الخيل وذباب المنازل -التي تضم مئات أو آلاف الأنواع- فإن هذه الذبابات تنتمي إلى فصيلة صغيرة تُعرف بـ"بتيكوبتيريدي"، وتضم ثلاثة أجناس فقط معروفة بسلوكها الغريب في نشر أرجلها أثناء الطيران.

وعلى الرغم من تشابهها الظاهري مع عائلات أخرى من الذباب طويل الأرجل (الطيثارينات)، فإنها تتميز بخصائص تشريحية وفسيولوجية مختلفة، وتفتقر إلى بعض السمات المميزة لتلك المجموعات، مثل العيون البسيطة الموجودة في فصيلة ذباب الشتاء (ترايكوسيريد)، أو التفرعات الشعاعية الخماسية في الأجنحة لدى فصيلة ذباب الكرين البدائي (تانيديريدي)، أو العروق الشرجية الممتدة حتى حافة الجناح الخارجية كما في الذباب طويل الأرجل.

إعلان

ومن الفروق الأخرى أن هذه الذبابات غير مؤذية إطلاقا، فهي لا تعض، ولا تلسع، ولا تمتص الدم، ولا تطن. وغالبا ما تبقى قريبة من سطح الأرض، وتفضل البيئات الطينية الرطبة والمظللة مثل المستنقعات أو الجداول المائية، حيث تضع بيضها، لتفقس اليرقات، وتتحول لاحقا إلى عذارى، وعند بلوغها النضج الكامل، تعيش حوالي أسبوع واحد فقط، وتتزاوج خلاله لكنها لا تتغذى.

هذه الذبابة التي تبدو كأنها ندفة ثلج طائرة، أو تشبه عنكبوتا طويل الأرجل يطير، لكن بجسم نحيل لا يتجاوز نصف بوصة، تقدم عروضها الجوية الدقيقة والمبهرة منذ العصر الإيوسيني قبل نحو 40 مليون عام تقريبا، ولا تزال حتى اليوم تزين الأراضي الرطبة في نصف الكرة الشمالي بحركاتها الفريدة، وتكون أكثر وضوحا بين أواخر مايو/أيار وأوائل سبتمبر/أيلول.

مصدر الصورة نموذج ثلاثي الأبعاد مكبر يتيح قياس تأثير الأوضاع المختلفة للأرجل على قوة السحب (ساراهي أرياغا-راميريز، – جامعة كاليفورنيا بيركلي)

الأرجل أولا

سُميت هذه الحشرات الرافعة نسبة إلى أرجلها الست الطويلة المنتشرة التي تتميز بتكيفات خاصة، فهذه الأرجل ليست مجرد أطراف للمشي أو التعلق على النباتات، بل هي هيكل فعال للهروب من الجاذبية، إذ تمتد إلى الخارج من الجسم كأنها قضبان عجلة، لتلتقط أدنى نسمة من الهواء. ونتيجة لذلك، تبدو وكأنها تطفو في الهواء مستفيدة ديناميكيًا من التوسعات الموجودة في أرجلها.

كما تتكون هذه الأرجل من مجموعة من المفاصل والزوائد الغريبة، وهي عادة ما تكون مجرد أجزاء صغيرة في أرجل معظم الحشرات، لكن في هذه الذبابات تكون منتفخة ومملوءة بالهواء، مما يمكّنها من الانجراف مع التيارات الهوائية الصاعدة بدلا من استهلاك الطاقة في رفرفة الأجنحة بشكل مستمر للبقاء محلقة.

وفي دراسة شهيرة، أوضح عالم الحشرات تشارلز توماس بروس أن هذه الأجزاء في الأرجل متضخمة بشكل كبير ومليئة بالقصيبات الهوائية، لدرجة أنها تملأ التجاويف تقريبا. وأشار إلى أن هذه التراكيب ليست مخصصة للتنفس، بل ترتبط على الأرجح بطريقة الحركة.

توضح الباحثة المتخصصة في قسم البيولوجيا التكاملية بجامعة كاليفورنيا بيركلي، ساراهي أرياغا-راميريز، أن هذه التراكيب تُعرف باسم الحلقات الرسغية، وهي تعمل كمعززات متخصصة لقوة السحب. مضيفة في حديثها للجزيرة نت "نظرا لكونها مجوفة وغنية بالقصيبات الهوائية، فإنها تقلل الوزن، وتوفر مساحة سطحية أكبر تزيد من مقاومة الهواء دون زيادة ملحوظة في الكتلة، وهو ما يحسن من كفاءة التفاعل مع الهواء".

وتكمن هذه الخاصية في أن الأنابيب التنفسية المتمددة في الأرجل تعمل كأكياس هوائية صغيرة، تزيد من الطفو، وتمنح الحشرة خفة عالية ومساحة أكبر لالتقاط تيارات الهواء. وبدلا من أن تشكل الأجنحة المصدر الرئيسي للرفع، تكون الأرجل نفسها مثل مظلات صغيرة تلتقط الهواء وتسبح فيه.

اسم على مسمى

ليس فقط آلية الطيران ما يجعل هذه الحشرات مثيرة للاهتمام، بل أيضا مظهرها الغريب أثناء الطيران. فهي تتميز بنمط لوني لافت من الأسود والأبيض. وعندما تطير تحت الظلال المتنقلة أو بين بقع الضوء في الغابة أو المستنقع، يختفي معظم أجزاء الجسم، وتبقى النقاط البيضاء فقط مرئية.

إعلان

هذا التأثير يُشبه نقاط ضوء متحركة تظهر وتختفي في الهواء، الأمر الذي أوحى للمراقبين بوصف هذه الحشرات بـ"الوهمية" أو "الشبحية"، حيث يشبه مظهرها في تلك اللحظات بقعا متحركة دون هيكل واضح أمام العين، حتى إن البعض يراها كسرب صغير من عدة حشرات، وهو ما يمنحها طابعا كأنها "شبح" متحرك في الهواء.

ورغم اقتراح أن يكون هذا التلوين تحذيريا، لا يوجد دليل على أنها غير مستساغة للمفترسات. ويُرجح أن هذا النمط يساعدها على التمويه في البيئات التي تتخللها بقع الضوء والظل. كما أن أرجلها قد تنفصل بسهولة، وربما تضحي بإحداها للنجاة.

مصدر الصورة عندما تطير الذبابة تحت الظلال يختفي معظم أجزاء الجسم، وتبقى النقاط البيضاء فقط مرئية كأنها شبح متحرك في الهواء (فيكتور أورتيغا خيمينيز – جامعة كاليفورنيا بيركلي)

سر الطيران بالأرجل

لمعرفة كيفية بقاء ذبابات الرافعة الوهمية في الهواء، قادت ساراهي تجارب علمية، فعند مراقبة هذه الحشرات بكاميرات عالية السرعة في هواء ساكن داخل المختبر، لوحظ أنها ترفرف بأجنحتها لبدء الصعود، محافظة على وضعية عمودية لأرجلها، ربما لتقليل مقاومة الهواء وتسهيل الطيران.

لكن هذا الترتيب تغير عند مواجهة تيار هوائي صاعد في نفق الرياح، فقد توقفت الحشرات عن رفرفة أجنحتها مقارنة بمعظم الحشرات الأخرى، وفردت أرجلها للخارج وللأعلى في الهواء بزاوية مخروطية مقلوبة تشبه مظلة مقلوبة أو زغب الهندباء، وهو بنية ريشية دقيقة تشبه المظلة تتصل ببذور نبات الهندباء، وتعمل كآلية طبيعية فعالة لانتشار البذور عبر الرياح لمسافات بعيدة.

يتكون هذا الزغب من نحو 100 شعيرة دقيقة، وهو مصمم هندسيا لتكوين دوامة هوائية ثابتة تساعد على الطفو ومقاومة الجاذبية. تساعد الشعيرات البذرة على الطيران بفعالية تزيد على 4 مرات مقارنة بالمظلات التقليدية، مما يسمح لها بالانتشار بعيدا عن النبات الأم.

وعند مقارنة هذه الآلية بطريقة انتشار بذور الهندباء، تقول ساراهي: "كلاهما يعتمد على قوة السحب للطيران عاليا، إلا أن الاختلاف الجوهري يكمن في امتلاك ذبابة الرافعة الوهمية لأجنحة أيضا، ما يمنحها القدرة على استخدام استراتيجية هجينة تجمع بين الطيران النشط عبر رفرفة الأجنحة والتحكم عبر الأرجل لاستغلال التيارات الهوائية".

وتضيف الباحثة التي تشتهر بأبحاثها حول الطيران الحشري والمحاكاة الحيوية: "أظهرت تجاربنا أن هذه الحشرات، على عكس بذور الهندباء ذات الشكل الثابت، قادرة على تعديل وضعية أرجلها بشكل نشط استجابة لاضطرابات تدفق الهواء، للحفاظ على التحكم أثناء الطيران".

في تجارب نفق الرياح، تطفو الذبابات على النسيم نتيجة مقاومة الهواء الناتجة عن أرجلها الخفيفة للغاية. ومع تغير الظروف، كان شكل المخروط يتكيف تلقائيا، ففي تيارات هواء صاعدة أقوى، أصبح ترتيب الأرجل أضيق.

لفهم تأثير تغير شكل المخروط، صنع الباحثون نماذج ثلاثية الأبعاد أكبر حجما من الذبابة، وسحبوها عبر خزان من الزيت المعدني الذي يحاكي لزوجة الهواء بالنسبة لجسم صغير. وأظهرت النتائج أن المخروط الضيق ينتج مقاومة أقل بنسبة نحو 20% مقارنة بالمخروط المسطح، مما يشير إلى أن أرجل الذبابات تتكيف لتوفير رفع أكثر سلاسة.

من الطبيعة إلى التكنولوجيا

ربما تكون ذبابات الرافعة الوهمية مثالا مثيرا على كيفية تلاقي الفيزياء بالهندسة الحيوية. فأسلوبها الفريد في الطيران ألهم الباحثين لتجربة تصميمات مختلفة لمركبات جوية صغيرة أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة وأكثر استقرارا.

أحد هذه الخيارات استخدم مادة تُعرف بـ"سبيكة الذاكرة الشكلية"، قادرة على العودة إلى شكلها الأصلي عند تسخينها بعد تشويهها وهي باردة أو عند مرور تيار كهربائي فيها، لتسمح لأرجل الروبوت الطائر بمحاكاة الذبابة بالانحناء عند الحاجة. وقد حركت ملفات مصنوعة من هذه السبائك الأرجل من موضع مستقيم إلى منحني، ثم تعود إلى وضعها الأصلي.

إعلان

وتوضح ساراهي التي قادت دراسة حول تطبيقات تنقل الذبابة الرافعة في الروبوتات الصغيرة، و قدمت نتائجها في قمة الفيزياء العالمية في دنفر في 17 مارس/آذار 2026، أن "المركبات الحالية تعاني من قيود أساسية، إذ تحتاج إما إلى مصدر طاقة خارجي للحفاظ على الطيران لفترات طويلة، أو تعتمد على بطاريات تضيف وزنا كبيرا".

وتقول "نظرا لأن التيارات الهوائية، سواء الصاعدة أو الأفقية، شائعة في الغلاف الجوي، خاصة خلال النهار بفعل الحمل الحراري، فإن النموذج المستوحى من هذه الحشرة يمكن أن يوجه تصميم مركبات جوية دقيقة، تجمع بين التحكم السلبي عبر الأرجل والرفرفة النشطة، بما يمكنها من استغلال هذه التيارات لتحسين كفاءة الطاقة مع الحفاظ على التحكم".

ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح مدى تحكم ذبابات الرافعة الوهمية بأرجلها، ومدى تأثير الرياح عليها. لذا جرب الفريق أيضا أرجلا ذات مفاصل مرنة تسمح بالحركة التلقائية. مع زيادة سرعة الرياح، انحنت الأرجل تلقائيا، مما أعطى المركبة شكلا أكثر انسيابية.

وتختم ساراهي بقولها "نعمل حاليا على إجراء تجارب باستخدام حشرات حية ونماذج فيزيائية لدراسة مدى التحكم النشط الذي تمارسه هذه الحشرات في تعديل أوضاع أرجلها استجابة لتغير سرعات التيارات الهوائية الصاعدة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار